د. ليوبولد سدار سينغور: شاعر الحرية الإفريقية بإمتياز

د. عبد القادر حسين ياسين
مصر : ۲۷-۱۲-۲۰۱٤ - ۱:۳۰ م - نشر

إحتفلت الدول الناطقة بالفرنسية في الأسبوع الماضي بذكرى وفاة الرئيس السنغالي الراحل ليوبولد سدار سينغور، ٩ تشرين الأول ١٩٠٦ – ٢٠ كانون الأول ٢٠٠١. وقد نظمت بهذه المناسبة العديد من النشاطات الثقافية في الكثير من الدول الناطقة باللغة الفرنسية للتعريف بإنتاجه الفكري.

ولد ليوبولد سدار سينغور في التاسع من تشرين الأول عام ١٩٠٦، في قرية تقع إلى الجنوب من مدينة دكار يطلق عليها "جوال" كانت في يوم الأيام مرفأ للتجار البرتغاليين، وهو أمر سيذكره سينغور باستمرار مفتخرا به ومباهيا بـ"الدم البرتغالي" الذي يجري في عروقه. قضى سنغور السبع سنوات الأولى من حياته وسط الحقول والغابات، تهدهده الأغاني والأساطير السحرية.

يقول سنغور عن طفولته: "عشت حتى عام ١٩١٣ في بيئة إحيائية animiste، مذهب حيوية المادة والاعتقاد بأن النفس البشرية هي مبدأ الفكر والحياة العضوية في وقت واحد، وكان عمي يعتني بتربيتي الأخلاقية والدينية. كنتُ إحيائياً مئة في المئة، وكان عالمي الثقافي الأخلاقي الديني إحيائياً، وقد طبعني هذا بعمق، لذا غالباً ما أتحدث في أشعاري عن "مملكة الطفولة"، إنها مملكة براءة وسعادة، إذ ليس من حدود بين الموتى والأحياء، بين الواقع والخيال، بين الحاضر والماضي والمستقبل".

طوال سبعة أعوام عاشها في مراتع الطفولة كان سنغور يتطور تطوراً متناغماً، "عشت سعيداً"، يقول الشاعر، "في عالم من الطيبة والجمال والكرامة والحرية، في طفولة محميَّة، حيث تنكشف قيم الحياة وتعاش، طفولة معيشة ومليئة، من دون تمزق بين الذكاء والإحساس، بين الإيحاءات وحب الحياة". في عام ١٩١٤ أرسله والده إلى معهد تبشيري يديره رهبان فرنسيون، ويقع على شاطئ المحيط على بعد ستة كيلومترات من مدينة جوال.

وكان المعهد المذكور يضمّ يتامى، وفقراء، وأوروبيين، وأبناء مترفين غير أنهم كانوا يعيشون في وئام، دون أية فوارق عرقية أو طبقية. وجميعهم كانوا يتداولون على زراعة الفول السوداني، الفستق، وعلى غسل أواني الطبخ والأكل، ورعي المواشي، والاعتناء بالأشجار. ولم يكن برنامج المعهد الدراسي قاسيا وصارما، وإنما كان منفتحا على الطبيعة، وعلى جمالها، ويشبه إلى حد ما تلك المدارس التي مجّدها شاعر البنغال الخالد وفيلسوفهم الأشهر رابندرانات طاغور، وأنشأ مثيلا لها وسط الغابات. وفى السادسة عشر من عمره، غادر الفتى سنغور ذلك المكان الصغير والجميل، وانتقل إلى العاصمة داكار المفتوحة على المحيط، وهناك واصل تجولاته الحالمة، وتأمّلاته العميقة التي كان قد بدأها هناك وسط الطبيعة الساحرة. ومنذ السنوات الأولى أبدى الفتى سنغور تفوقا في الدراسة، وسيطرة على أساليب اللغة الفرنسية، وتلهّفا على المعرفة.

وكان يقرأ كل ما يقع بين يديه من كتب ومجلات وخاصة تلك التي كانت تساعده على الهروب بخياله بعيدا.. وفي عام ١٩٢٨ حصل سنغور على الباكالوريا وركب الباخرة إلى باريس، وهي مدينة لم تكن غريبة عليه، فقد كان يحفظ أسماء شوارعها وكنائسها وأزقتها عن ظهر قلب، كما كان يعرف متاحفها ومسارحها ومقاهيها، لذلك لم ينبهر بها كما انبهر بها من قبل بعض المستغربين العرب أمثال رفاعة الطهطاوي وطه حسين وزكي مبارك وغيرهم. ولم يكتب عنها كما كتب هؤلاء. وحتى جامعة السوربون التي هام بها عميد الأدب العربي لم تشف غلة صاحبنا الظامئ إلى المزيد من علوم اللغة الفرنسية، فأعرض عنها وولى وجهه شطر مدرسة المعلمين العليا، فانتسب إلى ثانوية Louis-le-Grand "لويس لغران" التحضيرية، وهنا سيلتقي لأول مرة بالشاعر المارتنيكي أيمي سزير Aime Cesaire وكذلك بجورج بومبيدو الذي سيصبح رئيسا لفرنسا فيما بعد.

يقول إيمي سيزير عن هذا اللقاء: "جئت إلى ثانوية لويس لغران واتجهت مباشرة إلى المدير الذي كان بشوشا معي وأتممت إجراءات التسجيل بسرعة، وعند خروجي من السكرتارية رأيت أمامي شابا أسود اللون صغير القامة، يضع نظارات سميكة، ويلبس معطفا أزرق، قال لي ما اسمك، ومن أين أتيت، فأجبته أسمي إيمي سيزير من المارتنيك، فقال لي: اسمي سنغور من السنغال، منذ ذلك اليوم أصبحنا أصدقاء نكاد نلتقي كل يوم، وكان يعرفني على أصدقائه. ذات مرة وجدت معه شابا طويل القامة، فقدمه لي قائلا: أقدم لك صديقي جورج بومبيدو زميلي في الدراسة".

لم يتحقق حلم سنغور بالانتساب إلى مدرسة المعلمين العليا إلا أن تلك السنوات التي قضاها في مدرسة لوي لغران لم تذهب سدى وفشله في دخول مدرسة المعلمين لم يفل من عضده، ولم يقلل من حماسته لخدمة لغة فولتير، فوضع هدفا أسمى من مدرسة المعلمين وهو الحصول على شهادة التبريز. وفي عام ١٩٣٢ نجح سنغور في الشهادة العليا وحصل على الجنسية الفرنسية، وكتب دراسة عن بودلير وتفوق في "التبريز" ليصبح أول مبرز إفريقي في تاريخ هذه المسابقة العريقة، التي كانت ولا تزال مبعث فخر الفرنسيين وقرة عين نخبتهم، فيكفي الفرنسي فخرا أن يكتب تحت اسمه "مبرز في اللغة الفرنسية". وقد استطاعت مسابقة "التبريز" أن تحقق لسنغور حلم طفولته الأول، فتم تعيينه مدرسا في ثانوية ديكارت بمدينة تور لكنها أبعدته عن حلمه الثاني، فلم يصبح قسيسا.

يقول رئيس ساحل العاج الأسبق هوفويت بونيي: "لقد اكتشفت فرنسا في سن الأربعين وفي نفس السن تقريبا اكتشف سنغور إفريقيا". وعلى الرغم مما في هذه الكلمة من نقد لاذع لسنغور وتعريض بـ"إفريقيته"، وخاصة من خصم عنيد كان ينازع سنغور زعامة إفريقيا، إلا أنها لا تبتعد كثيرا عن الواقع التاريخي، فجميع الدارسين يؤكدون على أن سنغور "اكتشف" إفريقيا في فرنسا، ولكن في سن الثلاثين لا سن الأربعين. ويرجع الفضل في ذلك الاكتشاف إلى اللقاء الشهير الذي جرى في ساحة ثانوية "لوي لغران" مع الشاعر المارتينيكي سيزير، وكذلك إلى قراءة سنغور لكتاب "الحضارة الإفريقية" للعالم الألماني افروبينوس عام ١٩٣٤.

ولقد نتج عن لقاء سيزير بسنغور مجموعة من النشاطات الثقافية تمثلت في إصدار صحيفة "الطالب الأسود" التي ستروج لمفهوم Négritude "الزنوجة". قامت فكرة "الزنوجة" كأيديولوجيا أول ما قامت كرد فعل على الحرمان الثقافي، وعلى تفسخ الثقافة الغربية التي خبرها سنغور وأترابه في أوروبا. إنها تهدف إلى إحياء وتأكيد القيم الثقافية من خلال الأدب وإلى التأكيد على الهوية والأصالة الأفريقية، وإلى التغني بأمجاد الأجداد وبجمال أفريقيا، وذلك برفض ما هو غربي من جهة وبإعادة ترتيب الصورة وفرضها من جهة ثانية. قد نختلف في تفسيرات هذه "الحركة" سياسياً واجتماعياً، لكن ما يبقى منها، هو هذه المحاولة الأدبية التي عرفت كيف تعيد صياغة الصوت الإفريقي الذي كان تائهاً. كانت "الزنوجة" ذلك المفهوم الذي أبدعه سيزير وتبناه سنغور وأصبح أكبر مروج له ومبشر به. وقد أصدر سنغور في هذه الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية مجموعته الشعرية "أهازيج الظل" و"ما يقدمه الرجل الأسود" وهو مؤلف جماعي.

بعد اشتعال الحرب العالمية الثانية كان سنغور من بين الملايين الذين رفعوا العلم الفرنسي وهتفوا بـ"La Marseillaise" النشيد الوطني الفرنسي، دفاعا عن "وطنهم" فرنسا الذي احتلته القوات الألمانية. وقد وصل سنغور إلى جبهة القتال في شباط عام ١٩٤٠ وبعد أربعة أشهر يقع أسيرا في أيدي القوات الألمانية. وبعد سنتين من الأسر يطلق سراحه لتدهور صحته. وعندما وضعت الحرب أوزارها عام ١٩٤٥ حصل سنغور على منحة بحثية من "المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي" لإنجاز دراسة ميدانية في مسقط رأسه، وستكون تلك الزيارة مناسبة لاكتشاف بلده السنغال، والتعرف على الأوضاع الصعبة والمزرية التي يعانيها أبناء عمومته، وهنا تسلمه آلهة الشعر إلى السياسة ولكن إلى حين.

ويقول سنغور عن هذه الفترة: "إن أطروحتي كانت ستتناول الشعر الشفهي في قريتي جوال ولهذا كنت أحتاج للعودة إليها لأتزود من معين الحضارة الزنجية الإفريقية، وأثناء دراستي اكتشفت بؤس الفلاحين، وقد قادني الوعي بتلك الحقيقة المرعبة إلى ممارسة السياسة، والترشح في الانتخابات، فعندما وصلت إلى فرنسا كان هدفي على نقيض السياسة، ومنذ سنواتي الأولى في ثانوية "لوي لغران" وضعت أمامي هدفا واحدا، أن أصبح أستاذا في Collége de France الكوليج دي فرانس وشاعرا".

هل كان سنغور "مبعوث العناية الإلهية" الذي جاء لـ"خلاص" الشعب السنغالي من بؤسه كما يقول في مذكراته؟ أم كان مبعوث الإدارة الفرنسية التي كانت تخطط لسياسة "الوصل" بعد "الفصل" تمهيدا لعصر استعماري جديد يتولى فيه السكان الأصليون مسؤولية استعمار أنفسهم بأنفسهم؟ وسواء كان الأمر هذا أو ذاك فإن تنشئة سنغور وتكوينه وإعداده للسير في أدغال السياسة السنغالية الموحشة سيتولاه النائب السنغالي في البرلمان الفرنسي ألمين كي الذي يطلق اسمه اليوم على أكبر شارع في العاصمة السنغالية دكار.

تعلم سنغور فن السير في الأدغال السياسية بسرعة حتى أتقنه، ساعده على ذلك ثقافته الواسعة وخطبه الموسيقية التي كان يوشحها ببعض الكلمات اللاتينية فيبهر بها عقول مستمعيه ويأسر قلوبهم، خصوصا إذا كانوا من المثقفين أو من أشباههم. ولما آنس من نفسه قوة قلب ظهر المجن لولي نعمته، وتلك آية نجاح السياسيين، وأنشأ حزبه الخاص "التكتل الديمقراطي السنغالي" الذي سيهزم به ألمين كي في الانتخابات التشريعية لعام ١٩٥١، وبذلك سيصبح سنغور السياسي الأول في السنغال بدون منازع.

يمكن أن نطلق على الفترة الممتدة من ١٩٤٥ إلى ١٩٦٠ "الحقبة الإفريقية"، حيث كانت إفريقيا حاضرة في قلب وعقل ومشاغل سنغور، وكتب فيها أروع إبداعاته الشعرية التي رفعته إلى مصاف كبار الشعراء الفرنسيين العالميين. كما أصدر كتابا تعريفيا عن الشعر الزنجي والملغاشي المكتوب باللغة الفرنسية وكتب رواية للأطفال. أما على مستوى الممارسة السياسية فقد كانت هموم القارة الإفريقية هي شغله الشاغل سواء عندما كان نائبا في البرلمان الفرنسي أو وزيرا في حكومة ادغار فور الذي سيستقبله بعد ذلك بثلاثين سنة تحت قبة الأكاديمية الفرنسية.

كان سنغور ينادي بعلاقة متميزة بين إفريقيا وفرنسا، وكان يطالب باستقلال إفريقيا "مع فرنسا لا عنها"، كما كان ينادي بوحدة إفريقيا، بل كان من كبار الوحدويين الأفارقة، ومع ذلك فإن الوحدة الإفريقية الوحيدة التي كان عرَّابها والتي قامت بين مالي والسنغال فقد انفرط عقدها في أقل من خمسة أشهر. وكان ذلك فشلا ذريعا لسنغور ونهاية لحقبته الإفريقية بكل أبعادها. بعد التجربة الوحدوية الفاشلة بين مالي والسنغال ستبدأ "الحقبة السنغالية" من حياة سنغور التي سيفتتحها بكتابته كلمات النشيد الوطني السنغالي من مكتبه الرئاسي عام ١٩٦٠ وسيختمها بمغادرته السلطة مختارا سنة ١٩٨٠. وبالنسبة للملايين من أبناء إفريقيا، فإنّ سنغور هو "ذلك الرجل الحكيم" الذي قاد بلاده في مرحلة الاستقلال وما بعدها، ثم انسحب بعد ذلك بهدوء وجلال، حينما بدأ يتعب ليعيش وحدة الشاعر والحكيم، بعيدا عن الصخب، والفضائح السياسية التي شوّهت شخصيات افريقية أخرى، شيء يذكرنا بذلك البيت الجميل للشاعر الألماني راينار ماريا ريلكه: "من السهل أن نبدأ، ولكن من الصعب أن ننسحب…".

لقد انصرف سنغور في بداية حكمه إلى تثبيت قواعد سلطته ودخل في معارك طاحنة مع رفاق دربه الذين أرسلهم زرافات ووحدانا إلى غياهب السجون وإن لم يرسلهم كما كان يفعل جاره سيكو توري إلى حبال المشانق. وعندما أحكم سنغور خيوط السلطة بين يديه وتحكَّم فيها عاد إلى هوايته القديمة ممارسة الثقافة، والاهتمام باللغة الفرنسية.

فكان على سبيل المثال يصدر المراسيم الرئاسية لإجازة كلمات بعينها قبل أن يدرجها اللغويون في معاجمهم، كما كان يصدر الأوامر ويتدخل شخصيا لمنع هذا الملصق أو ذاك، من ملصقات الأفلام أو الإعلانات التجارية، لاحتوائه على خطأ نحوي أو لغوي أو إملائي. ولم يكن سنغور يغضب على أحد من معاونيه مثل غضبه إذا انتهك أحد منهم حرمة من حرمات اللغة الفرنسية. عندها كان غضبا في وجه مساعده ويمطره بوابل من التقريعات وبمئات الشواهد من كتابات فولتير ولا مارتين وفكتور هيغو وغيرهم من كلاسيكيي الأدب الفرنسي.

لقد سخـَّر سينغور خيرات بلده القليلة لتحويل السنغال إلى "ورشة ثقافية" كبرى، فأمر ببناء المتاحف والمسارح، وأنشأ مدارس للرقص والباليه، ومعاهد لفنون الرسم والنحت، وهو ما كان مبعث سخرية الكثير من الرؤساء الأفارقة الذين كانوا يتهمونه بالتبذير، في حين كان يرميهم بالجهل، ويرشدهم إلى أن الثقافة هي "قاطرة التنمية". ولقد بلغ ذلك النشاط الثقافي أوجه عام ١٩٦٦ بتنظيم المهرجان الدولي الأول للفنون الزنجية بمدينة داكار والذي حضره المثقفون والفنانون الزنوج من جميع أنحاء العالم وخصوصا من الولايات المتحدة الأميركية.

لم يكن سنغور ديموقراطيا رغم ثقافته الديموقراطية بل كان "مستبداً متنوراً" على خلاف زملائه من الرؤساء الأفارقة والعرب. لقد كان يدرك حدود السلطة وضرورة التداول عليها، لذلك بدأ مبكرا في التحضير لذلك اليوم الذي سيغادر فيه السلطة قبل أن تعاجله جموع المتظاهرين أو يصل إلى سمعه "البلاغ رقم واحد". وعندما أيقن أنه وضع السنغال على "أول طريق الديموقراطية"، غادر مكتبه الرئاسي بهدوء، ليجعل من السنغال إحدي أعرق الديومقراطيات الإفريقية وأكثرها استقرارا. وكان ذلك في كانون الأول عام١٩٨٠. أما بقية حياته والتي ستمتد إلى كانون الأول عام ٢٠٠١ فقد قضاها بهدوء في فرنسا يكتب الشعر، ويخدم اللغة الفرنسية وينظر للفرانكفونية، ويحصد أوسمة التكريم. وكان وسامه الأكبر هو ما حصل عليه يوم ٢٩ آذار ١٩٨٤ عندما انتخب عضوا في "الأكاديمية الفرنسية" Académie Française وقدمه إدغار فور إلى "مجمع الخالدين".

بعد هذا التطواف بين المحطات الرئيسية من حياة الرئيس الشاعر يحق لنا أن نتساءل عن ماذا تبقى للأجيال الحالية من هذا الرجل الظاهرة. كيف نقومه اليوم؟ هل نقومه على أساس تجربته الشعرية، التي قال عنها ذات يوم "إنها هي الأساس وأن ما عداها باطل وقبض ريح"؟

إن الحكم على هذا "الأساس" لن يكون في صالح سنغور، خصوصا إذا كانت هيئة المحلفين من النخب الإفريقية الشابة، فهؤلاء لا يرون في سنغور غير "فرنسي أسود" أو "زنجي أبيض" خدم اللغة الفرنسية كما لم يخدمها أي فرنسي آخر، وقدم الثقافة الإفريقية قربانا على مذبح الثقافة الفرنسية، وهجر لغات وطنه حتى كادت تندثر. لقد تغنى سنغورب "الزَنوَجة" في البداية، وتبني "الفرنكفونية" في النهاية. تغزل في شعره بالمرأة الزنجية ولون بشرتها الأسود الفاحم، وتزوج بامرأة أوروبية بيضاء بلون الثلج. حكم السنغال مدة عشرين عاما وهو يحمل الجنسية الفرنسية.

غير أن الكثيرين من النخب الإفريقية لحسن الحظ لا يُقَوِّمُونَ سنغور انطلاقا من تجربته الشعرية والثقافية. ولكن ينظرون بإعجاب إلى تجربته السياسية التي وطدت التعددية الديمقراطية، وكرست مبدأ تداول السلطة. وذلك بالنسبة لهم وبالنسبة للكثير من العرب الذين لا زالوا يعانون من الاستبداد هو ما تبقى من سنغور. إنها هي الأساس "وما عداها من تجربة شعرية باطل وقبض ريح".

د. عبد القادر حسين ياسينSweden, Jönköping

كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد

Copyright © 2014 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك