لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيّ

د. عبد القادر حسين ياسين
مصر : ۸-۵-۲۰۱۵ - ۱۲:۰۲ م - نشر

لقد قيلَ الكثير وكتبَ الكثير في الصور التي تناولت قطع الرؤوس واستباحة جسد الآخر ونزع الطابع الإنساني عنه، وآلية دور الصور في صنع الحدث وفضحه واستثماره "لا حدث بدون صورة".

لن أزيد في الإدانة وإن كان هناك الكثير من الذي يمكن أن يضاف في هذا المجال. ما أود أن أتناوله في هذا المقال هو الاستخدام المجحف للخطاب الديني في الدعوة إلى القتل.

قبل أشهر بثَّ موقع "أنصار الإسلام" على الإنترنت شريطاً مُصوراً يظهر فيه رجال ملثمون في مواجهة الكاميرا وأمامهم يجلس القرفصاء شاب أمريكي مديرا ظهره لهم، ويداه موثقتان إلى الخلف، وهو يرتدي ثوباً برتقالي اللون شبيهاً بملابس سجناء معسكر غوانتانامو. في البداية يعرّف الشاب عن نفسه بصوت متهدج ويقول: "إسمي نيكولاس برغ، إسم والدي مايكل، إسم والدتي سوزان.. لي أخ وأخت، ديفيد وسارة. أقيم في فيلادلفيا".

يتلو بعدها أحد الملثمين بياناً جاء في أحد مقاطعه الآتي: "كيف ينام المسلم الحرّ ملأ عينيه وهو يرى الإسلام يذبح ويرى نزيف الكرامة وصور العار وأخبار الإمتهان الشيطاني للمسلمين.. فأين الغيرة وأين الحمية وأين الغضب لدين الله؟ وأين الغيرة على حـُرمات المسلمين؟ وأين الثأر لأعراض المسلمين والمسلمات في سجون الصليبيين؟ لقد أمر النبي صلي الله عليه وسلم وهو سيد الرحماء بضرب أعناق بعض أسرى بدر وقتلهم.. ولنا فيه أسوةٌ وقدوة حسنة". فجأة ينتهي البيان.. وعلى إيقاع صيحات "الله أكبر" يخرج الملثم خلسة من ثيابه خنجراً طويلا ويمسك بشعر الشاب أمامه ويطرحه أرضاً ويبدأ بحزّ عنقه في الوقت الذي يجهد رفاقه في تثبيت الرهينة المتلوية كما تثبت الشاة لحظة الذبح. وما هي إلا ثوان حتى يرتفع الرأس المقطوع في يد الملثم ملوحاً به أمام الكاميرا.

لن أسأل هنا، كيف ينام المسلم الحرّ وهو يرى هذه الجريمة الفظيعة ترتكب باسم الإسلام؟ فسرعان ما سترتفع الأصوات المحقة قائلة بأن الإسلام من هذه الجريمة براء. لا شك في أن الإسلام كدين غير مسؤول عن هذه الجرائم، وأن هناك في الدرجة الأولى الكثير من الدوافع السياسية والاجتماعية والسلطوية التي تقف وراء هذه الأعمال والأقوال. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو الآتي: ما هي مسؤولية الفقه الإسلامي السائد اليوم في تمكين هؤلاء الناس من التلطي وراء الإسلام واستخدامه لتبرير أعمالهم وأقوالهم الآنفة الذكر؟

لنتمعن أولاً في العلاقة اللاتاريخية التي تربط حاضر هؤلاء الناس بالماضي المتخـَيـَّل والمستعاد كلحظة تأسيسية يبدأ عندها التاريخ وينتهي. سبائك ذهب وجواري وأعناق مقطوعة في مواجهة طغيان المحتل، انزياح لغوي كامل وقياس فقهي للأصل على الفرع وللغائب على الشاهد. لغة مستعادة من القرون السحيقة لا كألفاظ فقط ولكن كدلالات ومعان أيضا.

كان أسامة ابن لادن يتحدث عن "فسطاط الإيمان" و"فسطاط الكفر" وعن "غزوة" ١١ أيلول وعن "إباحة دم النصارى واليهود"، ويأتي قطع رأس الرهينة تيمنا بالنبي، كما يدعي أصحاب البيان.

لنوسع ثانياً باب المقارنة وليسامحني البعض إذا بدا مني أي إجحاف. لكن ألا تستند هذه الرؤية اللاتاريخية إلى بنية في التفكير تتقاطع على المستوى المعرفي مع الفقه الإسلامي السائد اليوم؟ فإذا كان الإسلام صالحاً لكل زمان ومكان، وهذا في أساس أي دين، فلماذا يدفعنا هذا المبدأ إلى إسقاط ١٤ قرناً من التجربة المعاشة في إصرار عنيد، قائم بالدرجة الأولى على وهم امتلاك حقيقة الفترة التأسيسية الأولى، نازعين عنها كل هذه القرون الحافلة بالخيبات والآمال، والإنشقاقات، والحافلة بكتب التفسير والأحاديث المتعارضة والمتناقضة؟

يفتح المؤمن المصحف ويقرأ، متصوراً أن الله يخاطبه بلغة اليوم وبمصطلحات اليوم وبمنطق اليوم، متناسياً أن معاني الكلمات ودلالاتها تتبدل بتبدل الأزمنة والأمكنة، وأن العرب كانوا يتحدثون اللغة العربية قبل نزول الوحي، وإستمروا بالتحدث بها من بعده، وأن الله أكبر من أن تحتويه دفتيَ كتاب. فكيف إذا كان هذا الكتاب حمّال أوجه؟

يفتح المؤمن المصحف ويقرأ، متخيلا أن معاني ورهانات الفترة التأسيسية الأولى هي ملك يديه من خلال العشرات من كتب التفسير التي كتبها بشر مثله، دشـَّنوها في عصر التدوين ولا يزالون مستمرين على المنهج والبنية المعرفية ذاتهما.

يفتح المؤمن المصحف ويقرأ، فيفهم من الآية " وأمرُهم شورى بينهم" أن الشورى هي الديموقراطية بلغة اليوم، وأن كلمة "حزب الله" التي وردت مرتين في القرآن تشير إلى الأحزاب السياسية كما نفهمها اليوم، وأن "الحاكمية" تعني الحكومة الإسلامية، وأن كلمتي "الشعب" و"الأمـَّة" كما وردتا في القرآن تحملان ذات المعاني والدلالات المتعارف عليها اليوم. تعترض المؤمن في حياته الراهنة كلمات مستحدثة مثل "دستور"، "إنتخابات"، "إقتراع"، "مساواة"، فيستنجد بالقرآن باحثاً عن معان ودلالات لهذه الكلمات.

يفتح المؤمن المصحف ويقرأ، فيخيل إليه أن آية السيف، الآية الخامسة من سورة التوبة التي تقول: "فَإِذَا إنسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ "، تحرّض على قتل المشركين أينما وجدوا وإحلال دمهم. وينسى المؤمن (ولعله يتناسى) أن هذه الآية أتت في ظروف تاريخية خاصة، وكيف له أن لا يفعل؟ ما دام الفقه الكلاسيكي قد أجاز لنفسه نسخ، وإلغاء، العديد من الآيات القرآنية التي تنص على أنه "لا إكراه في الدين" تحت حجة الناسخ والمنسوخ. فكل الآيات التي تدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة من مثل:

"وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"

"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيّ"

"ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين"

"ولا تسبّوا الذين يدعون من دون الله فيسبّوا الله عدواً بغير علمٍ"

كل هذه الآيات هي في الفقه التقليدي آيات منسوخة تقرأ فقط ولا يؤخذ بها. آيات قرآنية نسخها بشر مثلنا بآية السيف من سورة التوبة. فكيف لنا أن نستغرب بعد ذلك أن يأتي أسامة بن لادن ليستشهد بهذه الآية مبرراً جرائمه بقتل الأبرياء، ومحللا ما حرَّم الله من قتل النفس البشرية بغير حق.

يفتح المؤمن المصحف ويقرأ، فتعترضه كلمات ومعان من زمن الوحي تخص الإماء وملك اليمين وقوامة الرجال على النساء وضرب النساء وهجرهن في المضاجع إذا خاف الأزواج نشوزهنَّ، فيخيل إليه أن المعاني والدلالات السائدة اليوم في تفسير هذه الآيات صالحة لكل زمان ومكان. ويغيب عن المؤمن أن الفقه الإسلامي لم يتجرأ مثلا على إلغاء الرق على مدى ١٤ قرناً وإنما جاء إلغاءه في الدول العربية والإسلامية بقرارات سياسية أتخذ بعضها في النصف الأول من القرن العشرين. .. وقد لا يعرف الكثيرون أن الرقّ في المملكة العربية السعودية ("مهبط الوحي" و"مهد الرسالة") لم يـُلغ إلا في العام ١٩٥٥؛ في حين لا يزال فقه الرقيق إلى اليوم جزءا من الفقه الإسلامي يـُدرَّس في معاهد الشريعة، ويعجز رجال الدين عن إلغائه لوجود نصوص قرآنية صريحة تخصه (ورد ١٥ مرة في القرآن).

وهناك كتب حديث تخصص مكاناً واسعاً لأحكام الرق، وبالتالي يجب إبقائه في نظر الفقهاء لأنه جزء من الدين، ولأن عصر الرقيق قد يعود في يوم من الأيام. فالفقهاء كما يقول الدكتور محمد شحرور يعتبرون أن النبي تكلم عن الرق وأوضح أحكامه، وبالتالي فهذا جزء من الدين، ولكنهم يتناسون أن ما حدث في عهد النبي هو بداية لتحرير الرق، ولكنه ليس تحريراً للرق. إنهم يعتبرون أن ما حصل قبل ١٤ قرناً هو البداية والنهاية.

ترى هل نأتي بجديد إذا ذكرنا، مع الدكتور نصر حامد ابو زيد، أن ألوهية القرآن لا تمنع من القول أنه "نزل في التاريخ وهو يتفاعل مع التاريخ تفاعلا حراً وسيستمر عمله في التاريخ. القرآن يحمل ملامح القرن السابع الميلادي ليس فقط في الجزيرة العربية ولكن في الجزيرة وموقعها من العالم في ذلك الزمن (الروم والفرس). القرآن يدل على الحياة التجارية في مكة. ويدل على أديان ما قبل الإسلام، ويعكس لنا حالة التاريخ قبل نزوله ولحظة هذا النزول".

إن تاريخية النصَ القرآني، في رأيي المتواضع، لا تعني إنكاراً لألوهيته ولا تعني زمنيته، لكنها تعني بحسب أبو زيد "أن هناك أجزاء منه سقطت بحكم التاريخ وأصبحت شاهدا تاريخياً. أي أنها خرجت من مجال الدلالة الحية المباشرة إلى مجال الشاهد التاريخي. مثال ذلك تحول آيات الرق والأحكام المتعلقة بها إلى آيات للعبرة بعد زوال نظام الرق من حياتنا" (مقابلة مع نصر حامد أبو زيد في ملحق "النهار"، ١٣ تشرين الأول ٢٠٠٢).

وبعد؛

لقد آن الأوان لكي نتوقف عن استجداء احترامنا.. وكرامتنا.. وحقوقنا.. وشرعتنا الإنسانية. علينا أن نفرض احترام تلك الشرعة بوعي ويقظة، وليرفع كل إنسان منا صوته عاليا بأنه إنسان بكل ما يحمله ذلك من معان في مواجهة الجميع حكاما ومحكومين.

لقد آن الأوان، بعد ١٤ قرناً، أن نـُحرر عقولنا من الإكراه ونحرر إيماننا من الشكليات. وإذا كنا لا نغضب بعقلنا وبحثنا وإجتهادنا، فلأن إيماننا ضعيف، ولغتنا متخشبة وكتب فقهنا أكل الدهر عليها وشرب.

د. عبد القادر حسين ياسينSweden, Västra Götaland

كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد

Copyright © 2015 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك