في ذكرى ميلاد نيلسون مانديلا ١٨ يوليو ١٩١٨

عصام بن الشيخ
مصر : ۱۸-۷-۲۰۱٤ - ۱:۲۳ م - نشر

دروس التجربة النضالية لروهيلاهلا "مثير الرعب" في قلب العنصرية.. حول السيرة الذاتية للزعيم الجنوب أفريقي "نيلسون مانديلا"..

شهدت أسوار المكتبات الالكترونية العربية، نشر كتب ثقافية هامة عن حياة الزعيم الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا Nelson Mandela، أو كما هو اسمه الحقيقيّ "روهيلاهلا"، قاهر العنصرية، يتمّ تداولها في أوساط مجتمع قرّاء النت في ذكرى ميلاده يوم ١٨ يوليو ١٩١٨، عبر مختلف شبكات التواصل الاجتماعيّ، حيث تتمثّل تجربة مانديلا النضالية كرواية نموذجية أبدية لرجل قاوم العنصرية الكولونيالية وانتصر عليها، وأصبح أبا للشعب الجنوب أفريقي.

"أخي الأبيض العزيز.. عندما وُلِدتُ، كنتَ أسودَ… عندما كبرتُ، كنتُ أسودَ… عندما أكونُ تحت الشمس، أكونُ أسودَ.. عندما أمرضُ، أكونُ أسودَ… عندما أموتُ، سأكونُ أسودَ. لكنكَ أنتَ أيها الإنسان الأبيضُ.. عندما وُلدتَ، كنتَ وردياً.. عندما كبرتَ، كنتَ أبيضَ… عندما تذهبُ إلى الشمس، تكونُ أحمرَ.. عندما تبردُ، تكونُ أزرقَ.. عندما تخافُ، تكونُ أخضرَ.. عندما تمرضُ، تكونُ أصفرَ.. عندما تموتُ، ستكونُ رمادياً. فأيُّنا إذن، الإنسان الملونُ؟"

هكذا خاطب الرئيس السنغالي الراحل، الشاعر والحقوقيّ الكبير، ليوبولد سيدار سنغور Léopold Sédar Senghor، ٩ أكتوبر ١٩٠٦–٢٠ ديسمبر ٢٠٠١، الرجل الأبيض الاستعماريّ المجهول في تلك القصيدة التي اتخذت شعارا للألعاب الأولمبية ضدّ العنصرية، في معرض دفاعه عن الزنوجة المقهورة، في رحلة النضال رفقة المفكّر الجزائري الراحل فرانز فانون Frantz Fanon، ٢٠ جويلية ١٩٢٥–٦ دسمبر ١٩٦١، والشاعر والسياسيّ الفرنسيّ ايميه سيزار Aimé Cesaire ٢٦ جوان ١٩١٣–١٧ أفريل ٢٠٠٨، حيث أسّس الثلاثة، حركة الزنوجة العالمية، وحوّلوا الانتماء إلى العرق الزنجي، إلى حركة اجتماعية وظاهرة ثقافية عالمية، ومبادرة سياسية تاريخية تعتبر الزنوجة "مصدرا للافتخار"، على الرغم من أنّ السياق التاريخيّ لستينيات وسبعينيات القرن الماضي، عرف استمرار لقوانين العبودية التي كرّستها ممارسات قوى الاستعمار القديم في عدّة دول عبر العالم، من بينها الدول المتقدّمة التي كانت تنتهج خيار التمييز العنصريّ، وتدعم ممارسات نظام الأبارتايد في جنوب إفريقيا، والنظام العنصريّ الصهيونيّ وما يمارسه من تمييز عنصريّ ضدّ الفلسطينيين في فلسطين المحتلة.

في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، كان يكتب على واجهات المطاعم والفنادق في دول أوروبا الغربية: "ممنوع دخول الكلاب، واليهود، والعرب، والزنوج"، فحين يجد كلّ هؤلاء أنفسهم، في مرتبة أدنى بسبب إنتمائهم، فلا سبيل لهم سوى التمسّك بهويتهم، والاعتماد على انتمائهم للدفاع عن حقوقهم وخياراتهم وبدائلهم في تأسيس حياتهم وبناء حضاراتهم.

فكرة تصوير حياة روهيلاهلا.. تجربة طفل مفتخر بانتمائه نشرت دار هنداوي المصرية مجلة مصوّرة عن السيرة الذاتية لنيلسون مانديلا، تصوّر حياته ومراحل نضاله وسنوات سجنه الطويلة التي تجاوزت ٢٧ عاما من الاعتقال في السجون، وتمّ سردها باستخدام الصور على طريقة مجلات تان تان وميكي الغربية، التي كانت تعرف رواجا كبيرا في عالمنا العربي في الماضي، وكانت تستهدف فئتي الأطفال والشباب، على الرغم من أنّها تستهوي فئة الكهول أيضا، وتعتبر هذه القصة ترجمة وتصويرا للسيرة الذاتية لمانديلا كما تصوّرها الكاتب والرسّام الأمريكيّ لويس هيلفاند، الذي يحمل دبلوما في العلوم السياسية أيضا، والتزم فيها هذا الرسام البارع بتصوير دقائق وتفاصيل أبرز المواقف التي امتحن فيها صبره على المحن والتعسّف والإبعاد والأعمال الشاقة.

ولد روهيلاهلا مانديلا وسط عشيرة ماديبا في قرية كونو، التي تنتمي إلى أمّة خوسا في ١٨ من يوليو سنة ١٩١٨، وكان والده جادلا هنري مفاكانيسو زعيما في عشيرته وخطيبا مفوّها، وقد عيّن مستشارا للملوك رغم أمّيته، وقد تنبّأ لإبنه روهيلاهلا أن يكون زعيما في بلده يوما ما، غير أنّ استدعاء من القاضي الأبيض وغيابا لوالد مانديلا عن تلبية دعوة القاضي، كانت سببا في حرمان ماكفانيسو من ثرواته، وتجريده من امتيازات منصبه الرسمي، وطرده من أرضه، جعلت والده يحمل هموما أربع زوجات وإثنى عشر ابنا وابنة.

اختارت والدة مانديلا نوسيكيني فاني ترك ابنها وأخته مافيزو والعودة إلى عائلتها في قرية كونو، التي تبعد ٤٨ كيلوميترا، ولدرجة صعوبة الحياة في كونو وتكلفة رعاية مانديلا لإخوته، كان مانديلا يرى والدته مرة كل شهر فقط، وكان حلب الأبقار وتحضير الغداء والعشاء جزء من مهامه الشاقة، يسكن منزلا بين ثلاثة أكواخ، أحدها مخصّص لحفظ الطعام، لكنّه رغم صعوبات الحياة كان يرى فيها طفولة جميلة، فقد كان مستمعا جيّدا للقصص التي ترويها أمّه عن أساطير شعب خوسا، ويحوّلها والده إلى روايات بطولية عن مقاومة أهل خوسا للبريطانيين الذين أرادوا استعمار الأرض منذ عقود، حيث لا يفقد أهل خوسا الأمل قطّ، حتى لو انهزموا في قتال بسيط بالعصا، حيث يكون النصر بالشرف والرحمة والحكمة ممكنا، كما هو النصر بالقوة تماما، كما تعلّم أنّ أهل عشيرة خوسا لا يهينون المنهزم، ويساعدون الخصم على النهوض، تماما كما يحدث بينهم في قتالات الفرجة في القرية.

التعلّم.. هدية السماء لطفل كونو.. انتقلت عائلة منديلا من كونو إلى قرية أمامفينجو التي تعرّف فيها والد مانديلا على جورج وبين مبيكيلا، وكانا مسيحيين متعلمين، اقترحا بداية تعليم "روهيلاهلا" التي تعني مثير الرعب، في سنّ السابعة، بعد أن تأكّد لهما ذكاؤه الفريد، فاختاط له والده سروالا كان له، قائلا: "المدرسة تشترط ملابس لائقة"، فتوجّه مانديلا مفتخرا ومطيعا حيث لا يعارض أبناء خوسا آباءهم، وحضر حصص الدروس بسروال أبيه، ودعته المعلمة باسم "نيلسون"، لتعرّفه على شخصيته الجديدة، رغم أنّه لم يفهم معنى اسمه.

سنة ١٩٢٧.. ولم يترك مرض السلّ ماكافنيسو يناضل من أجل ضمان قوت عائلته، فمات من المرض تاركا ابنه نيلسون في ذهول أمام تبدّد قوة عائلته، وبدأت فكرة مغادرة كونو نهائيا تلوح في الأفق، حيث "مثّلت خسارة أبيه، خسارة عالمه"، فسافر رفقة أمّه تاركا شقيقاته إلى قرية مكيكزويني، وتوجّها إلى منزل الزعيم جونجينتابا الذي بلغ منصبه في الماضي بتوصيه من ماكافنيسو والد مانديلا، فردّ المعروف مستضيفا نيلسون معلنا أنّه الوصيّ عليه، لتعود الأم أدراجها، بعد أن تركته ليكتشف مستقبله المجهول بنفسه.

في بيت جونجينتابا تعرّف مانديلا على الخيول فازدادت لياقته، حيث أصبح له أخ جديد يدعى جستيس، علّمه ركوب الخيل فأضحى صديقا حميما له، وتمتع مانديلا بحقوقه كفرد في العائلة، فأدرك ضرورة بذله المزيد من الجهود في التعليم ليجعلهم فخورين به، لكنه كأيّ صبي، أخطأ في سرقة حبّة ذرة من الكنيسة، فشعر بالخزي والعار أمام جونجينتابا، فقرّر عدم تكرار فعلته إلى الأبد.

شاهد مانديلا العشائر تجتمع في منزل جونجينتابا لتحكي قصص محاربي خوسا، وشاهدهم يناقشون القوانين الظالمة التي تفرضها الحكومة عليهم، فتدافعت الأفكار في عقله بسبب ما يقال في تلك الاجتماعات التي يقتصر حضورها على الكبار فقط، فكان مانديلا يدرك أنّ طرده من المجلس لن يدوم طويلا، لأنّه بالفعل قد قرّر أن يتعرّف على تاريخ بلد وتاريخ حكومته.

ليس كلّ البيض والسود سواء.. فلا مجال للتطرّف والتنميط في عقل مانديلا.. حصل كلّ من مانديلا وجستيس على أربع بقرات وهدايا أخرى، في احتفال زواج شهد تتويج ٢٤ شابا، وتقسيم ميراث الآباء عليهم، فصرخ رجل طاعن في السنّ يدعى مليجيكلي قائلا: "لا فائدة من هذه الثروات، أو الاحتفال بالرجولة، ما دامت الحرية غائبة عن السود بسبب قهر البيض" وسمع مانديلا الناس ينعتون الرجل بالعنصريّ الحقود، فتأكّد أنّ كارهي البيض فئة قليلة لا يتمتع خطابه بالرواج في أوساط شعبه.

انتهى الاحتفال بإرسال مانديلا إلى أفضل مدرسة داخلية للأفارقة تقع في كلاركسبيري، وتلقى في تلك المرحلة تعليما عاليا ونظاما تربويا صارما، حيث طلب من الجميع العمل، وكلّفه الموقّر مدير المدرسة برعاية حقل الخضراوات، وكان وزوجته يحسنان معاملته، عكس ما كان يقوله مليجيكلي عن جميع البيض.

أرسل نيلسون مانديلا إلى كلية ويسليان كوليدج سنة ١٩٣٧، ثم إلى جامعة فورت هير سنة ١٩٣٩ وبلغ آنذاك ٢١ سنة، وكان التحاقه بجامعة فورت هير سببا في افتخار جونجينتابا به، حيث جلب له بذلة رسمية أنيقة قائلا له: "هذه البدلة تليق بالجامعة"، فردّ قائلا: "هذا ما قاله والدي لي في الماضي". تعلّم مانديلا اللغة الانجليزية ودرس السياسة والقانون، كما مارس كرة القدم والركض، وشارك في مسرحيات الجامعة، وتلقى دروسا دينية أيضا، وأفاده نظام الجامعة في ارتداء منامة النوم واستخدام فرشاة ومعجون الأسنان والاغتسال بالماء الساخن، ومع ذلك فقد ظلّ جزء من دواخله يحنّ إلى بساطة الصبا وحنين الطفولة وحضن العائلة كلما لجأ إلى الفراش للنوم، فمحطة مستقبله تقتضي الابتعاد عن فرية كونو، وأخذت "نوستالجيته" حنينه للأهل والأرض يشدّه إلى الوراء دائما.

أول دروس العصيان الضروري.. تذكيرا بالذات وتعريفا بالآخر.. تعرّف مانديلا على زميل له يدعى بول ماهابني وكان ابنا لأحد أعضاء منظمة المؤتمر الوطني الافريقي، فسافرا معا إلى مدينة أومتاتا للنزهة، فأمر قاض أبيض زميله بول بالدخول إلى مكتب البريد لشراء الطوابع فرفض، وكان رد فعل زميله أول دروس العصيان بالنسبة له، كما شاهد الطلبة سنة ١٩٤٠ يحضرون عريضة مطالب بتحسين وجبات الطعام رغم أنهم لا يملكون أيّ اعتراف بشرعية تنظيمهم غير القادر على التأثير في سياسات الكلية، خصوصا وأنّ الطلبة قد قاطعوا انتخابات مجلس صوت الطلاب، وكاد مانديلا أن يطرد من الكلية نتيجة انشغاله عن أداء فروضه الدراسية بسبب الانتخابات.

عندما سمع جونجينتابا بما حدث، هدّد مانديلا بإخراجه من الجامعة، وتزويجه هو وجستيس، بعد أن اختار لكليهما عروسا دون استشارتهما، فتناقش نيلسون وجستيس وقرّرا "الهرب"، والسفر بقطار جوهنسبورغ، بعد بيع الأبقار التي أهديت لهما، حيث يحتاج كلاهما إلى تذاكر سفر. لكنّ الرجل الذي اشترى الأبقار قرّر إفشاء السرّ للحاكم الذي اتفق مع بائع التذاكر على عدم منحهما تذكرتي السفر، فالسود كانوا ممنوعين من حرية السفر، فقاما بتأجير سيارة لتقلهما إلى مدينة الذهب بعد أن فرّا من متابعة عمّهما، شقيق الحاكم جونجينتابا.

عندما وصل نيلسون وجستس إلى جوهانسبورغ، باتا في منزل للخدم، وكان عليهما البحث عن عمل في مناجم المدينة، فاقتسما مهامهما حيث بحث نيلسون عن العمل وبحث جستيس عن السكن، فوجدا متاعب كبيرة، كما سبق وصولهما خطاب أرسل إلى إداريي المناجم تدعوهم إلى رفضهما كعاملين في المصنع. لكنّ مانديلا تعرّف على صديق في المدينة، استطاع أن يؤمّن له منصب موظف تحت التدريب في أحد مكاتب المحاماة بالمدينة، فكانت بالنسبة له فرصة للنجاة من البطريركية الأبوية للوصيّ عليه، رغم أنّ تلك الوظيفة أنهكته بسبب كثرة الكتابة الإدارية للعقود.

بعد تفكير، قرّر مانديلا الحصول على شهادة ليسانس في الآداب، وكان يسير ١٩ كيلوميترا يوميا للوصول إلى العمل، ويبيت على أضواء الشمع لأنه لا يملك الكيروزين، وشاهد التمييز بين البيض والسود داخل المكتب، وقرّر الاختفاء وراء المكتب، والابتعاد عن الصراع مع البيض، وبدأ يشاهد نفسه في سجنه الخاص، وهو يناقش في عقله ظروف خيار العزلة، عيوبه وامتيازاته، خصوصا وأنّ قضية السود أكبر من حجمه بكثير.

حنين الحاكم جونجينتابا لولديه، جعله يزورهما في جوهانسبيرغ، ففرح نيلسون بلقائه، فدعاه الأب لحمل جستس عن العدول عن قرار زواجه من فتاة من المدينة، إلاّ أنّ جستس رفض بشدّة حينها، لكن بعد ستّة أشهر من الزيارة، قرأ نيلسون وجستس خبر وفاة الحاكم جونجينتابا فبكيا من شدّة الحزن، فعادا إلى بيت جونجينتابا، وبقي جستس ينتظر قرار توريث الزعامة، فيما عاد نيلسون إلى جوهانسبيرغ وانتهى من الحصول على الليسانس في الآداب سنة ١٩٤٢، وبدأ تحضير شهادة في الحقوق، وبدأ ينخرط في اجتماعات المؤتمر الوطني الإفريقي، على اثر احتجاجات شعبية رافضة لقرار زيادة أسعار التذاكر على السود دون البيض.

تعرّف مانديلا على الأستاذ المحاضر بلوم فيشر في الجامعة، هذا الرجل الذي لم يعتقد يوما أنّ مشكلة جنوب إفريقيا تتعلق بالعرق، بل تتعلّق بالطبقة، فتعرّف على أعضاء الحزب الشيوعيّ الذين دعوه للدفاع عن إطار أكبر، للدفاع عن حقوق الجميع، ورغم أنّه لم يكن شيوعيا إلاّ أنّه كان منفتحا على الجميع.

واجه مانديلا مشكلة رفض إنزاله القسري من القطار على يد شرطيّ أبيض تغلب على خطابه الإهانات العنصرية، فأحيل على القضاء، ودافع عنه المحامي بلوم فيشر، واستطاع أن يقنع القاضي ببراءة موكله، ولدى خروجه تعرّف على أعضاء جدد في المؤتمر الوطني، الدكتور زوما، وشكلوا معا رابطة شباب المؤتمر الوطني الإفريقي سنة ١٩٤٤.

القدرة على الجمع بين النضال والسعادة الأسرية.. تعرّف نيلسون مانديلا على افيلين ميز فتزوجا في ١٥ من يوليو سنة ١٩٤٤، وكان زواجهما بسيطا بدار العدل، لعدم قدرتهما على تحمّل التكلفة المالية للزواج. واحتفلا معا بميلاد ابنهما ماديبا ثيمبيكل، واستطاع أن يشتري منزلا من ثلاثة غرف من دون كهرباء، وظنّ أنّه سيرتاح قريبا، لكنّ تشدّد السلطة حيال قوانين التمييز العنصريّ، التي اعتبرت سياسة قومية في جنوب افريقيا، فبدأ للدعوة من داخل المؤتمر إلى إضراب يشبه إضراب غاندي في الهند، فوافق الدكتور زوما رئيس المؤتمر، ونظّم العمال السود مظاهرة عارمة في مايو ١٩٥٠، ففتحت الشرطة النار على المتظاهرين ولقي ١٨ شخصا حتفهم، فأصرّ مانديلا على تنظيم مزيد من الاحتجاجات التي سلبت منه وقت عائلته، فقد ولدت له ابنة وماتت بعد تسعة أشهر، وولد ابنه الثاني ماكجاثو ليوانيكا.

حرّض مانديلا المتظاهرين على عصيان قوانين التمييز العنصري، حتى القوانين التي تمنعهم من دخول عربات القطار والمراحيض المخصصة للبيض، وأطلق على تلك الحملة التي حدثت في ٢٦ يونيو ١٩٥٦ "حملة التمرّد"، أطلق سراحه بعد عدة شهور، ومنع من ممارسة العمل السياسي لشهور أخرى أيضا، فعاد للتدريب في المحاماة، وأصبح محاميا ممارسا وفتح مكتبه سنة ١٩٥٢، وطلب من صديقه أوليفر تامبو أن يصيح شريكه بالمكتب، وكانت شركته الوحيدة المملوكة للأفارقة، وتتقاضى أتعابا زهيدا على قضايا موكليها السود، وحدثت كارثة أخرى نشبت عن قرار الحكومة جعل مدينة صوفيا تاون "للبيض فقط".

أصبح مانديلا يثق في إرشادات ألبرت لوتولي رئيس المؤتمر الوطني منذ سنة ١٩٥٢، وسحب المؤتمر دعوته للاحتجاج بالعنف سنة ١٩٥٥، وخرج الأفارقة من صوفيا تاون وأحرقت الشرطة منازلهم، لقد أراد مانديلا السلام لكن العنف لا يزال مستمرا من قبل لسلطة. عاد مانديلا إلى كونو وطلب من أمه أن تعيش معه لكنها رفضت ترك الديار، ثم سافر إلى أمه الثانية بالتبني زوجة جونجينتابا، ثم عاد لمنزله وأعطى ابنه المال للذهاب إلى المسبح، وتبع ابنه في الطريق فوجده سيصطحب صديقا، فناداه قائلا: "لا تخف من قول الحقيقة لي يا بني"، وقام مانديلا بتعليق صور زعماء تاريخيين أمثال تشرشل، روزفلت، غاندي، ستالين، فسأله الأولاد عنهم، وبدأ يشرح لهما حياة كل زعيم من بين هؤلاء، حتى فاجأته الشرطة بكسر باب بيته واعتقاله بتهمة الخيانة العظمى، فطمأن أبناءة بالعودة قريبا قبل أن يكتشف أنّه واحد من بين ١٥٦ معتقلا اعتقلوا في يوم واحد، بينهم جميع قادة المؤتمر الوطني، اعتقلوا على أساس عرقي، حيث تمّ تجريدهم من ملابسهم في البرد القارص كالحيوانات، وتمّ التعسّف ضدّهم.

تجنّد أصدقاء مانديلا من أصدقائه وزملائه في المحاماة، وفي جلسة المحاكمة فوجئوا بقفص يحشد فيه المتّهمون، فهدّد المحامون بالتظاهر لهذا الإجراء غير الإنساني، مع متهمين مهدّدين بالإعدام، فخشي الفوضى غضب الجماهير فأزال القاضي القفص وسمح بإخلاء سراح المتهمين بضمان مالي مع استمرار المحاكمة، عاد مانديلا مسرعا إلى بيته ليجد زوجته إفيلين قد غادرت المنزل عائدة إلى عائلتها، وبحلول سنة ١٩٥٨ أخلي سراح ٦١ متهما ثبتت براءته، لكنّ مانديلا أحيل على المحكمة العليا، وبدت هجرة افيلين له، هجرا صريحا ودعوة له لترك العمل السياسي إلى الأبد.

السعادة تبحث عنه.. لكنه يلاحق التعب والتضحية مع مرور الوقت، خسرت شركة مانديلا جميع الزبائن، ورغم اشتداد همومه، وجدت السعادة طريقها لمانديلا حين التقى بامرأة تدعى ويني، موظفة الخدمة الاجتماعية في المستشفى، ونظرا لوقوع مانديلا تحت طائلة الحظر، اكتشف أنّ ويني ليست زوجته فقط، بل مناصرة قوية لقضيته، خصوصا وأنّ قوانين التمييز العنصري أصبحت تطال النساء أيضا، فنصحها بعدم المشاركة في الاحتجاجات، لكنها أصّرت على النضال، قبضت الشرطة على أكثر من ١٠٠٠ إمراة، وسجنت زوجته، فتفانى مانديلا في الدفاع عنها، حتى أفرج عنها مع زميلاتها، بضمان مالي، بعد قضاء أسابيع في السجن.

أنجبت ويني ابنته زيني، ولم يشهد مانديلا الولادة لانشغاله بمحاكمات الخيانة، ومع بداية سنة ١٩٦٠ شهد شهر مارس يوما دمويا لفضّ احتجاج سلميّ انتهى بقتل ٩٩ شخصا بين رجل وطفل وامرأة، وجميعهم قتل برصاص في الظهر، فقرر المؤتمر الوطني استمرار الاحتجاج السلمي، لكن في شكل عصيان يبدأ بإحراق المتظاهرين تصاريح المرور التي تمنع الشرطة من التعرّف على هوياتهم، فقرّرت الشرطة إلقاء القبض على أعضاء المؤتمر بعد إعلان الحكومة حلّه وعدم شرعيته، وبعد خمسة أشهر انتهت حالة الطوارئ وأطلق سراح مانديلا في ٣١ أغسطس ١٩٦٠، لكن مع صعوبات عمله، ومرض ابنته واقتراب ولادة ثانية لزوجته ويني، اختلطت عليه الأمور فقد فاتته ولادة ابنه أيضا، ومع حلول يوم ٢٩ مارس ١٩٦١ قضى مانديلا وقتا طويلا مع أولاده خشية مفارقتهما بعد جلسة النطق بالحكم في قضية الخيانة، لكن مع حصوله على البراءة لعدم كفاية الأدلة، كشف مانديلا لزملائه عن خطة سرية للنضال لاسترجاع الحرية الأكبر، فأخذ يتنكر في أزياء طباخ وسائق… وغيرها، إذ لبس نظارات وكانت لحيته تغيّر ملامحه بشكل كليّ.

كان يخطط للاختفاء فلم تتعرف عليه الشرطة عدّة مرات، لكنّ تخطيطه للاحتجاج السلمي فشل مجددا، فبدأ يفكر في النضال المسلح في ظل فشل خيار اللاعنف، فرفض قادة المؤتمر فكرة منديلا، فانشق مؤسسا حركة "رمح الأمة" الجناح العسكري للمؤتمر الوطني الإفريقي للردّ على عنف السلطة، فتنكّر مانديلا في زيّ حارس بعد تغيير منزله، وفجّرت حركته قنبلة قتل فيها منفّذ العملية، وأعلنت مناشير حركته مسؤوليته عن الحادث، في منشورات تبيّن أسباب اللجوء إلى العنف.

أقنعه أعضاء الحركة بالسفر إلى إثيوبيا لشرح قضية الشعب في الخارج، وذهب مختفيا عبر السودان، ورافع في أديس أباب دفاعا عن انتهاج حركته العنف ردّا على قمع السلطة، وسافر إلى عدد من الدول الإفريقية كالمغرب والجزائر وتونس، ليبيريا سيراليون وغينيا، ومنحت هذه الدول الدعم المادي والمعنوي لمانديلا لشراء السلاح، وبعد حصوله على المال بدأ في التدريب العسكري في أثيوبيا قبل أن تصل رسالة عاجلة تدعوه للعودة، فتنكّر مانديلا للقاء قادة المؤتمر، لكنه وجد نفسه محاصرا حيث ألقت الشرطة القبض عليه وأحيل على المحاكمة، ولم يستطع أحد في المحكمة مواجهته أو النظر إلى عينية لتأكّدهم من صدق خطاب مانديلا في نضاله من أجل الحرية، ومع طول جلسات الاستماع حضر مانديلا بقية جلسات المحاكمة وهو يرتدي زيا تقليديا لقبيلته، ومثّل نفسه، ولم يستدعي أيّا من الشهود، وطوال المحاكمة عمّت المظاهرات الشوارع، وحكم على مانديلا بقضاء خمس سنوات في السجن، وكان هذا الحكم القاسي في هذه القضية السياسية المحسومة، سببا في صراخ مانديلا رفقة الجماهير: "القوة، القوة".قهر السجين رقم ٤٦٦، فئة السجناء صنف "د".

سجن مانديلا في سجن بريتوريا في ٧ من نوفمبر ١٩٦٢، وكان مكافحا صلبا من أجل حقوقه، طالب بملابس أفضل وطعام أحسن من عصيدة السجن "الباردة"، رفض ارتداء السراويل القصيرة التي تقصد أنّ المساجين أولاد صغار، فاستجاب مدير السجن وجلب له سراويل طويلة، لكنه كان يعاقب بالسجن الانفرادي على كلّ تشكيك في أساليب السجن، ومع كآبة السجن الانفرادي "مصباح مضاء طوال الوقت، وهواء كئيب في غرفة ضيقة، لمدة ٢٣ ساعة"، تنازل مانديلا وقبل أن يلبس السراويل القصيرة وأن يأكل العصيدة البادرة وأن يشتغل داخل السجن بدلا من قساوة السجن الانفرادي، لكن بعد قضاء خمس سنوات في السجن، والتي حولته إلى رمز وطني ومحام محترم، أقتيد مانديلا إلى سجن جزيرة روبين، ثم اقتيد إلى بريتوريا، وتفاجأ بالقبض على جميع زملائه في فرقة "رمح الأمة".

وبدأت المحاكمات الطويلة في يوليو ١٩٦٣، والتهمة هي التخريب وإشاعة الفوضى، والعقوبة تمثلت في احتمالية الحكم بالإعدام، حتى المدّعي العام استقال قائلا لمانديلا: "١٩٩ قضية؟ لن أشارك في هذه المسرحية أبدا". ومع طول المحاكمات، تضامنت نقابات عمال السفن في عدّة دول عبر العالم، معبّرة عن رفضها استقبال أية سفينة قادمة من جنوب إفريقيا تضامننا مع مانديلا وزملائه، ونتيجة الضغوط حكم على الجميع بالسجن مدى الحياة، في سجن مدينة روبين، الذي يضم قسما جديدا للسجناء السياسيين، وكان مانديلا السجين رقم ٤٦٦ في السجن، وهو من صنف السجناء "د" من ذوي الامتيازات القليلة.

كان عليهم النهوض الساعة الخامسة والنصف صباحا، والتوجه إلى تكسير الحجارة، ثم الاستحمام بماء البحر البارد، حتى تمنح لهم عصيدة باردة، ولا يسمح لعائلته بالزيارة سوى مرة كل ٦ أشهر، ولمدة نصف ساعة لا غير، ويمكن للسجين إرسال رسالة واحدة لا تزيد عن ٥٠٠ كلمة كل ستة أشهر وكانت الرسائل تصل بعد شهور طويلة بسبب التأخير، وتصل مجتزأة حيث تقتص كلمات منها من قبل إدارة السجن. كان محجر الحجارة في ظروف قاسية، حيث تتشقق يد السجناء وتتصبب دما من التقرحات، وكان العمل في الشمس المحرقة، ما أحدث ضرار في عيني مانديلا.

كان السجناء يتبادلون المعلومات عبر الطباخين، فعلم مانديلا بأنّ السجن سيشهد إضرابا عن الطعام فقرّر المشاركة في الإضراب، والمدهش أنّ السجّانين أنفسهم تضامنوا مع الإضراب للمطالبة بتحسين الطعام، أما خارج السجن فقد تحولت الدولة بأكملها إلى سجن، حيث منع السود من دخول المطاعم والحدائق أو دخول المراحيض العامة، ومنعوا من التصويت والترشح، وحرم أبناء السود من حقّ التمدرس أو دخول الجامعات، وحرم أهلهم من حقّ شراء العقارات لئلا يبنوا لأنفسهم بيوتا أفضل.

قرّر بعض القضاة زيارة السجن، وأظهر لهم مانديلا التعسّف الذي يتعرّض له السجناء بذكاء كبير، حيث استدعى مدير السجن وناقشه فتعسّف المدير في الردّ، وقال مانديلا "إذا كان المدير قد تعسّف في ردّه أمامكم، فما الذي يجب أن أفصح عنه بعد رحيلكم". شاركت جنوب إفريقيا مانديلا حزنه على وفاة لوتولي زعيم المؤتمر سنة ١٩٦٧ الذي توفيّ إثر حادث في سكة قطار، ووفاة والدته سنة ١٩٦٨ بعد نجاحها في زيارته في السجن، وتوفي ابنه ثيمبي في حادث سيارة، وكان عمره ٢٥ عاما وكان أبا لطفلين، فرفضت إدارة السجن له حضور أيّ جنازة من هاته، وتوالت الأنباء عن مقتل العشرات من المناضلين في قنابل موقوتة مرسلة عبر البريد.

كانت عملية تصفية للقضية، تجري ببطء شديد، أما زوجته ويني فقد عانت الأمرين بسبب الاعتقالات والتهديد. كان صديقه تامبو يعمل على حشد الدعم الدولي لصالح قضية شعبه، ودعا في الخارج إلى اعتبار نيلسون مانديلا رمزا للنضال ضدّ نظام الأبارتايد حين تسلّم جائزة نيهرو لحقوق الإنسان في دلهي نيابة عنه، فمانديلا الذي واصل تعليمه من داخل السجن، واستطاع أن يحوّل السجن إلى جامعة بسبب تبادل الدروس الجامعية، تمكّن من إيصال كلّ ما يمتلكه من معرفة إلى زملائه في السجن بدهاء كبير، وفي سنة ١٩٨٢ نقل مانديلا إلى سجن بولسمور، الذي تحسنّت فيه ظروف السجن، طعام أفضل ومراحيض خاصة، وحرية الإطلاع على الصحف، والسماح لهم بالعناية بالحديقة، ما سمح لويني زوجته بالزيارة، وتمكّن مانديلا من مشاهدة التلفاز من داخل السجن، وأصبح السجن الجديد يسمح لهم بإرسال الخطابات والرسائل أكثر من ذي قبل.

استغرب مانديلا وأصدقاؤه من تخفيف الحكومة حدّة مواقفها، والمفاجأة كانت مبادرة من رئيس الحكومة بالتفاوض مع مانديلا، حيث زار وزير العدل مانديلا في السجن وطلب منه الدعوة إلى وقف العنف، بصفته الزعيم المؤسس للجانح العسكري للمؤتمر الوطني الإفريقي.

رحلة المفاوضات.. استجابة النظام بعد ثلاثة عقود من الجحود.. اكتشف وزير العدل في نيلسون مانديلا مفاوضا قويا، يقول أنّ السود هم أغلبية في هذا البلد، يطالبون بالتمثيل العادل والحرية والمساواة، فبعد تخلّيه عن اللاعنف لصالح العمل المسلح، أجبر مانديلا الحكومة على التفاوض بعد ثلاثة عقود، لكنّ مرضا مفاجئا أصاب رئتي مانديلا هدّد حياته، لولا الإسراع بعلاجه في سنّه ٦٥.

أما في الخارج، فقد شهد ملعب ويمبلي بانجلترا بعد خمس سنوات،احتفالا عالميا كبيرا بعيد ميلاد مانديلا السبعين، أذيع الحفل في سبعين بلدا عبر العالم، طالب الحضور من الجمهور والموسيقيين بإطلاق سراح مانديلا وإنهاء نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. أمّا في السجن، فقد عاد أحد سجّاني مانديلا لخدمته في سجن بولسمور الجديد، وهناك قال مانديلا أنّه سيغسل الأطباق حيث يقوم السجّان بالطهو، فالتعذيب والأعمال الشاقة علّما مانديلا أنّه توجد فرص لتكوين صداقة في أغرب الأماكن، بشرط أن تكون هنالك إرادة لالتقاء وجهات النظر.

نشر مانديلا أو "روهيلاهلا" التوتر والخوف، في قلب صناع القرار وروّاد السلطة في جنوب افريقيا، من سجنه في مدينة مفيزو جنوب البلاد، رغم أنّ المدينة تقع على بعد كيلوميترات عديدة عن كيب تاون وجوهانسبورغ، كان يقابل زوجته ومحاميه، ويمنعهم السجّان من الحديث في السياسة، فجيبه مانديلا مستغربا: "عليك أن تتصل بالرئيس إذن، إذا منعتني من توضيح أفكاري للسيد أيوب المحامي، لأنّنا نناقش عرضا رسميّا قدّمه رئيس جنوب إفريقيا أمام البرلمان".

تحادث مانديلا مع الرئيس بوثا شخصيا، عرض الرئيس بوثا إطلاق سراح مانديلا مقابل التخلي عن النزاع المسلّح، وإعلانه معارضة من يحمل السلاح للدفاع عن حرية الأمة، لكنّ بوثا أصيب بسكتة دماغية كادت تؤدّي إلى وفاته، ومع إصراره على البقاء في الرئاسة، حدثت معارضة وسط الحزب الوطني الحاكم، انتهت إلى حلف الرئيس فريديريك ويليام دي كليرك اليمين رئيسا جديدا للبلاد.

كانت ابنته زيندزي تقرأ خطبه و"ردوده على السلطة"، فمانديلا لا يفاوض إلاّ إذا أصبح حرّا، "فالأحرار وحدهم من يمكنهم التفاوض"، والحرية تعني بالنسبة لمانديلا أكثر بكثير من مجرّد إخراجه من السجن. ومع تحضير الآلاف لتظاهرة كبيرة في سبتمبر ١٩٨٩، أطلق الرئيس سراح أصدقاء مانديلا في أكتوبر ١٩٨٩، وأعلن إلغاء الفصل العنصري في المطاعم والحافلات، ورفع الحظر عن حزب المؤتمر، وإلغاء الحكم بالإعدام، وحضرت الحكومة لإعلان إطلاق سراح مانديلا بعد ٢٧ عاما من السجن، تحديدا قضى مانديلا ١٠ آلاف يوم في السجن، إلى تاريخ ١١ فبراير ١٩٩٠، حيث أطلق سراحه في سن ٧١، وقد أحرقت جميع صور عائلته بعد إحراق بيته، ولم يحضر جنائز أفراد من عائلته، ولا زواج ابنته، لكن مظاهرة حاشدة لاستكمال تحرير شعبه وبلده، انتهت إلى مقتل ١٥٠٠ شخص برصاص الشرطة.

فبعد تحرير مانديلا من السجن، فهم روهيلاهلا أنّ الناس بحاجة إليه ليصبح مرشدا لهم، فهل يردّون بالعنف أم بالاحتجاج السلميّ؟، كانوا ينتظرون إشارة منه، خصوصا وأنّ الحكومة تعتقد أنّ مانديلا تخلى عن الكفاح إلى جانب الشعب.

بعد انتهاء مباحثات السلام، دخل مانديلا في مفاوضات مع الحكومة انتهت إلى توقيع اتفاق لوقف العنف، لكن المفاوضات توقفت بسبب رفض الحزب الوطني التخلي عن الحكم، وبعد استفتاء للبيض حول استمرار المفاوضات، ساعد مانديلا الحزب الوطني على صياغة دستور جديد للبلاد، وانتهت المفاوضات سنة ١٩٩٣ بالإعلان عن الانتخابات التي لم يشهد نهايتها أوليفر تامبو العائد من المنفى، كما انفصل مانديلا عن ويني بسبب عدم اعتزاله السياسية وعمله الذي لا ينتهي.

فاز المؤتمر الوطني بالانتخابات بنسبة ٦٢,٥ بالمائة وفي مايو ١٩٩٦ حلف نيلسون مانديلا اليمين رئيسا للبلاد، وعيّن ديكليرك أحد نواب الرئيس، وفاز الرجلان بجائزة نوبل للسلام، واستطاع مانديلا أن يقضي على التمييز العنصري، وينصر الفقراء ببناء وحدات سكنية مجانية وتوفير الطعام والوظائف، وأكمل عهدته الانتخابية وقد حقق رضا ٨٠ بالمائة من الشعب على أدائه، لكنه لم يقبل الاستمرار في منصبه مكتفيا بعهدة واحدة، وتبرع مانديلا بثلث راتبه وجزء كبير من جائزة نوبل لصالح دور رعاية الأطفال، وهو يناضل في سبيل قضية مرضى الإيدز HIV نقص المناعة المكتسبة خصوصا بعد وفاة ابنه ماكاجاثو سنة ٢٠٠٥ بسبب نفس المرض.

تزوج مانديلا مجدّدا في سن الثمانين، من جارسا ماشيل أرملة رئيس موزمبيق السابق، ووزيرة التعليم السابقة في حكومة زوجها الراحل رئيس موزمبيق، وكان يسكن في قرية كانو ماديبا، رفقة زوجته التي كانت تشاركه برنامجه للأعمال الخيرية. توفي مانديلا، ولا تزال ذكراه ماثلة، كلما ذكرت قضايا المقهورين في العالم.

رحم الله مانديلا، الرجل النبيل، وأحد شرفاء افريقيا، الذين علموا الإنسانية دروسا لا تنسى.

عصام بن الشيخAlgeria, Tindouf

أستاذ العلوم السياسية جامعة قاصدي مرباح ورقلة

Copyright © 2014 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك