عندما يفتك بنا الحنين

بقلم/
مصر : ۸-۹-۲۰۱٤ - ٤:٤۲ م - نشر

sandrinoطالَ الشـَّتاتُ وعافت خطونا المـُدُنُ.. وأنتَ تـُمعـِنُ بـُعداً أيها الوطنُ

إرجع قريتك إن قبراً وإن سـَكـَناً.. فدونك الأرض لا قبرٌ ولا سكنُ

تذكرت هذه الأبيات الموحية والمعبـِّرة للشاعر الفلسطيني الكبير مريد البرغوثي عندما إلتقيت بعد غياب طويل بالصديق النيكاراغوي إرنستو رودريغيس الذي يـُعبـِّر بإمتياز عن حالة المنفي عن وطنه.

ذات يوم أخذني صديق كردي إلى مقهى ساندينو Sandino نسبة الى قائد الثورة الأولى في نيكاراغوا أوغستو سيزار ساندينو [١٨٩٥-١٩٣٤] أحد زعماء السكان الأصليين الذي قاد ثورة مسلحة ضد الولايات المتحدة استمرت عشر سنوات [١٩٢٤-١٩٣٤] معتمداً فقط على أبناء شعبه من الفلاحين وصيادي الأسماك البسطاء، في هـِسلهولمن.

وعندما عرف إرنستو أنني فلسطيني عانقني بحرارة، وأصرَّ على أن يدعوني للعشاء في بيته.. ومنذ ذلك اللقاء الأول نشأت بيننا صداقة سرعان ما توطدت أواصرها.

كنتُ حين أزوره مع بضعة الأصدقاء في مقهاه في هـِسلهولمن، يترك ما بين يديه ويبدأ في الرقص، ويبدأ رواد المقهى في التصفيق والصفير والضحك، كان رجلاً سمحاً حلو المعشر وصاحب نكتة بإمتياز، وخاصة حين يبدأ في تقليد زبائنه من السويديين، وبالتحديد أبناء الطبقة العمالية منهم.

قبل الإنتقال إلى هـِسلهولمن كنتُ شديد الولع بالمنطقة، وأحب زيارتها وخاصة في نهاية الاسبوع، حيث يتحول سوقها الشعبي إلى مهرجان يرتاده الناس من كل الجنسيات والأعراق.

في تلك الأمسية انتقل بنا الحديث و"الحديث ذو شجون" من الوضع في أمريكا اللاتينية، والأدب والشعر والفلسفة وتاريخ الحضارات، الى الدور الذي تلعبه الكنيسة في النضال اليومي للجماهير في أمريكا اللاتينية. وأمضينا الليل بطوله ونحن نتحدث عن المنفى وفلسطين ونيكاراغوا ولاهوت التحرير.

كان إرنستو رودريغس من ذلك النوع من البشر الذين لا مكان في دفاترهم للون الرمادي، إذا أحبوا شخصاً عبدوه، وإذا كرهوه بغضوه، كان بسيطاً يحب قراءة الشعر، ويدمن الحديث في السياسة. جاء إلى السويد في وقت كانت فيه نيكاراغوا ترزح مختنقة تحت قسوة وفظاظة الطغمة العسكرية المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية، وحين وصلها لاجئاً فقيراً وقع في غرامها، ولم يتركها إلى وطنه ثانية، حتى بعد أن انزاح عنها الكابوس.

كان يقول لي أن هسلهولمن هي وطنه الذي ظل محروماً منه، وحلمه الذي كان يحمله في قلبه خشية أن يراه رجال أناستاسيو سوموزا، بدأ حياته فيها عاملاً في المقهى نفسه الذي صار يملكه فيما بعد، كان صاحب المقهى نيكاراغوياً مثله، وبعد سنوات من العمل معه تزوج بابنته، ثم حين وافت المنية العجوز صار المقهى ملكه وزوجته.

جاء وقت انقطعت فيه عن زيارة إرنستو، واستمر غيابي سنوات في غوثنبيرغ، وعندما عدت إلى بوروس، قررت أن أزور إرنستو، وأرى ما طرأ عليه من تغيير.

حين دخلت المقهى، رأيته في مكانه المعتاد، واقفاً أمام آلة صنع القهوة. لم تبقَ في رأسه شعرة سوداء، وعلى عينيه وضع نظارة طبية، حين وقفت أمامه، وجاءت العين في العين، إبتسم ورفع يديه ووجهه عالياً نحو السقف ثم قال: إلهي يا إلهي، لماذا تفعل بي هذا.. ثم نظر إليَّ وقال: مرحباً أيها الغريب.

غادر مكانه واتجه نحوي محتضناً ومعانقاً، طلب من أحد الجرسونات أن يأخذ مكانه، وأخذني من يدي نحو أقرب منضدة متاحة، وطلب لنا فنجانين من القهوة.

سألني عن أحوالي، وسألني عن بقية الأصدقاء، وأحوالهم. ودخلنا في حديث طويل طال كل شيء، ثم قال لي: هل تعرف أنني بعد شهر سأغادر السويد إلى الأبد؟

قلت له أنني غير مصدق لما سمعت، لأنه ليس من السهل على إرنستو أن يغادر حلمه وإلى الأبد، زفر إرنستو بعمق، وقال أنه لم يكن يتوقع أن يكون في أي يوم من الأيام "فريسة سهلة للحنين". قال إنه اكتشف خلال السنوات الأخيرة أن ثمة شيئاً قوياً نبت في قلبه فجأة، وبدأ كالنباتات المتسلقة يزداد ارتفاعاً، ويأخذ بمجامع قلبه وعقله، وأنه في بادئ الأمر ظنَّ أن ذلك الاحساس مُجرد أمر عارض، سرعان ما يزول كالزكام. إلا أن ذلك لم يحدث، بل ازداد شدة وقوة، حتى شعر أنه يقوده نحو الجنون.

قال لي وهو يداري دمعة: "عبد القادر، السويد لم تـَعـُد السويد.. وإرنستو لم يعد ذلك الشـَّاب المأخوذ بالغرابة، المسحور بالغربة، أريد أن أعود إلى نيكاراغوا كي ألملم بقايا طفولتي المبعثرة، وأفتش في حناياها عن جذوتي، السويد لم تعد متسامحة عطوفة على الغرباء واللاجئين من أمثالي وأمثالك.. ولم تعـُد وطناً لمن لا يجد وطناً يؤويه، السويد اليوم غير السويد التي عرفت وأحببت وعشقت وآوتني حينما جئتها شاباً لاجئاً فقيراً، السويد هذه لا تراني إلا عبر كاميرات الأمن المزروعة في كل شارع ومقهى وحانة ومطعم ومتجر".

قلت له أنني لا أعتقد أن السويد وما حدث لها هي السبب في القرار الذي إتخذه بالرحيل، وأنني واثق أن الحنين إلى نيكاراغوا هو الذي جعله يقرر أن يبيع المقهى والرحيل. "لقد إعتراك التعب يا إرنستو، ومن حقك أن ترتاح قليلاً، وتـُجدد طفولتك وصباك وشبابك…".

نظر إليّ بعينين من خلف عدستي نظارته، وأذكر أنني لمحت الدموع في عينيه. لم أجد ما أقول، وسكتَ هو مدارياً عينيه في السقف.

طلب فنجانين من القهوة وسألني عما إذا كنت قد مررت يوماً بما يشعر به هو الآن، إلا أنه لم يمنحني الفرصة للرَّد، قال: "أعترف أنني حققت في حياتي ما كنت أريد تحقيقه، وأعتقد أن عودتي الآن إلى نيكاراغوا بمثابة اعتراف بأن ساعة فراقي لهذه الدنيا قد حانت.. ألا تذكر قول أوكتافيو باث: "من تعب من المكسيك فقد تعب من الحياة..".

وبعد؛ أعلم أن إرنستو لم يتعب من السويد بل، مثل غيره من الغرباء، فتك به الحنين. لكن من يقنع إرنستو أن نيكاراغوا التي يحنّ للعودة إليها قد ابتلعها الزمن دون مضغ، كما ابتلع شبابه، ولم يعد لها وجود إلا في قلبه ومخيلته…؟

د. عبد القادر حسين ياسينSweden, Jönköping

كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد

Copyright © 2014 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك