بين يدي رسالة الغفران

بقلم/
مصر : ٦-۱-۲۰۱۵ - ۷:٤۱ م - نشر

لقد كان لرسالة الغفران تأثيرٌ كبير على مسيرة الأجناس والنصوص الأدبية اللاحقة. فهي وإن كانت جواباً على رسالة من ابن القارح عندما سأله: "كيف يصنع من عنده أن التوبة من ذنب لا تصح مع الإقامة على ذنب آخر؟" إلا أن لها ثوباً قصصياً ممتعاً.

فمن حيث الأفكار والمجالات التي تناقشها، فتتنازعها مواضيع عدة: التاريح والفلسفة والمعتقدات الدينية والشعر وغيرها الكثير.

أما من حيث المزايا الأسلوبية، فهي:

١- لم تكن إجابة من جنس السؤال: فلم تكن طرحاً لاحتمالات أو سرداً لأدلة، وإنما كانت معادلاً فنياً قصصياً لا يخلو فيها تحقق الغفران المرجو من العذاب الأليم.

٢- ضربٌ من الفن القصصي الخلاق يحمل الكثير من الامتاع للمنتمين إلى عصور أخرى من خلال الحوار الفني.

٣- مليئة بالتصور الديني حوال عالم الدار الآخرة في النصوص المقدسة وامتداداته في تأويل الوعاظ ببراعة ومهارة قصصية.

٤- اعتمدت في بنائها على الاستعارة وفق مستويين:

أ‌- المستوى الرأسي: يكون فيه الكلم الصالح قابلاً للصعود إلى الملأ الأعلى.

ب‌- الترشيح: النمو بالمشبه به أو المستعار منه والإيغال من خلاله في عالم الخيال "أنهار العسل تلعب فيها أسماك بحرية ونهرية والذهب والفضة والجواهر".

٥- التحرر من محدودية اللغة البشرية في التعبير عم في عالم الآخرة على ما في ذهن السامع من خبرته: وذلك بإقامة التضاد بين المدلول الراسخ والمدلول الجديد في المناخ الجديد "عسل الدنيا مقامه مقام الزفت من الفالوذج".

٦- استخدام التصوير القصصي: حيث يتحول الإوز إلى جواري عازفات بارعات.

٧- الحرية في التشكيل الحكائي: بكسر حاجز الصورة الثابتة والانتقال إلى طواعية التشكيل فتتفجر صور لا نهاية لها تفوق كل الحواجز اللغوية "شجر الحور".

٨- الحرية في نقل جانب من الطاقة التي هي للخالق وحده إلى المخلوق الصالح: فيشكل المخلوقات التي يحبها على ما يحب ويهوى.

٩- اعتماد مبدأ إعادة التشكيل: تعويض النواقص، كتعويض الأعمى، وحرمان بعض المزايا ممن أعطوها كحرمان الجن من التصور شباباً في الجن كباقي أهل الجنة.

١٠- الغناء: بإذابة قيود الواقع وتحرير النفس من الحزن والخوف فتنتقل بنا من الندم والعقاب إلى الغفران.

١١- الغزارة التاريخية: كان أغلبها من كبار الشعراء والكتاب من مختلف العصور بالإضافة إلى بعض العوام.

١٢- اعتماد الأساطير كمصدر قصصي للحكاية: معظمها من عالم الحيوانات والزواحف "الحية الوفية ذات الصفا".

١٣- سلاسة النص: لما فيه من سهولة ويسر في الانتقال من فكرة إلى أخرى، إذا ما استثنينا مناقشته لللغويين ومحاكاة النحاة أو الشعراء.

في النهاية نجد أن أبا العلاء قد نسج من رسالة الغفران لوناً فريداً من الفن القصصي يتمتع بأشكال كبيرة من التعبير القصصي والمشهد القصصي والمشاهد المتتابعة والقصة المكتملة، بالإضافة إلى الكثير من العناصر المألوفة في الفن القصصي: مثل التشويق والعقدة والمفاجآت والحل.

أحمد أرنبSyria

Copyright © 2015 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

M. Alaadin A. Morsy, Ph.D.

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك