خطبة الجمعة.. إلى أين؟

مصر : ۳-٤-۲۰۱۵ - ۹:۰۷ ص

في المغرب، يبدأ المرقي بالترقية وهي الحديث الذي يلقيه الإمام قبل خطبة الجمعة، وأغلب المصلين يحفظونه.. "روى إمامنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت.. وفي حديث آخر: ومن لغى فلا جمعة له.. انصتوا رحمكم الله…".

تجدر الإشارة إلى أن هذا الفعل "الترقية" لم يظهر في المغرب إلا في عهد السلطان المولى اسماعيل سنة ١١٢٠هـ الموافق ١٧٠٨م أو ١٧٠٩م، حسب ما ذكرت مجلة زمان المختصة في التاريخ، وسواء اعتبرها البعض بدعة حسنة واعتبرها البعض الآخر مجرد بدعة لا أقل ولا أكثر فإن هذا لا يعنيني كثيرا كونها تقرأ، على الأقل حاليا، كل جمعة كما هو معروف، والملاحظ أن المرقي "الإمام" الذي يقوم بفعل "الترقية".. يوصينا بالإنصات لأهمية ما سيقال، إذن سيكون انتباهنا ووعينا وتركيزنا متوجها نحو شيء واحد: خطبة الجمعة.

في الحين الذي يكون هدفنا مركزا على خطبة الجمعة نجد أنفسنا نتيه أحيانا في أفكار خارج الوعي وخارج محيط المسجد، لأننا نحس باغتراب أحيانا عن ما يقال، منذ أن كنت صغيرا وأنا أستمع لهذه الخطب التي تخلص الناس من الظلمات إلى النور والتي اكتشفت في النهاية، وللأسف، أنها قد تزيد الناس ظلاما، ولست أعمم.. لقد بات الأمر كأنه طريقة فرض علينا اتباعها، وخلصت في النهاية إلى تصور عن ديننا بعيد كل البعد عن ما هو واضح في الكتاب والسنة.

بعض هذه الخطب تشوه فهمنا عن الله، وكأنه متسلط ينتظر أن نخطأ فما يلبث يأخذنا على حين غرة، مع أن الواضح من كتاب الله أن العكس تماما هو الصحيح، فالقرآن دائما ما يحضنا على التوبة، والتي تعني ببساطة الاعتراف بالذنب ثم فهم الخطأ وإجتنابه، وليس الندم عليه طوال حياتك.

لكم أثارني ذلك الصراخ الذي يتصنعه أحدهم حتى صار معيارا لجودة الخطبة، فمن صرخ أكثر فمعه الحق لا محالة، خطب تحاول تزهيد الناس في الدنيا لدرجة تكريههم فيها، فمنطق التعمير في الأرض حرام، لا عجب إذن مشاهدة الناس يدخلون المسجد كفرض فوق رؤوسهم يتساءلون من الداخل متى سينتهي.

بعض هذه الخطب تعمل على تغريب الإنسان عن واقعه، وهذه الطريقة، القديمة، تورث إحباطا لدى المستمع فإما سيكره الدين أصلا، وإما سيعيش الإحباطات المتتالية والعيش بالطقوس الظاهرة بعيدا عن الجوهر، وما نشاهده يوميا يوضح ذلك بكل إتقان.

إنني لا أعارض الحديث عن الأولين، ولكن الإكثار من ذلك كأننا نعيش بينهم يذكرني، وأعتذر، بذلك الغراب الذي أراد تقليد الديك، فلا هو صار ديكا ولا هو عاد غرابا كما كان، عوضا عن ذلك أعتقد أن الحديث عن زمننا وكيفية التعامل معه وفقا للمنظور الإسلامي الرحب، سيجعل من المصلين أكثر انفتاحا وتقبلا للخطبة، لأنهم سيشعرون بقربها منهم.

إذن ما سبب ابتعاد بعض الخطب عن الواقع؟ طالما فكرت في ذلك فوجدت أن منطق التقليد متجذر فيهم، حتى وإن أرادو التحرر منه فالمسألة معقدة، لأنهم، وبكل صراحة، يهربون من الواقع نتيجة افتقارهمم للمعرفة التي تخول لهم الحديث عنه.

رغم أني أعرف أن كل هذه الأسباب تمنع من النهوض بفكر أمتنا، وما علينا إلا أن نضيف تدخل السياسة في المسألة حتى يتضح لنا هول المشهد، رغم كل ذلك إلا أنني لا أمنع نفسي من تخيل خطب رائعة تتحدث عن العلوم والواقع المجتمعي وكيفية التعامل معه، قريبة من العقل والقلب، وأثناء تخيلي يقف في وجهي دائما ماكيافيل بجملته الشهيرة "شتان بين ماهو كائن وبين ما ينبغي أن يكون" إلا أنني أقر أنه إن لم نقفز إلى المستقبل قليلا سيحطمنا الواقع ويورثنا مرارة قاسية، وبذلك أجيب ماكيافيل بقولة آنشتاين الشهيرة أيضا "الخيال أهم من المعرفة".

يبدو جليا لمن يقرأ التاريخ التشابه الواضح بين ما نعيشه اليوم وبين ما عاشته أوروبا في العصر الوسيط، ومعلوم أن أوروبا لم تتخلص من وطأة ظلامها إلا من خلال قرون عدة، كان لفاعلين فيها الفضل في ذلك، فاعلين لم يكونوا فلاسفة فقط، بل أيضا علماء اجتماع، علماء نفس، فنانين، أدباء.. وبناءا على ما قاله كونفوشيوس "لن تفهم المستقبل حتى تقرأ التاريخ" نخلص إلى أنه نحن أيضا وجب على أبناء أمتنا العمل كل من موقعه، للمساهمة في تقدم الوعي الإنساني، لأنه من الملاحظ أن طائفة معينة تحصر تقدم الدين بالعلم الشرعي فقط، وغالبا تنتج لنا جيلا جاهلا، متعصبا، دوغمائيا.. وغالبا أمر هذه الطائفة إلى زوال.

أشرت إلى أن المطلوب منا المساهة في تقدم الوعي الإنساني، لأنه قد كثر الحديث عن نهوض الأمة الإسلامية وسيادتها للعالم، وهذا منطلق صادر في حقيقته عن ميز عنصري واضح، ربما أقل من "النازية" في الوضوح، ولكنه قد يكون أشد وطأة منها في العمق، نحن لسنا متميزين عن العالم ،وإنما جزء منه، نساهم مع البشرية جمعاء في تطورنا، لا يجدر بنا الحديث عن التميز أو المعجزة الإسلامية، إن صح هذا التعبير، خاصة بعد أن أصبح العالم قرية صغيرة، فلنتخلص إذن من عنصريتنا الدفينة، ولنتذكر أنها حرام شرعا.

أشير في الختام إلى أمرين أساسيين: الأول أنني أعلم أن مقالي هذا قاصر عن دراسة المشكلة، فضلا عن الإتيان بالحل، ولكن هو فقط محاولة لفتح العقل حول ما هو كائن، والطموح إلى ما ينبغي أن يكون.

الأمر الثاني أنني تحدثت عن خطبة الجمعة لأن أغلب الأمة تحضرها بكثرة، وبالتالي فهي منفذ للإطلاع عن الدين، منفذ لا بد له أن يرجع من جديد للحديث مطولا عن فن الحياة، عوض الحديث عن طرق الموت، ولكي يفعل ذلك عليه أن يتخلص من رواسب الجاهلية.

أيوب لعبيديMorocco, Rabat

Copyright © 2015 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 


مواضيع مرتبطة



أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على المصدر



هل لديك تعليق على هذا الموضوع؟ علق عليه الآن

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك