حق يأبى النسيان.. في الذكرى السابعة والستين للنكبة الكبرى

د. عبد القادر حسين ياسين
مصر : ۱٤-۵-۲۰۱۵ - ۱۲:۵۲ م - نشر

تحلّ اليوم، الخامس عشر من أيار، الذكرى السابعة والستون للنكبة، المتمثلة باغتصاب فلسطين وتشريد شعبها، وزرع الكيان الصهيوني في خاصرة الوطن العربي عام ١٩٤٨. ويبدو أن "التقادم" قد فعل فعله في إضعاف الاهتمام بهذه الذكرى الأليمة التي صار الحديث عنها "مـُمـِلا"، كأي حديث يـُعاد ويـُكرر مراراً، دون أن يتضمن أي عنصر جديد.

ويبدو أيضاً، أن تعدد الذكريات المؤلمة في التاريخ العربي الحديث قد ساهم، مع "التقادم"، في إبطال مفعول هذه الذكرى حتى في نفوس الجماهير العربية التي كانت فيما مضى، وبالتحديد قبل هزيمة الخامس من حزيران عام ١٩٦٧، التي يـُصرّ البعض على تسميتها بـ"النكسة"، تستقبل ذكرى النكبة بتأثير عميق وحماس ظاهر، واحتجاج صريح وبصوت شعبي عال.

وكان ذلك يفرض على الأنظمة العربية أن تولي ذكرى النكبة قدراً من الاهتمام على المنابر الخطابية والإعلامية لتـُشعـِر الجماهير بأنها "لم تنسَ قضية العرب الكبرى" و"لم تغض النظر" عنها على الرغم من إنشغالاتها "الوطنية" وهمومها "القومية" وواجباتها "الإقليمية" الكثيرة.

النكبة الفلسطينية والملفات الأخرى

والشيء الجديد الذي يتضمنه حديثنا عن نكبة فلسطين في ذكراها السابعة والستين يتمثل في هذه الظاهرة المحزنة من التناسي، وقلة، كي لا أقول عدم، الاهتمام بالذكرى التي صارت تمر بالعرب شعوباً وحكومات دون أن تحظى حتى بمظاهر الإحياء العادية.

ولهذه الظاهرة المؤسفة أسباب عديدة يفرزها الواقع العربي الذي يزداد ضعفاً وتردياً وانقساماً أمام الهجمات المتتالية، والتحديات الخطيرة، والمستجدات المؤلمة، التي ألقت على ملف النكبة الفلسطينية ملفات جديدة حجبته عن رؤية العين والذاكرة، وجعلت الأنظار تتركز على الملفات المأساوية الأخرى (سوريا، العراق، ليبيا، اليمن) ذات الصلة الوثيقة بالملف الأساسي، وهو ملف النكبة التي حلـَّت بشعبنا الفلسطيني عندما وقف دافيد بن غوريون ليعلن قيام "دولة الشعب اليهودي" في "أرض إسرائيل" في الخامس عشر من أيار عام ١٩٤٨.

وإذا كنا مطالبين بتوضيح وتأكيد ظاهرة اللامبالاة، رغم وضوحها رسمياً وشعبياً، فإننا ندعو إلى تذكر الذكريات المماثلة في الخمسينات ومطلع الستينات من القرن الماضي، حيث كانت مرارة الخامس عشر من أيار تهز نفوس الجماهير العربية، وغالباً ما كانت تهز كراسي الأنظمة إذا ما بدت مستعدة، أو حتى مهيأة، لتناسي قضية العرب الكبرى، وطيّ ملفها.

وجاءت النكبة الثانية في الخامس من حزيران عام ١٩٦٧، لتحول الأنظار والاهتمامات عن النكبة الأولى، وتضع العرب، شعوباً وحكومات، أمام "الأمر الواقع الجديد". وليس ثمة شك في أن العدو الصهيوني قد وضع في حساباته الاستفادة مرة أخرى من عامل "التقادم"، فضلا عن أسلوبه المعروف في خلق ملفات جديدة وأمر واقع Fait accompli آخر يصرف النظر عما قبله.

في مقابلة أجرتها معه مجلة Der Spiegel "دير شبيغل" الألمانية في تشرين الأول (أكتوبر) عام ١٩٧١ يقول الجنرال موشيه دايان، وزير "الدفاع" الإسرائيلي آنذاك: "في تشرين الثاني (نوفمبر) عام ١٩٤٧ رفض العرب قرار التقسيم، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة. وفي عام ١٩٤٩، بعد التوقيع على اتفاقيات الهدنة، عادوا إلى المطالبة بتنفيذه. وفي عام ١٩٥٥ كانت جميع الدول العربية المعنية ترفض اتفاقيات "الهدنة". وبعد حرب الأيام الستة، في حزيران عام ١٩٦٧، عادوا الى المطالبة بانسحاب إسرائيل إلى حدود الرابع من حزيران.. ولن أفاجأ، والكلام لدايان، بعد حرب أخرى تسيطر فيها إسرائيل على مناطق عربية جديدة في الأردن أو سوريا، إذا ما طالبوا بالعودة إلى الحدود الحالية".

وكان هذا، في الواقع، أحد الدوافع الرئيسة لغزو لبنان في حزيران عام ١٩٨٢. ومن غير المستبعد أن يكون العدو قد أعدَّ مخططا لاستحداث ملفات أخرى جديدة وفرض أمر واقع جديد.

وانطلاق مما تقدم، نقول بأن أخطر ما يلوح في الأفق العربي من ظواهر السلبية والإحباط، هو هذا المقدار المحزن من التناسي واللامبالاة الذي يميز استقبالنا للذكرى، والذي يتزايد عاما بعد عام. وإذا ما استمر الحال على هذا المنوال، فإن عمليات "غسيل الدماغ" الجماعي التي تجري في العالم العربي بأساليب متنوعة ستنجح، خلال السنوات القليلة المقبلة، في بلوغ أهدافها.

الذاكرة العربية والوعي

وحين تـُجرد الجماهير العربية من ذاكرتها ووعيها، يسهل تجريدها من كل سلاح مادي ومعنوي، وتصبح بذلك مهيئة للسقوط في شراك العدو الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية، فاقدة بذلك القدرة والإرادة على الصمود والتصدي للأخطار، والتحديات المتلاحقة التي تهدد وجودها بكافة أبعاده ومقوماته.

إن إنفراد الشعب الفلسطيني بإحياء ذكرى النكبة التي ألمـّت به أمرٌ بالغ الخطورة، وأبسط ما يتضمنه من المعاني الخطيرة هو نجاح العدو في "أقلمة" القضية القومية الأولى، وإشاعة النفـَس الإقليمي في المنطقة ضمن محاولات العزل والحصار. وهذا، بالطبع، ينسجم مع المساعي الأمريكية الهادفة، منذ أزمة الخليج الثانية، إلى تجزئة القضية القومية الواحدة، وتفتيتها إلى أجزاء إقليمية متناثرة، وملفات عديدة (الملف الفلسطيني، الملف العراقي، الملف السوري، إلى آخره) لتسهل عملية تصفيتها ملف ملف، وخطوة خطوة.

إن الفصل بين ما حدث عام ١٩٤٨، وما حدث عام ١٩٦٧، مضافاً إلى ذلك كله كافة التفاصيل التي تؤكد، بما لا يدع مجالا للشك، النزعة العدوانية، والأطماع التوسعية للعدو، من شأنه أن يذهب بالبقية الباقية من وعي العرب بأبعاد قضيتهم وطبيعة عدوهم.

الوعي العربي المطلوب تصفيته ومحوه من الذاكرة هو أن قضية فلسطين ليست قضية الشعب الفلسطيني وحده، بل هي، كما أكدت الوقائع والتطورات، قضية المصير العربي كله. فاحتلال فلسطين بكاملها وإقامة الكيان الصيهوني لم ينتج عنه تشريد الشعب الفلسطيني فقط، بل نتج عنه، إلى جانب ذلك، زرع شوكة مسمومة ذات طبيعة سرطانية في جسم الأمة العربية.

نكبة.. ونكبات

إن هذا الشوكة المزروعة في خاصرة العالم العربي، وفي مفصل حساس منه، ذلك المفصل الذي يربط المشرق والمغرب، تمثل خطراً زاحفاً ومستمراً ومتصاعداً يستهدف الأمة العتربية كلها. وهذه حقيقة لا أعتقد، بعد ٦٧ عاماً، أنها بحاجة إلى تأكيد نظري. فالغزوات الإسرائيلية المتلاحقة (١٩٥٦، ١٩٦٧، ١٩٧٣، ١٩٨٢) والتهديدات المستمرة للدول العربية المجاورة لفلسطين تؤكد ذلك.

لقد كنا حتى منتصف الستينات نستقبل ذكرى نكبة واحدة هي نكبة أيار عام ١٩٤٨. ثم صرنا في عام ١٩٦٨ نستقبل ذكر نكبة ثانية هي عدوان الخامس من حزيران واحتلال ما تبقى من فلسطين. وما لبثت هذه النكبة المستجدة أن استقطبت الأضواء وصارت وكأنها القضية كلها. وفي مطلع الثمانينات اضطر العرب إلى تركيز اهتمامهم على نكبة ثالثة هي الاجتياح الإسرائيلي للبنان. وفي ضوء هذا التركيز صارت ذكرى النكبة، وذكرى "النكسة" تمران بنا كطيفين باهتين وحدثين قديمين عابرين، وكأننا لم نعد نعي أن حزيران عام ١٩٨٢ هو امتداد لحزيران عام ١٩٦٧، وهذا بدوره امتداد لاحتلال الجزء الأكبر من فلسطين في أيار عام ١٩٤٨.

ولا تقف مخططات التوسع والتصفية عند هذا الحد، بل إنها تحاول تبديد التركيز وتفتيت محور الاهتمام وجعله محاور عديدة، حيث صارت المخططات الإسرائيلية-الأمريكية تطرح علينا القضية الواحدة في صورة قضايا عديدة ومنفصلة (الأسرى، المستوطنات، اللاجئين، الحدود، التطبيع، الجدار العازل، الممر الآمن..).

وليست عملية الكسر والاختراق هي الهدف الوحيد لسياسة تفتيت القضية وتمزيق الصفّ والموقف، بل ثمة هدف آخر لا يقل خطورة، بل هو أشد خطورة من الأول. ويتمثل هذا الهدف في محاولة دقّ أسافين الخلاف بين العرب والفلسطينيين. أضف إلى ذلك مجموعة من الأسافين غير المرئية والتي يـُراد من ورائها تمزيق وحدة الشعب الفلسطيني، وضرب فلسطينيي الداخل بفلسطينيي الخارج، وضرب حركة المقاومة الاسلامية "حماس" بالسلطة الفلسطينية، والتصريحات المتكررة للمسؤولين الأمريكيين، وإصرارهم على شق الصف الفلسطيني تدخل ضمن إطار هذا الهدف الإسرائيلي-الأمريكي.

وبعد؛

إذا كانت "النكبة" قد حلـَّت بشعبنا، فهذا لا يعني القبول بالهزيمة كقدر أبدي محتوم.. إنَّ عملية طمس ذكرى النكبة الفلسطينية في الذاكرة العربية تعني، أولاً وقبل كل شيء، تغييب الوعي العربي بهدف تمرير المخططات الصهيونية الأمريكية في العالم العربي التي تهدف إلى إقامة دويلات الطوائف، والسيطرة على الموارد الطبيعية.

إنّ استمرارية النكبة ليست في "إسرائيل"، بل في هـَوان وتردي ٣٦٠ مليون عربي، وهنا تكمن النكبة. فاذا لم نكن قادرين على أن نجعل من ذكرى النكبة حافزاً على إستعادة ما ضاع، فلنجعل منها، على أقل تقدير، مصدر وعي للمحافظة على ما تبقى.

د. عبد القادر حسين ياسينSweden, Uppsala

كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد

Copyright © 2015 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك