الإنتماء للمضطهدين

بقلم/
مصر : ۲-۹-۲۰۱٤ - ۱۲:۲۰ م - نشر

Hassleholmenهـِسلهولمن Hässleholmen ضاحية من ضواحي مدينة بوروس Borås حيث احتلت في الشهر الماضي مكان الصدارة في أجهزة الأعلام السويدية عندما شهدت اضطرابات وتصادمات بين سكان الضاحية والشرطة السويدية، وتعيش في هـِسلهولمن أغلبية من المهاجرين الصرب والبوسنيين واليونانيين والإيرانيين والفلسطينيين واللبنانيين والأكراد وأقلية من الشباب السويديين العاطلين عن العمل أو ذوي الاتجاهات السياسية التقدمية.

ولا أغالي إذا قلت إنني، قبل أن أنتقل إلى هـِسلهولمن، كنتُ اشعر بنوع من الانتماء لهذا المكان، ذلك أنه يذكرني دائما بانتمائي إلى المخيم الفلسطيني، سواء كان ذلك في مخيم النويعمة في أريحا، أو مخيم الوحدات القريب من عمان، أو مخيم برج البراجنة حيث أقمتُ في مطلع الثمانينات من القرن الماضي.

في هـِسلهولمن أستيقظ، في عطلة نهاية الأسبوع، على أصوات الأطفال الأكراد خلف شباك غرفتي وهم يلعبون بصخب مـُحبب إلى قلبي منذ أيام المخيم.

وفي الساحة الرئيسية التي تزدحم بالبسطاء أستطيع سماع الموسيقى بصخب مُحبب أيضا إلى ذاكرتي كما كنت أسمعه من أجهزة التسجيل في "الحسبة" في مخيم الوحدات.

في هـِسلهولمن يـُلقي جاري السويدي العجوز عليَّ تحية الصباح، رغم أنني لا أعرف إسمه ولا يعرف إسمي. في هذه الضاحية في "بلد الرفاه" يسرق الناس لأنهم فقراء، وعاطلون عن العمل، كما يـَسرق الآخرون غيرهم في العديد من دول العالم الثالث.

إلى شباك غرفتي يطيرُ عصفور دوري كل صباح، ينقر زجاج النافذة، فأنهض لأفتحها، فأتذكر "عريشة العنب" في مخيم النويعمة.

وفي هـِسلهولمن تعوي كلابٌ لم يدجنها الطعام المعلب "الخالي من الكولسترول" لكي "تحافظ الكلاب على رشاقتها ".

ان هـِسلهولمن الفقيرة السعيدة التي اشتري من سوقها النعناع، والفجل، والبقدونس، والبصل الأخضر "المستورد خصيصاً من تركيا"، تصبح "مـُخيما فلسطينياً" في لحظات الوَجد والشعور بقسوة المنفى في هذه الأصقاع الشمالية المتجمدة.

في هـِسلهولمن ثمة أناس يشبهون وجهي، صاخبون، ينفعلون بلا حياء، يقفون في زوايا الحارات و"الزواريب"، كما يفعل سكان الأرياف في بلادنا، يناقشون أمورهم الحياتية… يشكون ارتفاع الضرائب أو تضخم الأسعار، أو يتحدثون عن الأحبة في الوطن البعيد.

إن تداخل صورة هـِسلهولمن مع صورة المخيم لن تصل إلى حد التطابق حتماً، وإن وصلت فهذا يعني أن الشعور بالمنفى قد محق، وهذا أمر مستحيل.

لكن في المنفى ألا نقوم حقا بعملية واعية، ولا واعية في الوقت نفسه، لإيجاد صورة متميزة لمنفانا لا تشبه المكان الذي نعيش فيه، حيث نقوم باقتطاع حيـّز من البلد المنفي، ونبنيه على أساس صورة الوطن البعيد الذي نشتاق إليه؟

إذن؛ هل كان انفعالي "العدواني؟" الذي لم يترك للتسامح مطرحاً ضد تلك المرأة الكردية التي قالت لي قبل عامين أنها لا تذهب إلى هـِسلهولمن لأنها "منطقة وسخة تضم حـُثالة الناس".. هو انفعال ضد موقفها من صورة الوطن البعيد الذي أحب واشتاق إليه؟

بعد مرور سنوات في هذه الأصقاع الشمالية أعتقد أن المنفيين هم أشد الناس حرصا على تميزهم، وأقلهم قدرة على التسامح.

بل على العكس؛ إنهم يقومون بعملية واعية لدفع الأمور إلى التوتر وصقل حساسيتهم في منفاهم، لدرجة تصبح فيها قابلة للضجيج عند أي احتكاك معارض للصورة التي ينسجونها لأنفسهم.

ولكن أليست تلك المرأة الكردية صورة أخرى للمنفية عن وطنها؟

إذا كان الأمر كذلك، فهل موقفها ذلك يعني أنها اقتطعت حيزاً من السويد ليس فقط لا يشبه الحيز الذي اقتطعته أنا وإنما يتناحر معه إلى حد العداء؟ ربما يكون كل ذلك صحيحا.

وثمة قدر كبير من الصحة في أننا غالبا ما نكون ضحايا وسائل الإعلام والأفكار التي تقدم إلينا يوميا في الصحافة والإذاعة والتلفزيون.

ربما تكون تلك المراة الكردية ضحية لكل هذا، وربما تكون هـِسلهولمن الضحية الأولى التي تـُقتل يوميا، كما أن المخيم الفلسطيني ضحية العصر بامتياز.. ولكن ألا يكون الانتماء أعمق وأقوى وأكثر عذوبة حينما يكون الأمر متعلقا بالانتماء للمضطهـَدين "بفتح الهاء"؟

د. عبد القادر حسين ياسينSweden, Västra Götaland

كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد

Copyright © 2014 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

تعليق واحد

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك