أستاذي الذي لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب

بقلم/
مصر : ۹-۲-۲۰۱۵ - ۱۱:۱۳ ص - نشر

Student-in-Libraryمعرفتي به قديمة. كان أكبر مني سناً وكنت معجباً به جداً. أذكر أنني كنت أتمنى دائماً أن أكبر بسرعة لأصبح مثله. كبرت وتحققت أحلامي بسرعة أكبر. أصبحت أقرأ مجلدات كارل ماركس وفريدريش إنجلز وفلاديمير لينين وجوزيف ستالين وروزا لوكسمبورغ.

كنت أوفر كل مليم أحصل عليه من والدتي المسكينة لأنفق ما جمعته خلال شهور على شراء الكتب الثقافية من "مكتبة الفجر" التي كانت تبيعها بتنزيلات هائلة مرة واحدة في الشهر.

كانت والدتي نموذجا للفلاحة الفلسطينية البسيطة، ولم تكن تعرف في أي صف أنا. ولا تجد فائدة تذكر من هذه "المهزلة" التي يسمونها مدرسة. فالولد كما كانت ترى "يشتد عوده ويصلب بالعمل المبكر وليس بخرافة التعليم". ومع ذلك قبلت تعلمي على مضض، مع أن التعليم في مدرسة الوكالة في مخيم النويعمة لم يكن يكلفها شيئا.

كنت أذهب إلى المدرسة بأسمال بالية لأنني لا أملك غيرها. وكنا نقرأ على فوانيس الكاز، إذ لم تكن الكهرباء قد دخلت المخيمات الفلسطينية في بداية الستينات. فلا مصابيح، ولا مروحة تحرك هواء الصيف اللاهب في أريحا حيث تصل درجة الحرارة أحيانا إلى ٤٥ درجة مئوية في الظل، ولا ثمرة فاكهة تحرك الدم في الوجوه. قدح الشاي وكسرة من خبز الطابون كانت كافية لجعل الحياة تستمر.

أذكر أنني اشتريت المجموعة الكاملة لمؤلفات لينين بثلاثة دنانير ونصف الدينار. والمجموعة الكاملة لمؤلفات ماركس بثلاثة دنانير وخمسة سبعين قرشاً. كانت فرحتي لا تضاهيها فرحة وأنا أضع على رفوف مكتبتي الفكر الماركسي كله تقريباً بكلفة أقل من ثمانية دنانير أردنية.

ما كنت أصل إلى بيتي كل يوم حتى أهرع إلى كتبي تلك أنهل منها ما استطعت تخزينه في عقلي الصغير وجسمي النحيف ومعدتي الخاوية. كان كل همي أن أصبح "ثورياً." كنت كل مرة ألتقي فيها "الأستاذ سليمان"، أُخرج له ما عندي من الكتب التي اشتريتها وتلك التي تابعت على شرائها حتى ملأت خزائني ورفوف مكتبتي وتبعثرت تحت طاولتي ولحافي ومخدتي.

وكنت كل مرة أحاول أن أظهر فيها لأستاذي الذي "لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب" مبلغ ما توصلت إليه في مطالعاتي آملاً أن اسمع منه كلمة ثناء أو تشجيع، أُفاجأ به يخيّب أملي بنظراته المستخفة المتعجرفة وقوله : "هذا لا يكفي.. يجب أن تقرأ هذا قبل ذلك.. وذاك بعد ذلك..".

جمعت ذات مرة كل طاقاتي وأقسمت أنني لن اترك له مجالاً للاستهزاء بي. حرصت على أن أقرأ كل كلمة في "الأعمال الكاملة لماركس وإنغلز" ولينين وروزا لوكسمبورغ وغيرهم من المفكرين الثوريين في محاولة لتعميق ثقافتي الاشتراكية.

تخطيته بأشواط في التهجم على الإمبريالية الأمريكية وربيبتها الصهيونية وعملائها من الأنظمة الرجعية العربية. فلم تصدر عنه كلمة إعجاب أو ثناء واحدة، إنما اقترب يسألني: "هل قرأت مؤلفات جورج فلهلم هيغل؟ كيف يمكن أن تستوعب مبادئ الاشتراكية العلمية وأنت لا تعرف شيئاً عن هيغل؟

لعنته ولعنت كارل ماركس وفريدريش إنجلز وفلاديمير لينين وجوزيف ستالين وجورج فيلهلم هيغل.. وعدت إلى لعنه ولعن هؤلاء، وأنا أنظر إلى عيون إخوتي الجائعين، فمؤلفات ونظريات هؤلاء لم تقدّم لهم شيئاً إلا الجوع والعذاب.

لقد قضيت معظم أيام حياتي بالدراسة والبحث في مؤلفات هؤلاء المفكرين، وانتهت بي أبحاثي بعد أن زادت في جوعي وعذابي وتشردي إلى أقصى شمال الأرض، في الدائرة القطبية الشمالية، وانتهت به "شطارته"، فتـّح عينك تأكل ملبن، كما يقول المصريون، إلى مدير كازينو "يلعب بالبيضة والحجر" في جزر الباهاما.

أظن، و"بعض الظنّ" وليس كله إثم، أن جورج فيلهلم هيغل يتقلب الآن في قبره لو عرف أن فلسفته في "البحث عن الذات" انتهت ب "الأستاذ سليمان" إلى التنكر لذاته، وأولئك المستضعفين في الأرض.

و "يا خفيّ الألطاف.. نجـِّنا مما نخاف.."

لو.. لو تـُفتح نافذةٌ للحـُلم..

لو حصلنا على بيت ذاتَ يوم..

سـَنـَنـْصـُب حوله عريشة ياسمين..

وسنأذنُ للريحان، أن يـَنمو على الجـُدران..

لو.. لو.. لو..

د. عبد القادر حسين ياسينSweden, Västra Götaland

كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد

Copyright © 2015 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك