دموع وردة ونزيف شجرة و٣٣ مليون نسمة

بقلم/
مصر : ٤-٤-۲۰۱۵ - ۱۰:۲۳ ص - نشر

shishaيسكن في حي شعبي، يحب بشغف متابعة مباريات كرة القدم، أجبرته ظروف خاصة لمتابعة فريقه المفضل، أن يخرج إلى أقرب المقهى الذي كان يسمع عنه دائما أن له زبناء خاصين جدا.

بعدما دخل وجد أن هذا المقهى، رواده معروفون بهواية لعبة "الروندة"، وتستحضر فقط مشروبان إما الشاي أو القهوة.

لكن أول شيء تمتع به هناك قبل طلبه الشاي أو القهوة، هو ذلك البخور الذي يصدر من أفواه شباب مستقبل الحي، شباب أغلبهم تتراوح أعمارهم بين ١٦ و٢٥ سنة من العمر، شباب بمثابة زهور تقطف قبل الآوان، وكشجرة تُسَمَّمُ من جذورها حتى تَذبُل يوما بعد يوم.

شباب لم يختاروا أن يكونوا هكذا، بل بيئتهم هي التي نسجتهم وجعلتهم، هكذا، بل تنشيئتهم الاجتماعية، وفقرهم، وأمية والديهم المنتشرة بينهم، وحتى الذين يتمتعون بمستوى دراسي لا بأس به، فهم في غيبوبة وغفلة لا يستيقظون منها ولو للحظات، لتنبيه أولادهم لما فيه صلاحهم، وما يضرهم وما ينفعهم، فكل تركيزهم إيجاد لقمة عيش.

ذلك البخور الذي يعْرُجُ في سماء الحي، يتنوع ويختلف، بين "الكيف" وعلبات السجائر وأغلبها "مركز"، و"جْوَانَة" القاتلة، التي تدمر داخل الإنسان، وتُضْعِف جسمه، وتُشَوِّه معالم وجهه، بالإضافة إلى رائحة الخمر، فهذه المواد السامة لو اجتمعت في قالب واحد لأعطتنا أمراضا قاتلة، قد لا يستطيع حتى الطب المعاصر إيجاد أدوية علاج لها، فهي دون شفاء.

بخور جعله، ينصرف من المقهى حتى قبل شرب كأس الشاي الذي طلبه، وحتى قبل نهاية الشوط الأول لمبارة فريقه المفضل، خرج ورأسه فيه دوران من شدة تأثير ذلك البخور، حتى وجد نفسه لا تكاد رجليه الثبات على الأرض، قاوم حتى وصل إلى غرفته، وفتح حاسوبه، وفي أول موقع إخباري، وجد الخبر الذي انتظره المغاربة من يوم ٢٠ شتنببر ٢٠١٤، وهو عدد سكان المغرب أقل من ٣٤ مليون نسمة.

وساح في خيال يتأمل تلك النتيجة وقال: ٣٣ مليون نسمة نتيجة صحيحة، فهذا العدد خاص بالمواطنين المغاربة الذين يقبعون تحت خط الفقر والتهميش، والمستغلين، وزبناء من يستغل خيرات بلدنا. إن أغنياءنا معروفون عند الجميع دون تعذيب أنفسنا في إحصائهم وإحصاء ثرواتهم، فالمعرفة لا تُعرف كما يقال في النحو العربي.

تلك النتيجة النهائية الرسمية، شكك فيها الكثيرون من أجل الشك، وليس الشك من أجل البحث عن حقيقة عدد سكان المغرب الحقيقية، ولا تهمنا شكوكهم، ولا تهمنا كذلك تلك النتيجة، ما لم تكن في خدمة الوطن والمواطنين.

وبما أن طبيعة النمو الديمغرافي يحدد بشكل كبير مسقبل البلاد، فكل ما يهمنا أن ينبني على هذه الإحصائية، تخطيط وتصميم لمستقبل المواطن المغربي، ليعيش حياة سعيدة، حياة تتصف بأنها كريمة، وتحترم خاصية الانسان كإنسان، وتحافظ على كرامته، ذلك الإنسان الذي حمله الله الأمانة، وجعله خليفة في الأرض، ليعمل بكل أريحية، في القيام بوظيفته المنوطة به.

هناك مواطن يعاني مرارة العيش وقلة الحيلة والفقر المدقع، وما بين حكومة الإسلاميين ومعارضة العلمانيين، صراع دائم وأبدي، لخدمة مصالحهم الضيقة متناسين هم ذلك المواطن.

فعلماني وإسلامي، أصبحتا كلمتي سب وشتم، لا كلمتي نسبة لمرجعية كل واحد منهما، فالعلماني يتهم الإسلامي بالظلامي والمتخلف والرجعي والأصولي، والإسلامي يتهم العلماني بالتغريبي، المسلوب العقل والهوية، والمغزو عزوا ثقافيا، والمستعمر استعمارا فكريا.

تبادل الاتهامات، لنبقى في دائرة الصراع، وننتظر من ينتصر؟ هل الأقوى والأصلح، أم الأكثر دهاء ومكرا؟

وبيننا الأيام، كما قال طرفة بن العبد: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا *** ويأتيك بالأخبار ما لم تزود

ومن الضحية؟ مواطن يسبح في بحر المعاناة وقلة اليد والحيلة.

دعونا نتبخر في أحيائنا المهمشة، يا حكومة ويا معارضة، العبوا مباراياتكم و٣٤ مليون نسمة تشاهدكم، وليكن آخر همكم، مواطن يرزح في معاناته.

وُرُودُ بلادي تعاني من التسمم، وأشجارها تُجْتَثُّ من أصولها، وعُيونُها تكاد تُصْبِح غورا، وإذا المرض أصابنا في الجذور، فلا ننتظر من الشجر الثمر.

محمد الكاسMorocco

Copyright © 2015 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك