سيجارة واحدة وأقلعت التدخين

بقلم/
مصر : ۱۹-۹-۲۰۱٤ - ۱۰:۵۱ م - نشر

منذ فترة ليست بالبعيدة، كنت بصدد القيام بالإجراءات اللازمة للإلتحاق بإحدى الجامعات المغربية لإستكمال تعليمي، ولأن الدهر الذي خصص للتسجيل في تلك الجامعة كان قد ولىّ ولكوني مغربي كنت أحاول الإلتحاق بمؤسسة مغربية يقوم مغاربة بالإشراف عليها، ولأن أبي لم يكن صديق فلان إن صح التعبير، فقد كان من الطبيعي أن يتم رفضي ويرمى بطلبي عرض الحائط.

ولأنه كان للموضوع علاقة بدراستي وبالتالي بمستقبلي، فقد كان من البديهي أن أتأثر بشكل غير مسبوق وكان الأمر بمثابة منعطف حاد سلكته حياتي فرحت أتخبط في الجدران الواحد تلو الآخر.

توالت الأيام وبقي الحال على ما هو عليه بل وإزداد سوءا فرحت أجلس وحيدا وأسهر إلى ما بعد منتصف الليل وأكثر في شرب القهوة وما إلى ذلك، وبدأت أفكر في فعل أشياء لم أعتقد أني سأفكر فيها يوما، أشياء من قبيل التدخين، ولشدة غبائي أعطيت لنفسي -دون قصد- الوقت الكافي للتفكير في الأمر، إلى أن أخذت الفكرة مكانتها داخل العقل، فرحت أؤجل الأمر من وقت لآخر وصولا لتلك الليلة، وقتها كنت جالسا على ضفة النهر، فبدأ همس يدغدغ دماغي، وفي لحظة ضعف تمكن مني، فتسللت من طريق لآخر وصولا لبائع السجائر، ذلك الذي سبق لي أن سألته إن كان يدخن وأجابني محركا رأسه يمينا ثم شمالا مشيرا إلى أن شفتاه لم يسبق لها أن لامستا سيجارة، فطلبت منه ماركة معينة من السجائر وأعطاني سيجارتين وناولته درهمين، بخطا سريعة إبتعدت عنه وكأني بصدد السطو على بنك من بنوك مدينة العروي الفارغة، إلى أن إحتضنني الظلام عائدا إلى ضفة النهر.

أخذت مكاني وسحبت ولاعة من جيبي ثم وضعت سيجارة في فمي وبدأت أقترب بالولاعة بإتجاه حافتها إلى أن لامستها، وتوقفت للحظة لأفكر في الأمر ماليا، ثم سمعت ذاك الهمس من جديد يتلاعب بأفكاري، ويخبرني بأنها مجرد سيجارة واحدة ليس إلا، وأنها لن تنقص لي من شيئ، بل بالعكس ستضيف لي عنصر التجربة وهو ما كنت أفتقده وقتها، لم أستطع أن أقاوم، فأسكت ذاك الهمس، وأدرت عجلة الولاعة، كأني أدرت عجلة الزمن إلى الأمام بسرعة تعادل سبع ساعات.

رحت أستنشق الدخان وأنفخه في الهواء، وكأني كنت أستنشق لحظات من عمري وأنفخها على شكل دقائق وساعات، لا أنكر أني وجدت الإمساك بالسيجارة في يدي جذاجا، لكن طعمها كان سيئا ورائحتها كانت كريهة، تلك الرائحة التي بقيت إلى ما بعد إنتهائي من السيجارة، فكانت في كل الأرجاء على يداي، في فمي، حولي، وأنا متأكد أنني كنت بنفس الرائحة من الداخل… فإنهالت علي الأسئلة من كل مكان:

ماذا الآن؟ هل إلتحقت بالجامعة؟،هل أفادتك السيجارة في شيء غير تضييع سبع ساعات من عمرك؟ والأمراض التي قد تنتج عن ذلك،و السبع دقائق التي إستغرقتها لتدخن تلك السيجارة اللعينة والدرهمان الذان أعطيتهما لبائع السجائر؟

سحبت السيجارة الباقية في جيبي، وعاهدت نفسي بأني سأقلع عن التدخين إلى الأبد، وفركتها بين يدي ورميتها بعيدا.

سبع ساعات من حياتي ضاعت في سبع دقائق بفضل سيجارة كريهة، سبع ساعات كنت لأجلس فيها مع عائلتي، ولألعب فيها كرة القدم مع أصدقائي، ولأزور فيها جدي، سبع ساعات كنت سأصلي فيها وأشكر ربي على صحتي.

يوسف أديبيMorocco, Al-Hoceima

Copyright © 2014 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

M. Alaadin A. Morsy, Ph.D.

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك