الفنان يطل على العالم

مصر : ۳۰-۳-۲۰۱۵ - ۷:۵۰ ص - نشر

لم أندم يوما على جلوسي مع فنان، ذاك الرجل الذي يكون عادة، في مخيلتي، ذو شخصية فذة، غريبة أحيانا عن محيطه، لكنها عميقة في نفس الآن، يجتذبك بحديثه، ما لم تكن مغرورا بفكرك.. أصوليا متعجرفا، أو معتقدا بثنائية اللون، إما أبيض أو أسود، فالفنان على العكس من ذلك. هو ذاك الشخص الذي استطاع أن يرى بين اللونين ألوانا كثيرة، تزداد شساعة يوما بعد يوم، مخلفة لديه نظرة عميقة للحياة.

قد تستغربون كوني لا أفرق عادة بين الولي الصوفي، وبين الفنان والفيلسوف.. رغم أنهم في منطقهم الظاهري مختلفون، إلا أنهم، وحسب تأملي، يشتركون في حفلة واحدة، ويجلسون على مائدة واحدة، يشربون على شرف الحياة كأسا، هذه المرة، بطعم مختلف، طعم يملأه التعمق في السؤال، وكذلك التعمق في الإجابة.

أجلس رفقة الولي الحقيقي فيحدثني عن الحياة وتجاربها، تلك التجارب التي لا تشبه تجاربنا في الغالب، لأنها تجارب مرتبطة بالشخص نفسه الذي عاشها، وكيف عاشها.. الغريب أن الأمر ينطبق على الفيلسوف كما الفنان، فإذا كان الفيلسوف يهتم بالسؤال على الدوام، فالفنان نفسه لا يمكن أن يعطينا تلك الإجابات الآسرة، الخلابة، والعميقة، إلا لأنه تعمق في مرة أولى في طرح السؤال، فكانت إجابته عميقة.

الولي الذي حدثتكم عنه سابقا، يصعب عليه جدا أن يحرم الفن، لأنه يرى الحياة نفسها كذلك..

الفيلسوف نيتشه كان يرى أن الحياة بدون موسيقى لا قيمة لها.. فعلا إنه لأمر غريب أن يكون نيتشه الذي غاب عنه المعنى تماما، يرى ضمنيا معنى متجلي في الموسيقى، التي هي الحياة بأحد ألوانها.

أعلم أن لكل قاعدة استثناء، وأعلم أن هناك فروقات عديدة يمكن أن تظهر على السطح لتفرق كالعادة بين مصطلح كذا ومصطلح كذا.. لكن في حقيقة الأمر هنا حديثي عن إنسان يجمع شتات ذلك، فهو في آن، يجمع السؤال وعمق الإجابة، وهذه الأخيرة عميقة بحيث تزداد عمقا طوال الحياة..حديثي عن شخص يحكي لك عن الحياة بطريقة تجعلك مباشرة تتساءل: كيف استطعت أن تراها بمثل هذه الطريقة؟

ببساطة لأنه يروي لك تجارب كان حاضرا فيها بقوة، يعيشها ويتساءل حولها، ويحصل على إجابة، ثم يكتشف أنها ليست كافية، ليعيد الكرة من جديد، لكنه قطعا وأثناء الإجابة عن تساؤلاته تكون الحياة بالنسبة له تستحق أن تعاش.

ربما قد تستغربون مرة أخرى بقولي إنه إذا كان هناك قاسم مشترك بين الولي والفيلسوف، فأعتقد بلا ريب وبدون تردد أنه الفن، لأنه العلامة المميزة للإنسان والقابعة تحت روحه.. الفن هو الإتصال المباشر بالروح، الذي لا يحتاج إلى وسائط، ولذلك متى ما كان الفن حاضرا بين الفيلسوف والولي متى ما كان التفاهم بينهما يسيرا، فضلا عن أن يكون الثلاثة مجموعة في شخص واحد.. آنذاك مرحبا بك في حضرة الإنسان.

لا أعرف ما الذي جعلني أكتب هذه الكلمات في الساعة السادسة صباحا.. يسرني جدا أنني كتبت لكم ما يجول في خاطري، ويسرني أكثر أنكم قرأتم هذه الكلمات، أشكر لكم طيب قراءتكم.. وأسعد بآرائكم مهما كان اختلافها.. ففي النهاية اختلافنا دليل على أننا أحياء.

أيوب لعبيديMorocco, Rabat

Copyright © 2015 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك