قراءة تراجيدية للربيع العربي

بقلم/
مصر : ۲۰-۹-۲۰۱٤ - ۱:۳۱ م - نشر

arab springعرف الواقع السياسي في الدول العربية، من خلال تسلسل اﻷحداث التي واكبت شرارة الربيع العربي، طفرة تحول ومخاض في اتجاه المجهول وتأزم اﻷوضاع على أكثر من صعيد، وبات الصراع الدموي أحيانا سيد الموقف بين اﻷنظمة المتآكلة والمتهاوية وبين التنظيمات ومجموعات الثوار الجدد في غياب أي تنسيق وتوافق بين هؤﻻء، أدى إلى تعقد المشهد السياسي وترشح الأوضاع إلى مزيد من الانفجارات تناحرا عن السلطة.

وقد كشفت سلسلة اﻷحداث المتلاحقة، للعالم أجمع، عن مدى ديكتاتورية هذه اﻷنظمة، وتغلغل آثارها في كل المؤسسات، أنظمة تستبد بخيرات الشعوب وتجند كل الوسائل لتعميق جذورها وإبادة كل من يحاول مواجهتها، حتى ولو كان شعبا برمته مثال سوريا حتى اﻵن.

بيد أن غياب أي تنسيق محكم ومعقلن بين آليات هذه الثورات، بفعل سياسة التهميش والتفريق بين مكونات المجتمع الواحد، جعلت منه القوى اﻷجنبية، اﻷمريكية والصهيونية تحديدا، مدخلا إلى بسط نفوذها والحفاظ على مصالحها داخل هذه الدول واتخاذها سوقا رائجة لمبيعات أسلحتها، بل طورت آلية ظهرت جديدة للانقضاض على مسارات هذه الثورات وتحويلها إلى هاجس أمني يقض مضجع المواطنين، من أبرز تجليات الوضع الأمني ظهور مجموعات إجرامية وإرهابية تتلون تارة بالبلطجية المدعمة، في الخفاء من قبل الحكام، واﻹجرامية الصرفة التي تشتغل لحساب أجندة حرة أو أجنبية تارة أخرى.

وقد حرصت هذه القوى الغربية على وأد جنين هذه الثورات، وتوليد انطباع لدى الرأي العام الدولي بانعدام الوعي الثوري الجماعي لدى الشعوب العربية وبالتالي ضعف تأهيلها لصنع الأحداث، وهي سياسة تهدف، في العمق، إلى الحيلولة دون تكرار الثورة الخمينية "الثورة اﻹيرانية"، "الثورة الإسلامية" التي زلزلت حسابات اﻻستخبارات اﻻجنبية حينها، حتى غدت اﻵن في مرمى كل سياسة خارجية للقوى العظمى، إلى درجة ضرب كل خلية إسلامية مسلحة أو تنظيم شبيه لها في هذه الدولة أو أخرى، تحت ذريعة أن وجودها تهديد لمصالحها.

بيد أن أفظع اﻷخطاء التي وقعت فيها السياسة الغربية في دحضها لهذه الثورات إقدامها على خلق خلايا وتنظيمات إسلامية مسلحة سرية تعمل بتوجيه منها لتجريبها في تأجيج "الثورات" وزعزعة استقرار نظام ما بديلا للقوات النظامية التقليدية كما جرى الحال في أفغانستان والعراق. وقد تؤدي هذه الحرب بالوكالة إلى فقدان التحكم في زمامها فيغدو المشهد جد معقد وبالتالي استحالة تقييم الوضع الميداني والسياسي لثورة ما، وسوريا أقرب مثال. ولا غرو أن تكون هذه المجموعات اﻹسلامية المسلحة المدعمة من الخارج "مثال داعش" هي اﻷخرى، تبحث لنفسها عن تموضع داخل هذه الرقعة الملتهبة والقاتمة.

كل هذه العناصر الفاعلة، مجتمعة، أتت على روح المواطنة وحولتها إلى مجرد شكل من أشكال تأسيس صيغ الدساتير والقوانين العربية الفارغة من كل مدلول. على أن أبرز المؤشرات التي خلفها هذا الحراك العربي حتى اﻵن اغتصاب السلطة، وتحت أقنعة عديدة سقطت في اﻷخير، من هؤلاء الحكام داخل مجتمعات تشهد اﻷرقام والتقارير على احتلالها لمراتب جد متقدمة في التخلف عامة، واﻷمية والجهل والمرض خاصة حتى غدت، هذه المجتمعات، بمنظور المعايير الغربية السائدة، عنصر إعاقة لكل تنمية، بل ولدت لدى المجتمع الغربي نفسه فوبيا جديدة Arab Phobia فالعنصر العربي المسلم مرفوض بالمطلق داخل شريحة واسعة من الثقافة الغربية.

وحتى يتسنى لنا استشراف المستقبل في ظل المتغيرات الراهنة، وأخذا في اﻻعتبار تبعات اﻷزمة اﻻقتصادية العالمية، وارتفاع نسب العطالة واختلال المناخات الجوية وما يستتبعها من تراجع في المحاصيل الفلاحية من جهة، والسباق النووي المحموم حاليا، إلى جانب تعاظم مخزون اﻷسلحة الفتاكة من جهة ثانية، في ظل كل هذه المؤشرات لا نملك الا أن يأخذنا إحساس بالتشاؤم والقتامة في تصور اﻵفاق المستقبلية لنخلص في اﻷخير إلى أن الإنسان العربي خاصة، مقبل على مزيد من الكوارث واﻷزمات والتمزقات التي قد تسرع من وتيرة تشرذمه عبر دويلات وتنظيمات سرية وعلنية موغلة في الدموية.

عبد اللطيف مجدوبMorocco

باحث في علم الاجتماع مفتش ومنسق مركزي سابقا بوزارة التربية الوطنية بالمغرب

Copyright © 2014 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك