الإسلاموفوبيا في الإتحاد الأوروبي

د. عبد القادر حسين ياسين
مصر : ۲۳-۳-۲۰۱۵ - ۷:۱۵ م

أتابع بقلق التغير الملموس في دول الإتحاد الأوروبي تجاه المسلمين، مواطنين أو زائرين، ففي الوقت الذي تتغنى فيه الدول الأوروبية بالحريات، والدفاع عن حقوق الإنسان، ونشر الديموقراطية، وتتفاخر برعايتها للمنظمات الحقوقية في العالم، نجد أن الحقائق والشواهد تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن العنصرية، وكراهية الأجانب هي الصوت الأعلى فيها، وباتت معاداة الإسلام خطرا يهدد مصداقيتها أمام العالم.

الاعتداء على مقابر المسلمين في الدنمارك، بعد الهجوم الأخير، ثم الاعتداء على أسرة عراقية، وبعدها الاعتداء على مطعم لمسلم تركي على أيدي "النازيين الجدد" في برلين، وغيرها من مئات الخروقات العنصرية تجاههم، لم ولن تكون آخر العمليات الإرهابية التي تستهدف المسلمين في الدول الأوروبية، طالما أن أوروبا تحفل بمراكز الاسلاموفوبيا Islamophobia، وصناعة الكراهية ضد الإسلام، وتتعامل شرطتها مع هذه الحوادث الإرهابية التي تستهدف المسلمين، على طريقة وضع الرأس في الرمال.

الانتهاكات التي يتعرض لها المسلمون في الإتحاد الأوروبي، والذين يزيد عددهأم على ٤٠ مليون مواطن خطيرة. وفي الوقت الذي تسجن فيه الدول الأوروبية من يـُشكك في "المحرقة اليهودية"، الهولوكوست، أو ينعت يهودي بالصهيوني عشر سنوات، نجدها تغض الطرف عن الانتهاكات الصارخة، والجرائم الإرهابية، التي يواجهها المواطنون أو الزوَّار المسلمون وممتلكاتهم في أوروبا، وهو ما يؤكد أن سياسة الكيل بمكيالين في أوروبا هي السائدة.

وإذا ما قام المرء بمقارنة تعامل الإعلام الأوروبي مع الحوادث الإرهابية التي تطال المسلمين وغيرهم، سيتبين له بالدليل القاطع عدم نزاهة تلك المؤسسات، فالإعلام الأوروبي الذي لم ينشر حادثة الاعتداء على مقابر المسلمين في الدنمارك إلا بعد ثلاثة أيام بطريقة غير مهنية على الإطلاق، لا يتورع في الوقت نفسه عن نشر أي إساءة للإسلام والمسلمين، حتى وان كانت غير صحيحة أو مجرد إشاعات.

وفي الوقت الذي يوضح فيه التقرير السنوي لللشرطة الجنائية الأوروبية أن نسبة الجرائم الإرهابية، التي قام بها مسلمون تساوي ١ الى كل ٥٠٠ حادثة، فهذا دليل جديد على مدى احترام المواطن المسلم لموطنه الجديد، وحفاظه عليه، ودوره في تنميته، وعدم احترام الدول الأوروبية لمواطنيها الجدد، فالجاليات الإسلامية في أوروبا كغيرها من الأقليات الإسلامية في كثير من دول العالم تسهم بدورها في تقدم بلادها، وخير دليل على ذلك وجود أكثر من ٢٠٠ ألف عالم وخبير في دول الإتحاد الأوروبي.

وبالرغم من ذلك يتم التعامل معها بعنصرية شديدة. وفي التقرير السنوي الأخير (٢٠١٤) يؤكد "المركز الأوروبي لمراقبة العنصرية والكراهية"، وهو وكالة تابعة للإتحاد الأوروبي، أن المسلمين "يعانون من العنصرية في العمل والتعليم والإسكان، والتهديدات الشفهية والاعتداءات الجسدية".. كما أن نسبة المسلمين العاملين في قطاعات الأجور المنخفضة "أكثر من غيرهم في المجتمع".

وعلى الرغم من الدور الملحوظ الذي يقوم به المسلمون في المجتمعات الأوروبية، إلا أن نسبة البطالة بينهم أكبر من أي نسبة بطالة في الدول الأوروبية.

وفي بلجيكا على سبيل المثال لا الحصر قامت المدارس، وبشكل انفرادي باتخاذ إجراءات عنصرية ضدهم، مثل وضع التلاميذ من أصل عربي على لائحة الانتظار، على الرغم من مخالفتها لقانونٍ حول المساواة في المعاملة، وازدياد حالات العنف الجسدي وتدمير ممتلكات المسلمين في أوروبا.

وفي الأشهر الأخيرة تعرَّض آلاف المسلمين للتوقيف في المطارات الأوروبية والشوارع بسبب زيهم أو أسمائهم، كما تم توقيف آلاف المسلمين الأوروبيين واعتقالهم بالشبهة، لا الأدلة، ويجدون في النهاية اعتذارا مراوغا، بلا تعويض أو إجراءات قانونية صارمة، لوقف مظاهر العنصرية ضدهم.

ومن الجلي أن الاسلاموفوبيا العنصرية الجديدة المتنامية في أوروبا تندرج في سياق تنامي النزعات القومية المتطرفة التي تعزز حضورها ونفوذها في أغلب الدول الأوروبية في السنوات الأخيرة. صحيح أن هذه التشكيلات ليست بالجديدة في الشارع الأوروبي، وبعضها وصل للسلطة في بعض البلدان مشاركاً في ائتلافات حكومية (كالحزب الشعبي الدنماركي والحزب النمساوي للحرية وحزب المصلحة الفلامانية البلجيكي)، إلا أن تركيبة التشكيلات القومية المتطرفة تغيرت جذرياً في الفترة الراهنة.

ففي السابق،كان التيار القومي المتطرف يتشكل أساساً من أحزاب "اليمين" المتشدد التي تتبنى خطاباً شوفينياً منغلقاً، يستهدف قبل كل شيء القوميات الأوروبية الأخرى، بالاستناد إلى تركة التصادم والحروب الطويلة، التي مزقت القارة منذ الحروب النابوليونية إلى نهاية الحرب العالمية الثانية. وهكذا تمحور الخطاب السياسي لهذه التيارات حول ثلاث جبهات:

١. الانكفاء على الخصوصية القومية والثقافية في أبعادها الضيقة في مواجهة حركية الاندماج الأوروبي ونهج "السيادة المتقاسمة" في منظومة الشراكة الدولية.

٢. التمسك بالقيم الدينية والعائلية المحافظة، ورفض الإصلاحات التحديثية في المجالات الاجتماعية، والوقوف ضد مسار العلمنة المتنامية.

٣. النظرة الاستهجانية للنخب الثقافية والاجتماعية، والتمسك بنزوع شعبوي بدائي يجد صدى واسعاً في القاعدة الريفية لهذه التشكيلات (صغار المزارعين، المؤسسة الدينية التقليدية).

ولم تكن هذه الاتجاهات الهامشية المنبوذة لتصبح قوى سياسية يحسب لها حسابها إلا بعد أن تحول موضوع الهجرة إلى موضوع حساس وحيوي في المجتمعات الأوروبية بداية من منتصف ثمانينيات القرن الماضي. ولقد تزامن هذا التحول مع أزمتين بارزتين مترابطتين:

١. انهيار الطبقة العمالية الناتج عن طبيعة الثورة التقنية الثانية وانحسار سنوات الرفاهية التي عرفتها القارة العجوز.

٢. انهيار أحزاب "اليسار" التقليدي التي كانت تقود عملية التحديث الفكري والمجتمعي، وتتبنى خطابا منفتحا مع نزعة عالم ثالثية ملازمة.

نتج عن هذين العاملين تنامي النزعات "اليمينية" المتطرفة التي تغيرت قاعدتها الاجتماعية، فأصبحت تتشكل أساساً من صفوف الطبقة العاملة التي تعاني من البطالة والهشاشة، وتـًحمـِّل المهاجرين الأجانب جانباً كبيراً من مسؤولية أوضاعها.كما أصبحت تجد في الشعارات القومية المتطرفة التعبير الأيديولوجي عن مواقفها بدلًا من خطاب الصراع الطبقي المألوف لدى "اليسار" الماركسي.

إلا أن صورة "المهاجر" تحولت تدريجياً إلى صورة "المسلم"، إثر تنامي حضور الجاليات المسلمة في المجال المرئي الأوروبي. فالأجيال الثالثة والرابعة من مسلمي أوروبا، لم تعد مهاجرين مقيمين غريبين على النسيج الوطني، بل مواطنين يطرح اندماجهم إشكالات محورية، في مقدمتها مشكل "الاندماج الديني" في سياقات أقصت فيها النظم العلمانية الدين من الفضاء العمومي.

والمفارقة البادية للعيان هنا هي أنه في الوقت الذي لا تطرح مشكلة اندماج المسلمين، أي إشكالات قانونية أو عقدية (باعتبار حيادية الدولة إزاء كل أشكال الاعتقاد الديني)، فإن مشكلة "الخصوصية الدينية" للمسلمين تغدو إشكالًا حاداً، يغذي نزعة الاسلاموفوبيا الحالية. وكما يبين عالم الاجتماع الفرنسي "فنسان غيسر" مؤلف كتاب "الاسلاموفوبيا الجديدة"، فإن المطلوب من المسلمين هو "التخلي عن خصوصيتهم الدينية" لكي يـًقبلوا كمسلمين.

والواقع أن الحضور الإسلامي في أوروبا قد ولـَّد إشكالية داخلية غير محسوبة، هي إعادة فتح الملف الديني إثر تصدع الرؤية العلمانية.

ومع أن مفهوم الاسلاموفوبيا تكرس بالفعل منذ أعلنت هيئة الأمم المتحدة أنها "شكل من أشكال العنصرية"، إلا أن العديد من الكتاب المناوئين للإسلام تعللوا في رفض مقارنة الاسلاموفوبيا باللاسامية أن الموقف النقدي من الدين يدخل في باب حرية التفكير والرأي، في حين أن نزعة العداء للسامية تستهدف "شعباً" بعينه هو "الشعب اليهودي".

بيد أن هذه الحجة لا تستقيم باعتبار أن اللاسامية تتأسس على خلفية دينية بديهية (صورة اليهودي في الخيال المسيحي)، كما أن التداخل ذاته قائم في الاسلاموفوبيا بين صورة المسلم والمهاجر العربي أو التركي.

يضاف إلى هذا العامل الأول، ما يظهر في الاسلاموفوبيا من مصادرة تمييز بين الدين الإسلامي والديانات الأخرى (الحديث عن الاستثناء الإسلامي). والحقيقة الماثلة للعيان أن الانفصام يتزايد راهناً بين حقل الدراسات الإسلامية الرصينة في الغرب التي لا تلاقي أي اهتمام إعلامي والكتابات الهزيلة علمياً ومعرفياً المناوئة للإسلام. وكما يقول "غيسر"، فإن الاسلاموفوبيا الجديدة ليست نزعة ثقافية، وإنما هي "صياغة ثقافية بعدية" لشعور كراهية وخوف سائد في الشارع الأوروبي. ومن ثم جسامة مسؤولية السياسيين والكتاب الذين يغذون هذا الشعور ويستغلونه.

وبعد ؛

لقد آن الأوان لكي تكشف أوروبا صراحة عن وجهها الحقيقي، مع أو ضد حقوق الإنسان، أيا كان دينه أو قوميته أو شكله، وضرورة إقرار قانون يوقف كل مظاهر العنف والاضطهاد، ضد الإسلام والمسلمين في أوروبا، إن أرادت أوروبا الحفاظ على كرامتها ومصداقيتها.

د. عبد القادر حسين ياسينSweden, Västra Götaland

Copyright © 2015 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 


مواضيع مرتبطة



أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على المصدر



هل لديك تعليق على هذا الموضوع؟ علق عليه الآن

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك