وهم إمتلاك الحقيقة

بقلم/
مصر : ۵-۵-۲۰۱۵ - ۸:۱۵ ص - نشر

alisaleh"إن المسلمين ضيـَّعوا دينهم، واشتغلوا بالألفاظ وخدمتها، وتركوا كل ما فيه من المحاسن والفضائل ولم يبق عندهم شيء. هذه الصلاة التي يصلونها لا ينظر الله إليها ولا يقبل منها ركعة واحدة، حركات كحركات القرود، وألفاظ لا يعقلون لها معنى، لا يخطر ببال أحدهم أنه يخاطب الله تعالى ويناجيه بكلامه، ويسبح بحمده، ويعترف بربوبيته، ويطلب منه الهداية والمعونة دون غيره.. سألني المستر براون: من أكثر الناس جناية على القرآن؟ فقلت: ذووه وأصحابه". الإمام محمد عبده.. الأعمال الكاملة، الجزء الثالث، صفحة ١٩.

ثمة شيء من الخسَّة في النقد العربي الذي لا يعلو كثيرا عن مستوى الأطفال والسُوقة في الرد على الخصم. لجأ لهذا الأسلوب الرخيص "قارئ مصري" (لم تكن لديه الجرأة لذكر إسمه) حاول أن يقمع حرية فكري بجمود فكره.. فقد بعث برسالة إلى رئيس تحرير مجلة عربية (أكتب فيها مقالا شهريا منذ سنوات) تعليقا على مقال نشرته لي المجلة في الشهر الماضي تناولت فيه الأسباب الكامنة وراء تخلف المسلمين وتقدم غيرهم.

أنهى السيد الفاضل رسالته بتحريض واضح لرئيس تحرير المجلة بطردي من "عملي" فيها، راح يحثه بألا يضع المجلة ونزاهة رئيس تحريرها في دائرة "الحرج والتساؤل".. وهكذا أنهى رسالته الطويلة (التي مجـَّدت فضائل الإسلام) بالتحريض على قطع رزقي وقمع حريتي.. ويريدون منا أن نطمئن على طيبة حكمهم ونزاهتهم وديموقراطيتهم.

يا سيدي الفاضل، إنني لست موظفاً في المجلة، ولا أتقاضى فلساً واحداً مقابل ما أنشره من أبحاث ومقالات، لقد اخترت الكتابة في تلك المجلة لأنني أعتبرها واحدة من المنابر القليلة التي تفتح صدرها لقلمي، فيما تـُصر صحف ومجلات عربية "محترمة" على أن تحدد لي "سقف حرية التعبير"، وأن تذكرني دائما بـ"المُحرَّمات" التي لن يسمح لي بـ"الاقتراب" منها.

يا سيدي الفاضل، رسالتك حاشدة بالأخطاء الموضوعية والإملائية والنحوية.. بالنسبة لإتهامك لي بالماركسية، فهذا شرف لا أدعيه وتهمة لا أنفيها.. وعلى الرغم من إيماني العميق بالماركسية، كنظرية علمية وفلسفية واقتصادية يمكن اذا ما طبقت بأمانة أن تكون أساسا لمجتمع تسوده العدالة الإجتماعية ويشعر فيه الناس بكرامتهم كبشر، فانني أعتز بأنني كنت واحدا من الكتـَّاب العرب القلائل الذين كانت لديهم الجرأة على إنتقاد السياسة السوفييتية تجاه القضية الفلسطينية.. في الوقت الذي كان فيه الكثيرين من "الرفاق" يُسبِّحون بحمد الإتحاد السوفييتي ويعيشون كالقياصرة في موسكو على حساب الكادحين السوفييت.

سيدي الفاضل، من الواضح انك تـَهرف بما لا تعرف… وأنك دخلت ميداناً لا علم لك فيه، فأنت تتحدث في الإسلام وكأنك فضيلة الإمام الأكبر الدكتور محمود شلتوت، مع العلم بأنه ينقصك الكثير من علمه الغزير وثقافته الموسوعية وتواضعه الجمّ.

أنا، يا سيدي الفاضل، لا أكتب في الإسلاميات والشؤون الدينية، لمحدودية معرفتي المتواضعة بالشريعة والفقه الإسلامي، ولأنني أحترم عقل القارئ أولا، وأحترم نفسي ثانيا، "رحم الله إمرأً عرف قدر نفسه"، وأنت تتحاشى الكتابة في الشؤون السياسية لعدم معرفتك بالعقل والعلم.

أنا، يا سيدي الفاضل، لا أبالي إن كنت في جانب والجميع في جانب آخر، ولا أحزن إن ارتفعت أصواتهم أو لمعت سيوفهم، ولا أجزع إن خذلني من يؤمن بما أقول، وإنما يؤرقني أشد الأرق أن لا تصل هذه الرسالة إلى من قصدت، فأنا أخاطب أصحاب الرأي لا أرباب المصالح، وأنصار المبادئ لا محترفي المزايدة، وقـُصـَّاد الحق لا طالبي السلطان، وأنصار الحكمة لا طالبي الحـُكم.

الحديث عن الإسلام حديث دائم ومستمر بسبب تصاعد الإنتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان العربي وأثرها السلبي في الاستقرار السياسي والاجتماعي والحضاري. إنه حديث عن المبادئ والأطر التي تحفظ حياة الإنسان وتصون كرامته وتحترم آدميته وتفتح له الطريق للإبداع الخلاق وتدفعه للنضج والتقدم. إنه حديث عن العدالة الاجتماعية التي هي الأساس والضامن لتلك الحقوق، فبإهدار هذه الحقوق يمسي الإنسان مهاناً، وتتكبل كل طاقات الخلق والإبداع لديه.

والمشكلة تكمن في فرضية أولية أساسية تغييبها يبيح هذه الانتهاكات السافرة لحقوق الإنسان، هذه الفرضية والنظرة الأساسية تنبع من مدى الإعتراف المبدئي بإنسانية المخلوق البشري، فهذا الإعتراف هو المدخل لإحترام حقوق الإنسان وبغيره تهون الحقوق الإنسانية لهذا المخلوق الراقي، وموقف الدول والأفراد من هذا الإعتراف هو الذي يحدد توجهاتها وممارساتها بشأن إحترام حقوق مواطنيها.

وخلافا لكل ما تزعم، ليست هذه مشكلة فلسفية وإنما في عمق أسباب إنتهاكات حقوق الإنسان في الماضي والحاضر.. وقد أدركت الجمعية العامة للأمم المتحدة ذلك إدراكاً جيداً عندما أصدرت "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" في العاشر من كانون الأول ١٩٤٨، إذ اشترطت في ديباجة الإعلان أول شرط لكفالة حقوق الإنسان وهو: "الإعتراف للمخلوق البشري بصفة الإنسان بصرف النظر عن جنسه، لونه، دينه ومعتقده.." وبالرغم من ذلك فقد ضجر العالم من ممارسات الدول التي لازالت تحكمها أنظمة فردية وسلطوية وعسكرية تغالي في ممارسة القمع والعنف ضد مواطنيها، هل هذه الدول تجهل أن للإنسان مجموعة من الحقوق الملزمة التي لا تقبل المصادرة أو التعطيل أو التأجيل بأي حجة من الحجج؟

إن لكل إنسان، وتحت كافة الظروف العادية والاستثنائية والطارئة، الحق في حياة حرة كريمة وآمنة، وله الحق في التعبير عن آرائه وأفكاره، وله الحق في المشاركة في الحياة العامة، وله الحق في عدم التعرض للتعذيب أو معاملته معاملة حاطـَّة بالكرامة.. هذه الحقوق أصيلة وإهدارها هو إنتهاك ومصادرة لكرامة الإنسان وإنسانيته.

نحن بحاجة إلى نفض تلك الفكرة (التي تجعلنا ننكر حقوقنا ونتنازل عنها) المتمثلة في أن حقوق الإنسان هي مبادئ "مستوردة" مفروضة من الثقافة الغربية الإستعمارية كآلية سيطرة وتدخل غير مباشر.. إنه ليس بالضرورة أن نشيد بالغرب ولا أن نعاديه، فنحن دائما نبالغ في آرائنا وردود أفعالنا، فكما ارتكب الغرب أبشع المجازر ضد الإنسانية فقد قام أيضا بحركات سياسية واجتماعية ساهمت بشكل لا يـُنكر تأثيره في تحرير الإنسان.

واذا ما كانت المصالح النفعية المباشرة غالبة في توجيه السياسة الخارجية، فلا بد لنا أن نتوقف عن دور المشاهدة والاستجداء بإنتظار الدعم بكل أشكاله.

ونحن في غنى عن ذكر تفاصيل انتهاكات حقوق الإنسان في عالمنا العربي، فيكفي أن نذكر دكتاتورية الحزب الواحد في سوريا والعراق واليمن السعيد، و"اللجان الثورية" في جماهيرية "الأخ العقيد" معمـَّر القذافي، وفتح المعتقلات الصحراوية في الأردن، و"مدن السجون" التي أمر "أمير المؤمنين" بإقامتها في المغرب، وإرسال الآلاف "وراء الشمس" في مصر المحروسة، وإضطهاد ليس فقط الرأي الآخر بل الرأي ذاته.

فمن يعتقد أنه يحتكر الحقيقة يرفض الحوار مع الآخر "الجاهل الكافر" بل إنه لا يتحاور حتى مع ذويه من أصحاب نفس العقيدة أو نفس الحقيقة، ومن نافلة القول أن التفرقة القائمة على نبذ الآخر سرعان ما تنقلب إلى اضطهاد هذا الآخر، وهذا الإضطهاد للآخر أبعد ما يكون عن إحترام حقوق الإنسان لأنه يولد الخوف، والإنسان الخائف يهرب، يكذب، وينافق.. وبالتالي هو فاقد لهويته مسلما كان أم مسيحيا.

إن حرية الرأي والتعبير ليست غاية في حد ذاتها بل هي وسيلة ومقدمة أساسية لتشكيل شخصية الإنسان اجتماعيا وسياسيا. وهذه الحرية هي المدخل الأساسي لتكوين قناعة ذاتية باتجاه فكر أو آخر أو تصديق معلومات أو تكذيبها. وهي أمر يتشكل داخل الإنسان باجتهاده الشخصي للوصول للحقيقة وليس بعمليات "غسيل الدماغ" لحقن يقينه الداخلي بقناعة متعسفة.. فمساحة الحرية في اعتناق الآراء مساحة تتمتع بخصوصية متميزة، وتعتبر من مطلقات الأمور الشخصية التي يجب ألاً تخضع لأي تدخل مخل من جانب السلطات والأفراد.

والفرد إذا كان حرا في إبداء رأيه فإن ذلك من شأنه أن يوقظ في نفسه قدراته الإبداعية ويشعره بقيمته الذاتية وشخصيته المنفردة، مما يجعله قادر على العطاء وتحمل المسؤولية. فالإنسان الممتهن إنسان محبط عاجز عن العطاء، وحرية الرأي تتطلب من المرء قبل أن يمارسها أن يفكر قبل أن ينطق، وأن يكون على اطلاع بالموضوع قبل أن يجزم فيه برأي، وأن يبحث ويتحرى الحقائق، فتكوين الرأي مسؤولية وليس عملا عشوائيا، فلا بد من إعمال الفكر للوصول إلى نتيجة تتسم بحد أدنى من المنطقية، وأخيرا الإفصاح بتلك النتيجة.

وهكذا يستطيع المجتمع الاطلاع على كل الظروف التي تحيط به في صدق وأمانة وعرض كافة الآراء للوصول إلى الحقيقة، وبالتالي التمكن من بحث القرارات بحثا مفصلا موضوعيا ومحاسبة الحاكم والمحكوم على أفعاله، ولكي يعبر الإنسان عما بداخله يحتاج إلى تكوين هذا الداخل الفكري، ومن هنا فإن مصادرة منابع المعلومات يعتبر حجراً على تكوين الرأي بحرية ثم فتح الطريق للتعبير بحرية أيضا.

وبدون حرية الرأي والتعبير لن يكون هناك إنسان سياسي واجتماعي بالمعنى الإيجابي وإنما تسود السلبية واللامبالاة والانفصال الوجداني بين الإنسان والسلطة أو بينه وبين المجتمع عموما، مما يؤدي إلى تراجع الإبداع الشخصي. إن حرية الرأي تبني الذات الإنسانية المتميزة فلا يقف الإنسان موقف المتفرج، فالمشاركة الإنسانية مظهر للنشاط الإنساني الذي يبدأ داخليا بتكوين رأي حر. كما أن السياسة المرتجلة لا يلام عليها الساسة وحدهم وإنما يلام عليها المواطنون الذين يتنازلون عن حقهم في التعبير عن آرائهم، فالتنازل يؤدي إلى فقدان الحريات وامتهان الكرامة الإنسانية لمجرد الاستخفاف والتقاعس عن ممارسة الحقوق.

د. عبد القادر حسين ياسينSweden, Västmanland

كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد

Copyright © 2015 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك