Leave your vote

0 points
Upvote Downvote

Total votes: 0

Upvotes: 0

Upvotes percentage: 0.000000%

Downvotes: 0

Downvotes percentage: 0.000000%

سهم ابراهيم كشتUnited Kingdom, Tower Hamlets

Copyright © 2015 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

تبخيس قيمة العلوم الإنسانية: ثقافة سطحية وتعليم خاطىء

بقلم/ سهم ابراهيم كشت
مصر : ۲۷-۲-۲۰۱۵ - ۱۱:۰٤ ص

تعجب أستاذتي وزملائي في الصف العاشر اختياري لفرع "الإدارة المعلوماتية" بدلاً من الفرع "العلمي" لأكمل دراستي الثانوية، حين كان تحصيلي الدراسي "المتفوق" على مدى سنواتي العشر السابقة يمنحني الفرصة بل والأولوية للالتحاق بالمسار الذي يسلكه "الأطباء" و"المهندسون" بدلا من مسار "ذوي المعدلات العادية". كنت أدرك في داخلي وقتها، ولحسن الحظ، أنني اتخذت القرار الصحيح، إلا أنني لم أكن أملك تبريرا لاختياري سوى أنه "رغبتي الشخصية".

رغم حصولي على الترتيب الأول في المدرسة، والرابع على مستوى ذكور المملكة في الفرع المعلوماتي، وعلى اثر ذلك دخولي تخصص المحاسبة بتنافسٍ إلى الجامعة، كانت نظرة ُ المجتمع المتدنية إلى طلاب المجالات الإنسانية في الجامعة اذا ما قارنتها بنظرتهم إلى طلاب الكليات العلمية تستفزني، وذلك لقناعتي الكاملة أنني كنت قادراً على الالتحاق بتلك التخصصات العلمية واجتيازها بنجاح، وأن تحصيلي المدرسي في المواد العلمية كان أفضل من تحصيل نصفهم، وما اختياري لتخصص الإدارة، فيما بعد، الا قناعةً شخصية تامة، وموائمةً لميولٍ في مجال أؤمن بأنني لن أكون عادياً بل مبدعا فيه، مبتعدا عن قناعات لا صحة لها، ترجح كفة الطبيب والمهندس، ولو كان اختيارهم عن غير رغبة، على رواد المجالات الإنسانية.

لكن لا عجب أن يكون هذا الاعتقاد السائد والأرجح، في ظل ثقافة تعظّم الهيبة المصاحبة لحرف د. أو م. يسبق اسم الطبيب والمهندس، بدلا من أن تعظم سمو العلم المصاحب لهذه المهن. ولا عجب أن يكون هذا الاعتقاد السائد والأرجح في ظل نظام تعليمي يهيمن عليه التلقين والحفظ بدلا من التفكير الناقد والتحليل اللذان يشكلان لذة دراسة العلوم الإنسانية وطريقة الابداع فيها. كما أن التخصصات الإنسانية أصبحت مرتبطة بذوي المعدلات المتدنية والأقل جلداً على الدراسة والبحث العلمي في جامعاتنا، وكأنها منفذ لمن لا طموح له ولا ميول.

لقد دفعتني هذه القناعات الخاطئة، والتوجهات السلبية نحو العلوم الإنسانية، التي لا أساس لها من الوجود في المجتمعات الغربية، إلى مناقشة أسباب هذه الاعتقادات وجذورها والتأكيد على عدم دقتها، اضافة إلى ابراز أهمية دراسة العلوم الإنسانية وسموها.

و أنوهُ أن المقال لا يهاجم العلوم الطبيعية بأي شكل من الأشكال ولا يقلل من قيمتها، بل أنني أدرك تماما أهميتها في الثورة الصناعية والعولمة والصحة والعمار والطب وتفسير الكون وتسهيل الحياة والتنمية البشرية، و، وأن محتواها اذا تعمقنا به هو أكثر تعقيدا وصعوبة من العلوم الأخرى. إلا أن هذا المقال هو دفاع بالتحديد عن العلوم الإنسانية، وبيانٌ لأهمية دراستها ورقيها.

إن الطبيعة المعقدة لتكوين الإنسان وتطوره تمثل الأهمية الجوهرية للعلوم الإنسانية، فالإنسان كائن إجتماعي تفرد بقدرته على تبادل المعلومات والتواصل والتنظيم وتكوين الجماعات والأسر والعيش فيها، وله شخصية قادرة على التعلم ومحاطة بالمشاعر والأحساسيس، وقد طور عبر التفاعل الإجتماعي منظومةً من القيم والمعايير التي تشكل بمجملها أساساً للمجتمع الذي يعيش فيه. هذه الأمور وغيرها المتصلة بالإنسان نفسه وعلاقاته ومجتمعه لا تدرسها العلوم الطبيعية بل العلوم الإنسانية التي تهدف في جلها إلى خلق حياة أفضل للإنسان والسمو بتفكيره وتحقيق النمو في المجتمع والحضارات. فمثلا، يدرس علم النفس سلوك الإنسان وشخصيته وتفكيره، بينما يركز علم الإجتماع على التفاعلات الإجتماعية للبشر، ويدرس الإقتصاد التوزيع الأمثل للموارد المحدودة في ظل الحاجات المتزايدة للإنسان، حين تعمل الإدارة على تنسيق الجهود الإنسانية لتحقيق أهداف المنظمات بالاستخدام الكفؤ والفعال لهذه الموارد.

كما أن العلوم الإنسانية هي التي تعطي القيمة المعنوية والروحانية للحياة، فدونها لا نفهم مغزى السلوكات والمجتمعات ولا نفهم كيف نستغل مواردنا النادرة ولا حتى نصل إلى الرفاه الذي نعيشه. فليست وحدها التكنلوجيا الحديثة التي أسهمت في المنتجات والخدمات الذكية التي نقتنيها الآن وتشكل جزءا أساسياً من حياتنا، بل وايضأ ادارةٌ مميزة، وقيادةٌ فعالة، ونظامٌ إقتصادي مرن واستراتيجيات تسويقية هادفة تلعب الدور الأكبر في توظيف الإمكانيات البشرية لصنع هذه المنتجات وإيصالها إلينا.

إن الثقافة السطحية المذكورة في العنوان هي تلك التي تقدس، كما قلت سابقا، الألقاب المصحوبة بالمهن، معتقدة أن هيبة الطبيب مثلاً ومركزه الإجتماعي مرتبطان بكونه يزاول مهنة في الطب بدلاً من أن تعزوها إلى إخلاص هذا الشخص وتفانيه في عمله على سبيل المثال. كما يظهر الإعتقاد السائد أن تخصصاً معينـاً لا جدوى منه اذا كان لا مسمى وظيفي له، فطالب الهندسة يصبح مهندساً، ولو كان عاطلاً عن العمل، ولكن هل يصبح مسمى طالب الإقتصاد او الإدارة مديراً أو إقتصادياً؟ وهل ينتهي مشوار أربع سنوات من دراسة علم النفس بوظيفة مرشد نفسي في مدرسة؟ حتى لو تناسينا ثقافة العيب السائدة واحتقار بعض المهن لمسماها المتواضع، الا أنه من الجلي أن روعة المعرفة المستقاة من مجال معين وأهميته لا ترتبط بالوظيفة، والتي قد يتحدد إدراك الناس نحوها بعوامل إقتصادية كالبطالة وسياسات العمل، وإجتماعية وثقافية كالاهتمام باللقب الإجتماعي.

وتلعب طريقة التعليم في المدارس والجامعات في مجتمعنا برأيي الدور الأكبر في تشويه صورة العلوم الإنسانية. فالتلقين والتحفيظ المرتبط بمواد الإدارة والتسويق وعلم النفس والإجتماع والإقتصاد وغيرها في الجامعات، وأسلوب التقييم الذي يقيس الحفظ لا الفهم والتحليل، وأسلوب نقل المعلومة الذي يخلو من إبراز الآراء المختلفة وويقتصر على الطريقة الواحدة المثلى، وغياب التطبيق العملي والميداني، كلها تتناقض مع طبيعة العلوم الإنسانية، التي تحلو دراستها لعدم وجود طريقة مثلى لقياس الأشياء التي تدرسها، ومنهج واحد يفسر الظواهر، وتفسير واحد للسلوكات. فالعوامل النفسية والاختلافات الثقافية والسياسات المحلية والتركيب السكاني كلها عوامل تجعل لا منهج إقتصادي أو اداري واحد مثلاً صالح في كل الظروف. إن جمال هذه العلوم يكمن في أنها تتضمن مدارس مختلفة ومناهج متعددة، تشعل حدة النقاش بين رواد هذه المجالات في ساحاته، وتخلق فرصاً أكبر للإبداع فيه والمساهمة في تطويره، وبذلك تطوير الأداء الإقتصادي أو البشري وتحقيق النمو الإجتماعي أو التغيير الذي يسهم في رفعة المجتمعات وتحسن مستوى المعيشة.

فكيف نخلق الشعور بأهمية العلوم الإنسانية وجمالها حين يكون مكمنها وهو التحليل والتفكير النقدي والإبداعي غائباً عن نظام التعليم لدينا؟ وكيف لا نعتبرها ثانوية حين يكون أسلوب تدريسها خاطئأً لا يشجع على فهمها وتطبيقها ولا يعرض كل مناحيها؟

Leave your vote

0 points
Upvote Downvote

Total votes: 0

Upvotes: 0

Upvotes percentage: 0.000000%

Downvotes: 0

Downvotes percentage: 0.000000%

سهم ابراهيم كشتUnited Kingdom, Tower Hamlets

Copyright © 2015 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 


مواضيع مرتبطة



أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على المصدر



هل لديك تعليق على هذا الموضوع؟ علق عليه الآن

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق



Forgot your password?

Enter your account data and we will send you a link to reset your password.

Your password reset link appears to be invalid or expired.

Close
of

Processing files…

أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك

Warning: mkdir(): Disk quota exceeded in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 321

Fatal error: Uncaught exception 'Exception' with message 'Cache directory not writable. ZenCache needs this directory please: `/homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/cache/zencache/cache/http/ahlan-com/2015/02/27`. Set permissions to `755` or higher; `777` might be needed in some cases.' in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php:324 Stack trace: #0 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->WebSharks\ZenCache\Pro\{closure}('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #1 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/classes/AbsBaseAp.php(55): call_user_func_array(Object(Closure), Array) #2 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AbsBaseAp->__call('outputBufferCal...', Array) #3 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->outputBufferCallbackHandler('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #4 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-includ in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 324