هل لديك شكوك؟

بقلم/
مصر : ٤-۱۰-۲۰۱٤ - ۳:۵۸ م - نشر

icelandلم أكن أعرف أحداً في تلك الأصقاع الشمالية المتجمدة، ولم أكن أعرف كيف أصل الى بلدة "تروند" أو أين هي "تروند" أصلا، وكم تبعد عن العاصمة الآيسلندية ريكيافيك. لذلك إرتميت متعباً في المقعد الخلفي من سيارة الأجرة الصغيرة، وقلت للسائق: "إلى فندق تروندال من فضلك، إنني لا اعرف العنوان…"

كنت قد سمعتُ بفندق "التروندال" من الصديقة الباحثة الفلسطينية الدكتورة إبتسام الخطيب، وكانت الدكتورة الخطيب قد حذرتني من أن "التروندال" هو "أغلى فنادق المدينة" وقلت يومها: "كلها ليلة واحدة، وأنت غريب في بلد لا تعرفه، فلمَ لا، أين ستذهب في هذا الصقيع؟"

سألت موظفة الاستقبال الحسناء عن أجرة الغرفة، فقالت لي، بأدب جـَمّ اشتهرَ به أهلُ الشمال: "ستمائة كراون آيسلندي، يا سيدي" أي ما يعادل ١٢٠ دولاراً أمريكياُ" أما إذا رغبت في قضاء أسبوع أو اكثر فإن الأجرة ستكون خمسمائة كراون في الليلة الواحدة" ولم تنسَ أن تذكريني بان هذه الأجرة تشمل الفطور فقط.

سحرتني "تروند"، وكدت، وأنا امشي على شواطئ "ألفيورد" الذي يشطرها، وأشاهد جبال الجليد التي تنتصبُ كوحوش الأساطير في الميثولوجيا الآيسلندية، كدت أنسى أنني جئت إلى هنا بدعوة من "المعهد الآيسلندي للشؤون الدولية" للمشاركة في ندوة حول "الصراعات العقائدية في العالم الثالث".

وكان كل من رآني يسألني بتهذيب شديد: "هل أنت قادم من وراء البحار يا سيدي؟" وعندما كنت أجيب بأنني قادم من تلك البقعة الساخنة من العالم المسماة "الشرق الاوسط"، كان الجميع يتنهدون في تعجب، ويعرضون عليّ الضيافة، ويرحبون بي كما كان اهل تمبكتو يرحبون بتجار التوابل القادمين من الهند.

كان من المفروض أن أجد مندوباً عن المعهد بانتظاري في المطار، ولكن عاصفة ثلجية أدت إلى تأخر وصول طائرتي من أوسلو خمس ساعات كاملة.

ويبدو أن الصورة النمطية للعرب، وعدم إحترامهم لعنصر الوقت ولآداب السلوك في أذهان شعوب الشمال، دفعت الرجل كما أخبرني فيما بعد إلى الاعتقاد بأنني ربما قررت عدم الحضور، ولو كلـَّف نفسه عناء السؤال لعرف السبب، ووفـَّر عليّ مشقة القيام بتوضيح الصورة.

لكن كان لابد لي من أن أنسى سحر "تروند "، وأن أتحرك.. ولكن كيف؟ ومن أين أبدأ؟ ومن أعرف هنا؟

وبينما كنت أطرح على نفسي هذه التساؤلات وأنا أعبرُ الشارع العام، لمحتُ بالنيون العريض إسم صحيفة "نور ليس" أي الأنوار الشمالية، وقلت في نفسي: فـُرجـَت… لا شك في أن أحد المحررين يعرف مكان الندوة، أو على الأقل عنوان "المعهد الآيسلندي للشؤون الدولية"، وسيتفضل مشكوراً بارشادي إلى المكان.

وقفتُ عند البوابة حيث وضع "كاونتر" خاص للإعلانات المبوبة، ثم تقدمت من احدى الحسناوات هناك، ورويت لها مشكلتي.. وابتسمت… وقالت: "ليس في استطاعتي عمل أي شيء، لكن أقترح أن تقابل محرر الشؤون المحلية، فهو لا شك سيفيدك".

واتصلت بالمحرر، وقالت له: "ثمة غريب غريب الأطوار، وصل لتوه إلى "تروند"، وهو يريد مساعدتك" وقالت لي اسم المحرر، لكن لكثرة خجلي وشدة تسرعي لم اسمع الاسم جيدا وصعدتُ إلى الطابق السابع، فوجدتُ في انتظاري عملاقاً ضخم الجثة، كثيف الشعر، وكأنه واحدٌ من محاربي "الفايكنغ" Viking الذين تتحدث عنهم الاساطير.

رحب بي الرجل بحرارة، وأجلسني إلى جانبه، ودون أن يكلف نفسه عناء السؤال، تناول زجاجة من “الاكوافيت" Aqua Vit، المشروب الوطني الآيسلندي الذي تبلغ نسبة الكحول فيه ٦٨% فقط، وقال: "انك تكاد تتجمد، كانت درجة الحرارة ٣٥ درجة مئوية تحت الصفر.. تناول كاساً واحدة من الاكوافيت وستشعر بالدفء" شكرته وقلت له انني لا أتناول الكحول على الاطلاق.

طلب إلى السكرتير ة أن تـُعدَّ لي فنجانا من الشاي، وأخذ يشرح لي فوائد "الأكوافيت" قائلا: "الكأس الأولى تنقلك من الدائرة القطبية الشمالية إلى خط الاستواء، أما الثالثة فتنقلك إلى جهنم والعالم الاخر". قلت له أنني تاخرت في الوصول إلى ريكيافيك لأسباب قاهرة، وانني أجهل مكان الندوة، او حتى عنوان المعهد، وقال الرجل في كل بساطة وتهذيب:

"سوف أوصلك بنفسي إلى مكان الندوة، فانا مكلف بتغطيتها.. وأعتقد أنك أول عربي تطأ قدماه "مدينة" تروند، وأود أن أحيطك علماً بأننا على موعد مع الانتخابات البلدية في الأسبوع المقبل، ويشارك في هذه الانتخابات خمسة أحزاب يتنافس ممثلوها للفوز بمقاعد المجلس البلدي والحكومة المحلية… بالمناسبة، لمن يهمه الأمر، يبلغ عدد سكان آيسلندة ٣٠٠ ألف نسمة.. وتبين لي، فيما بعد، أن عدد سكان "المدينة" لا يزيد عن ثلاثة آلاف نسمة" وربما كان من المفيد لرجل مثلك الاطلاع على تجربتنا الانتخابية.

"هل تعلم أن ابن رئيس البلدية الذي يمثل الحزب الشيوعي ينافس والده المسيحي المحافظ؟ وهل تعلم أن الحكومة المحلية الحالية تضم خمس نساء احداهن في السبعين من عمرها؟".. شكرته ودخلت إلى قاعة المعهد.

خرجت من الفندق قاصداً مسرح "هنريك إبسن" اشتريت بطاقتين واحدة لي والأخرى للدكتورة ابتسام الخطيب، لعلنا نشاهد المسرحية معاً. يبدأ العرض في الساعة السابعة مساءا… ما زالت أمامي ثلاث ساعات ونصف الساعة. اتصلت بالدكتورة الخطيب لأحيطها علماً بأنني سأكون بانتظارها.. إعتذرت عن الحضور لانها مضطرة لانجاز عمل متراكم منذ اسبوع، ووعدت بأن نشاهد المسرحية في اليوم التالي.

وقفت أنظر إلى الطابور الطويل أمام شباك التذاكر. ليس ثمة شك في أن أي واحد من هؤلاء الناس سيكون مسروراً للحصول على بطاقة؛ فهو على الاقل سيوفر على نفسه مشقة الانتظار في هذا الجو الذي بلغت فيه درجة الحرارة ٣٠ درجة تحت الصفر.

في آخر الطابور رأيت فتاة تقف بانتظار دورها وهي تتململ.. فجاة لمعت في ذهني فكرة؛ تقدمت اليها وقلت لها بأدب أنه يسرني جداً أن أدعوها لمشاهدة المسرحية معاً.. نظرت إليَّ ملياً، ووافقت وهي تبتسم.

قرأت في عينيها الزرقاوين علامات الرضى والاطمئنان لهذا الغريب.. ما زال أمامنا ساعة ونصف الساعة قبل بدء العرض. دعوتها لتناول فنجان من القهوة في كافتيريا المسرح، فوافقت على الفور، وتعارفنا.

“إلسه Else، في الثلاثين من العمر، أعد لنيل الماجستير في الفلسفة الإغريقية وأعمل في دار الكتب الوطنية بالعاصمة ريكيافيك."

"عبد القادر، فلسطيني؛ حضرت الى ريكيافيك بدعوة المعهد الآيسلندي للشؤون الدولية لالقاء محاضرة حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.. هذه أول زيارة أقوم بها لهذه القارة المتجمدة التي أحاطني أهلها بالرعاية والدفء".

قالت وهي تبتسم: "منذ أن رأيتك وأنا أحاول أن أتذكر أين شاهدتك من قبل. لقد تذكرت الآن.. مساء أمس في البرنامج التلفزيوني بانوراما.. لقد بدَّدَ حديثك الكثير من الأوهام العالقة في أذهاننا حول الديموقراطية في اسرائيل".

وتحدثنا طوال ساعة كاملة في مواضيع شتى عن قضية فلسطين، والمشكلة اليهودية، والديانات، وحقوق الانسان، والفلسفة الاغريقية، و"الإرهاب"، والعالم الآخر.. وفجأة، وبدون مقدمات، سألتني: "هل لديك شكوك؟" شكوك؟

"نعم؛ لقد اتضح لي من حديثك أنك واسع الاطلاع في الفلسفة وفي الديانات القديمة، وقد حدثتني بأمور لم اكن أعرفها عن باروخ سبينوزا ورينيه ديكارت وغوتفريد فيلهلم فون لايبنتس، وغيرهم من الفلاسفة في الشرق والغرب.. هل لديك شكوك؟ وأعترف بأن سؤالها هذا أخذني على حين غرَّة. لقد أربكني فعلا.. نظرت عبر النافذة في محاولة لأتغلب على الحيرة والارتباك اللذين أوقعني فيهما سؤالها المفاجئ، وقلت لها: "في الواقع، هذه هي المرة الأولى التي أجد فيها نفسي أمام إمتحان من هذا النوع.. إن مثل هذا السؤال لم يخطر ببالي من قبل، ولكني سأجيبك على سؤالك: كلا؛ ليس لديّ شكوك، ولكن عندي الكثير من التساؤلات".

ولكي أنقذها من نظرات الحيرة التي بدت في عينيها أكملت حديثي موضحا: "ان التساؤلات هي الأسئلة غير المحلولة بعد، وهي تعبير عن مستوى المعرفة الذي وصل اليه الانسان، ولمـَّا كانت المعرفة غير محدودة؛ فلا بد أن يكون لدى الانسان وعلمه محدود بالضرورة، بالقياس إلى بحر المعرفة الذي بدون شطآن هامشٌ للجهل.. إن التساؤل هو الرغبة في التغلب على هذا الجهل، وأعتقد أن التساؤل طريقٌ لا مناص منه للوصول إلى الحقيقة.. إنني اؤمن ايماناً راسخاً بالفلسفة العلمية، ولا يساورني أدنى شك في صحتها.. إن الشك يـُزعزع أركان العقيدة، ولا أستطبع أن أزعم "وما أوتيت من العلم الا قليلا" أنني أحطت بكل مسائل الفلسفة." قاطعتني بأدب جمّ: "لقد فهمت.. أشكرك جزيل الشكر لهذا التوضيح القيـَّم".

بعد مشاهدة المسرحية افترقنا، وذهب كلٌ منا في طريق.. ولم التق إلسه بعد تلك الرفقة التي أهدتني إياها الصدفة، وكلما تذكرتها يغمرني شعور بالرضى والامتنان لتلك الفتاة الآيسلندية الذكية الطيبة الجميلة التي أتاحت لي أن أفهم الفرق بين الشك والتساؤل.. وليس هذا فحسب، بل وأن أحب التساؤل دائما.

د. عبد القادر حسين ياسين Sweden, Västra Götaland

كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد

Copyright © 2014 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك