عيدٌ بأيـَّة حالٍ عـُدتَ يا عيدُ؟

د. عبد القادر حسين ياسين
مصر : ۲۸-۷-۲۰۱٤ - ۱۲:۲٤ م - نشر

كل عام وأنت بخير.. عبارة تهنئة يتبادلها الناس في مثل هذا اليوم، عيد الفطر المبارك، في كل بلاد المسلمين، من طنجة الى جاكارتا.. في كل بلاد المسلمين إلا في فلسطين.. إنَّ العيد هذه المرة مختلف تماما.. إنه أقرب الى مأتم كبير.. عندما يستيقظ أطفال غزة صباح العيد لن يجدوا بهجة الملابس الجديدة و"المعمول" والعيدية، ومتعة التنزه على الشاطئ.. لن يجدوا إلا الأشلاء والحطام وأصوات الانفجارات المرعبة وشبح الموت الأسود يلاحق أرواحهم الغضة.

في بلادنا لا يقول الناس "كل عام وأنت بخير" أو "كل سنة وأنت طيب" أو "عساكم من عـُوَّاده"، بل "كل سنة وأنت سالم".. "كل سنة وأنت سالم"… وكأن الكلمة تشي بواقع الحال الذي يـُغني عن السؤال: فالفلسطيني إن سلم من رصاص مستوطن صهيوني فهو سالم.. وإن تمكن من الهرب من بيته قبل أن تهدمه الجرافات الإسرائيلية فهو سالم.. وإن أخطأته مروحيات "الأباشي" فهو سالم.

ومن بقي "سالما" من الفلسطينيين في الوطن، المحتل سيتوضأ بماء سَرَقـَت إسرائيل أكثر من نصفه.. وعندما يذهب إلى المسجد الأقصى لصلاة العيد، هذا بالطبع اذا كان محظوظا واستجاب الله لدعائه وسـَمـَحَ له الجنود الاسرائيليون بالوصول الى المسجد، سيُردد مع حادي المأساة العربية، أبوالطيب المتنبي، وهو في طريقه الى الشام، بعد أن خذله كافور الأخشيدي:

عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ *** بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيكَ تجـْديدُ

أمّا الأحِبّةُ فالبـَيـْداءُ دونَهـُمُ *** فَلـَيتَ دونـَكَ بِيداً دونَهَا بـِيدُ

وسـَيـُرَدّد "آمين" بعد إمام المسجد، حين يدعو الله أن "يـَمحَق" المُحتلين، و"يـُزلزل" الأرض تحت أقدامهم، و"يـُزيل" الغمـَّة.. و"يجمع كلمة الأمـَّة"، و"يـُحرر" الأقصى من رجس اليهود.

لم يعد ثمة داع لزيارة البيوت ل"التهنئة" بالعيد.. فالكل يلتقي "هـُناك".. و"هـُناك" لا بـُدَّ أن يكون لكل فلسطيني: أب، أو أم، أو إبن، أو إبنة، أو خال ،أو خالة، أو عمّ، أو عمـّة، ، أو جدّ، أو حفيد.. فالرصاص الإسرائيلي لم يـَعـُد يـُفرِّق بين مقاوم وقائم للصلاة.. أو بين حقيبة تلميذة في الصف الثالث الابتدائي وحقيبة متفجرات.

"هـُناك" في المقابر الفلسطينية عيد من نوع آخر.. اعتاد عليه الفلسطينيون في الوطن المحتل: توزيع الكعك بالتمر على أرواح الشهداء، والقهوة السادة بطعم مرارة فقدانهم، ورائحة "الهيل" تـُذكر برائحة دمهم، حيث أريق على مقعد مدرسة، أو رصيف شارع، أو تحت سقف كان يعجّ يوما بالحياة، وصراخ الأطفال الشهداء.

في مثل هذا اليوم لن يحتاج الفلسطينيون إلى "خروف العيد" كوجبة دسمة، ذلك أنهم برسم الذبح في عالم عربي أدار لهـُم ظهره منذ ٦٦ عاماً.

زَمان.. زَمان.. كانت شوارع المُدن والقـُرى الفلسطينية، و"زواريب" المخيمات، تمتلئ بحظائر الخراف في يوم العيد.. حظائر مـُتحركة لأيام معدودات. وفي صبيحة يوم العيد تفوح رائحة اللحم الذي "ثلثاه للفقراء، وثلثه من أجل أهل البيت". قسمة عادلة.. يأكل الجميع هنيئا مريئا.

تتزاحم قطع اللحم في المرق، وفوق الأرز الأبيض أو الأصفر حبات الصنوبر تزيد الطعام لذة.. وان لم يتوفر فحبـَّات الفستـُق الأبيض المقشور تفي بالغـَرض. ففي حضرة اللحم البلدي، لم نكن نعرف آنذاك، اللحم البلغاري المـُجمـَّد، ولا لحوم الأضاحي التي يـَتـَصـَدَّق بها "المُحسنون" على البؤساء من أمثالنا يـُصبح ما عداه هامشيا. ثلاثة أيام وينتهي العيد وتختفي الخراف، وقطع اللحم المجانية، ويعود الفقراء الى فقرهم، والبؤساء الى بؤسهم، ويعود الثلث الى غناهم.

أفواه تـُواصل رحلة البحث عن اللحم في ثلاجات يابانية ضخمة.. هذا فخذ خروف كان يركض يوما في سهوب أوستراليا أو مراعي الأرجنتين، وهذا صدرٌ كان يَستنشق ذات يوم الهواء العليل في مروج بلغاريا، وتلك قطعة "ستيك" من بقرة هندية كانت تروي عطشها من مياه "الغانج" المُقدَّس.

هل يتجمد الطعم ويختفي المذاق في الرحلة داخل الشاحنة الثلاجة من الوطن الأم الى بطون الجائعين؟ وهل تظل البروتينات محافظة على خصائصها بعد كل هذا الصقيع؟ هذه أسئلة مُحرَّمة على الثـُلثين الذين لا يجدون قوت يومهم.

كنتُ لا أعرف طعماً للحم إلا في الأعياد، وكان من قبيل "التـَرَف الفكري" أن أسأل عن سنة صـُنع اللحم المعلـَّب أو انتهاء صلاحيته، في صبيحة يوم العيد كانت والدتي تبعث بي إلى "أبي خليل"، صاحب ملحمة "السـَّعادة" في المخيم، لكي أشتري أوقية لحمة، وكانت تـُصر أن أرجوه وأتوسل اليه بأن "يتوصـَّى" وأن يـُعطيني بعض "السـَقـَط" أي بقايا اللحم الذي كان أبو خليل يـُلقي به إلى الكلاب الضالـَّة في المخيم، وأن أبلغه تحياتها.

وكانت النساء مِمَّن كـُنَّ ينتظرن دورهن لكي يـَجودُ عليهن أبو خليل ببعض "السَقط" يـُذكرن أبا خليل بأن الله "سيبني له قصراً في الجنة" لانه "يـَعطف" على الأيتام والأرامل، كانت تلك أسئلة "جوهرية".

وغنيّ عن البيان أنها بدائية إذا ما قيست بتلك الأسئلة التي يطرحها بعض المـُترفين عن كمية "الكوليسترول" في الغرام الواحد وعن الدقائق اللازمة للطبخ في "الميكروويف" أو على الفحم في حفلات "الباربكيو".

زمان.. زمان.. كان الفلسطينيون فئات اجتماعية وطبقية، أغنياء وفقراء، فلاحون وأهل مُدن، مُوظفون وعـُمـَّال.. أما اليوم فقد اختفت كل الحدود الفاصلة بينهم، فهم إما مشاريع شـُهداء أو شهود على مذابح ترتكب بدم بارد. وهم إما ضحايا على موائد الطعام أو أهداف للمدافع الاسرائيلية.

منذ ٤٧ عاما والعيد ممنوع من الدخول إلى فلسطين، ذلك أن المآسي اليومية التي يعيشها شعبنا الفلسطيني تحت الاحتلال لم تترك معبراً للأعياد، ولو نحو الأطفال، يجد الفلسطينيون أنفسهم مـُحاصرين بآلامهم، بهمومهم، مـُحاصرين حتى في لقمة العيش، فالموظفون بدون رواتب، والحياة مشلولة، وحكومة لا تعرف ماذا تفعل، و"رئيسٌ" يتخـًبـَّط.

كل سنة وأنت سالم.. فان سلم الفلسطيني هذه السنة، فانه لا يضمن أن يَسلم من بطش العدو الصهيوني في السنة المقبلة.. عدو أثبت لكل من يعنيه الأمر أن السَّلام لا يعنيه على الاطلاق… وأن العدل ن بالنسبة له، لا يعني سوى موت الآخر.

وكل سنة وأنتم سالمون.

د. عبد القادر حسين ياسين Sweden, Västra Götaland

كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد

Copyright © 2014 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك