وسوى الروم خلف ظهرك روم

بقلم/
مصر : ۱۰-۷-۲۰۱٤ - ۲:۰۵ م - نشر

gaza-2014اتصلت بها يوم أمس لأطمئن عليها وجاءني صوتها الدافئ يختنق ببكائها الذي تحوَّل إلى نشيج ذلك أنها لم تكن تتوقع أن "أغلـِّب" حالي وأتصل.. "الله يرظى عليك يمـَّا.. دير بالك عحالك يا حبيبي.. إحنا بخير.. النسوان كبل الزلام بتحارب.. وينهم العرب؟ وين المسلمين؟ الله ينصر هالشباب وها الصبايا اللي رفعوا روسنا.. دير بالك يا حبيبي.. الله يرظى عليك.."

وضعت سماعة الهاتف وأمسكت بالقلم لأسطر هذه الرسالة إلى الحاجة سعدية، شجرة الزيتون الفلسطينية التي تجاوزت الثمانين من عمرها المديد، والتي لن أنسى نقاء وجهها، وصفاء عيونها ما حييت، رغم الحزن الدفين الذي أصبح "ماركة فلسطينية مسجلة" فكانت هذه الكلمات.

ليست هي الحرب الأولى..

ليست هي الحرب الأخيرة..

لم يكن الفلسطيني مقاتلا كما هو اليوم..

وغزَّة ليست فقط مدينة في فلسطين..

إنها تسكن الوجدان ومآقي العيون..

غزَّة تنثر دمها الفلسطيني على عواصم العرب ومدنهم فتعطيهم شرف الانتساب إليها.. إنها بمساحة الوطن الفلسطيني كله.. هذا الوطن المحاصر بالأطماع والعجز، بكل رجاله ونسائه وأطفاله، بكل انكساراته وتخلفه، بكل ذكريات المواجهة والنصر والمقاومة، بكل البؤس والشقاء، بكل الفقر والقهر.. من يرى نفسه خارج غزَّة هو خارج الوطن.

في آذار ١٩٥٠ كان الكاتب الفرنسي أندريه مالرو "١٩٠١١٩٧٦" الذي أصبح، فيما بعد وزيرا للثقافة، في زيارة ميدانية لفيتنام لتغطية الحرب الدائرة بين القوات الفرنسية تؤازرها القوات الأمريكية من جهة وبين ثوار فيتنام من جهة أخرى.

كانت "ديان بيان فو" تعتبر خلال تلك الحرب من أهم المراكز الاستراتيجية لدى الجانبين. وكان مالرو قد "سمع" عن الجنرال فو نغوين جياب، القائد الثوري الفيتنامي الذي أصبح فيما بعد أحد أهم قادة حرب العصابات في العالم.

ذهب مالرو للقاء جياب، و"ذُهل" عندما رآه يرتدي "سروالا من الكتـَّان وحذاء من المطاط، ويحمل عتاده العسكري على ظهره، شأنه في ذلك شأن أي جندي عادي". وفي كتابه "المذكرَّات المضادة Anti-Memories" يقول أندريه مالرو أنه سأل جياب عما اذا كان يعتقد بأن "عصابات من الفلاحين الجهلاء" [ كذا…] قادرة على هزيمة فرنسا.

وأجابه جياب والابتسامة لا تفارق مـُحيـَّاه: "ليس النصر شرطاً لدخول المعركة يا سيدي.. وليس الهرب من ميدانها طريقاً إلى النجاة.. ليس ثمة هزيمة أكبر من أن تعلن يأسك من نفسك بينما عدوك خائف منك حتى الموت.."

وطوال الأعوام الأربعة التي أعقبت ذلك اللقاء أحرز الجنرال فو نغوين جياب انتصارات عسكرية مؤزَّرة على القوات الاستعمارية الفرنسية، وصارت انتصاراته تتوالى إلى أن تـُوِّجت في معركة ديان بيان فو الشهيرة. وفي السابع عشر من أيار ١٩٥٤ سقطت قلعة ديان بيان فو في أيدي القوات الوطنية بقيادة الجنرال جياب، وأصبحت تلك المعركة التاريخية درساً إلزامياً على الطلاب في المعاهد والأكاديميات الحربية.

مع كل فجر تتعاظم فلسطين وتتزايد قداسة أرضها ويتعملق شعبها، ولو مجروحة ومخذولة، لا أحد خارج الحصار. كلنا نتفرج على موتنا، وكلنا نحتفل بالقيامة الجديدة، لا أحد خارج غزَّة، إننا فيها، تلفحنا نيران قذائف العدو.. تهدم طائراته جدران غرف الخوف التي نداري فيها خجلنا من أنفسنا، من أبنائنا وأحفادنا.. تمشي دباباته فوق صدورنا، وتترك جنازيرها آثارها على وجوهنا.. لكنها حرب خروجهم.. كلما توغلوا فيها أكثر كانوا يعودون إلى نقطة البداية.

ماذا لو دمروا كل بيت؟ماذا لو اعتقلوا ألفا، عشرة آلاف، مائة ألف؟ ماذا لو سحقت دباباتهم الورود وبراعم الشجر؟

قدر الفلسطينيين أن عليهم أن يقدموا بدمائهم، البديل.. وأن يقرعوا ناقوس الخطر لأمـَّة من الخراف.. أمـَّة من ٣٥٠ مليون من طنجة إلى أم القيوين.

حملنا قناديلنا، وخرجنا نبحث عن شموس، نلقى أشعتها في عيون "دليلة"، فتزداد نقاء وصفاء وزرقة، وعن أقمار نزرعها في ثغرها، فيزداد تألقاً ودعوة إلى الحب، وعن فراشات ننثرها في ثنايا شعرها الفلسطيني الأسود المنسدل شلالا ليلياً، فتزداد فرحة الأطفال.. لكنهم حاولوا منعنا لقد ضبطونا متلبسين ب"جريرة" التعبد في محراب الوطن، لحظة تنفيذها، وذاك ذنبٌ لو تعلمون عظيم، في عالمنا العربي، فعسكر السلطان عيونهم لا تنام، وهم لا يرحمون هذا النوع من "الانحراف".

كنا نحاول أن نحرق نفوسنا بخوراً يفوح عبقه الزكي، ويملأ سماء الوطن الزرقاء شحارير وحساسين وبلابل، لكنهم لم يتيحوا لنا حرية الاحتراق، لقد استكثروا علينا أن ننفرد بالنار، كي لا يقال عنا، فيما بعد، "كانوا يستحقون الوطن.. وكان الوطن يستحقهم".

كنا نحاول أن ننتزع السوط من يد الجلاد النازل فينا ضرباً، كي لا ينزل بغيرنا، وبدل أن يقولوا لنا "سلمت زنودكم" راحوا يثبتون السوط في يد الجلاد ويمكنونه من أجسادنا لتتمزق معتقدين إنهم بمنأى عن هذه الهاوية.

تسألين من هم، يا حاجة سعدية؟

إنهم "أخوتنا في العروبة والاسلام"، يا والدتي، وما كان أصدق المتنبي حين قال:

وظلم ذوي القربى أشدّ مـَضاضة.. على المرء من وقع الحـُسام المـُهـَنـَّد

السلطان، من "أمير المؤمنين" محمد السادس في المغرب إلى "سليل الدوحة الهاشمية" عبدالله الثاني في الأردن، يصر على أنه "ظل الله في الأرض"، وأنه وحده بعد الله الذي "يمنحنا" حق العيش والتنفس.. فلا يجوز لقاماتنا أن تنتصب، ولا لهاماتنا أن ترتفع.. وُخيـّل لبعض "أخوتنا في العروبة والاسلام" أن بالامكان أن يتصادق "العوزي" الإسرائيلي والطفل الفلسطيني، وتوهـَّم البعض أن بالامكان أن يتحالف الصيـَّاد والعصفور، وإذا بهذا البعض يهتدي إلى نور قناديلنا، فيهتف بعسكر السلطان: "ها هم"، وكانت فرصتهم الذهبية.. أو هكذا خـُيـِّل اليهم، فأخذونا "أخذ عزيز مقتدر"، تزين معاصمنا أوسمة حديدية خلفت آثارها صموداً، وعزماً، وإصراراً.

لم يقف فيها القتل والاغتيال والحرق بآلات الدمار المبتكرة عند حدود المناضلين والمجاهدين والرافضين لمسلسل الذلة والخضوع، فقد أصدرت اسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية على هؤلاء حكماً لا تراجع عنه: إنهم يستحقون الموت لأنهم يرفضون أن يبقوا بلا وطن، ويرفضون أن يوافقوا على أنهم ليسوا من هذه الأرض التي زعم أساطين الدعاية الصهيونية أنها "أرض بلا شعب" وأنها وطن كل صهيوني وأرض ميعاده مهما تنأى به الديار.

لم يقف الأمر عند حد تصفية المقاومين والمجاهدين والرافضين، وإنما امتد ليحصد بشراسة كل أثر للحياة على وجه هذه الأرض دون رقيب أو حسيب، وليس أدل على ذلك من ذلك المشهد الدامي الذي يشهده العالم بذهول وربما بصمت محايد حين تقصف الطائرات الإسرائيلية غزَّة وتحرقها حرقا، وتستهدف كل أثر للحياة في المدينة الثكلى.

طفلة خيـَّم الموت على أسرتها كلها وهي تبحث عن واحد منهم بين الأحياء، فتعثر على أبيها جثة هامدة تهزه بعنف لعل فيه بقية من حياة، وكأنها ترجوه ألا يموت، فلا قلب يحنو عليها بعده، ولا حضن يؤويها من غائلات الزمان.

تأملت هذا المشهد الدامي والطفلة المذعورة تصرخ وتنتحب وكأني أرى فلسطين كلها وحيدة في العراء، تخلى عنها العرب والمسلمون وأسلموها لمصيرها، وهم لاهون غافلون، يعو قادتهم العالم لدعم "الحرب على الإرهاب" ولكنه بالتأكيد ليس إرهاب الصهاينة الذين فاقوا في حقدهم وبطشهم وعنصريتهم ما تعرض له أي شعب من الظلم والهمجية والعنصرية على مرّ التاريخ.

الفلسطينون يقفون وحدهم في العراء.. واخوتهم في "العروبة والاسلام" يشيحون بوجوههم خجلاً، وربما إنكاراً.

إن المجزرة التي يتعرض لها هؤلاء البسطاء الآمنون من الأطفال والنساء وكبار السن الذين يكدحون ليل نهار لتأمين لقمة العيش لتعلن لتاريخ زمن الخذلان، وتحفر في أوراق الزمن تاريخ انعطافة خطيرة في السجل العربي لا سبيل إلى تجميلها أو تبريرها.. لقد كان هؤلاء البسطاء وسط دائرة الخطر الداهم الذي لا يرحم بين قسوة الشقيق وتنكر الصديق والوقوع بين براثن عدو جبار خسيس لا يرحم ولم يحتكم يوماً إلى مبدأ أو قيمة، يجردهم كل يوم من مقومات الحياة.

يقف شعبنا الفلسطيني أعزلا إلا من إرادته وإيمانه بانتصار الحق والحياة، يحمل على كاهله تاريخه المجيد الذي يمتد مئة عام من النضال، إن كان هذا التاريخ عبئاً على الكاهل لا يمكن إزاحته أو التخلي عنه، فإن هؤلاء الصابرين يعرفون أن قدرهم التصدي في وجه هذه الغزوة مهما كلف الثمن ومهما غلت التضحيات. ولعل مما يحز في النفس أن يمتلك الفلسطينيون كل إرادة الصمود والعرب، كل العرب، من حولهم متقاعسون بل إنهم لا يسلمون أحياناً من كيد ذوي القربى.. وربما إيقاع الفتنة وإشعال نار الوقيعة بينهم.

لقد تكاثرعليهم الأعداء وراحوا يتربصون بهم الدوائر، وكأن أبا الطيب المتنبي حاضر ينظر في الآفاق، والحيرة تملأ قلبه والقلق يغشى عينيه الذكيتين، وهو ينظر تارة إلى سيف الدولة الحمداني الذي تعلو وجهه سحابة الهمّ التي تغشى النبلاء من ذوي الهمم العالية وطوراً إلى عرب الروم وقد شايعوا كل ناعق، يقول:

وسوى الرّومِ خلف ظـَهرك رومٌ.. فعلى أيّ جانبيك تميلُ…؟

إن ما يجري في غزَّة صفحة ناصعة جديدة من صفحات المواجهة مع العدو التي يخوضها شعبنا الفلسطيني، ولن تثنيه عوائق الطريق، مهما بلغت التضحيات.

واصلي تشبثك بتراب الوطن، واقذفي ما استطعت من الحجارة.. فالأرض هي مصدر النصر، والوطن هو الشهادة، وسوف نلتقي.

Leave your vote

0 points
Upvote Downvote

Total votes: 0

Upvotes: 0

Upvotes percentage: 0.000000%

Downvotes: 0

Downvotes percentage: 0.000000%

د. عبد القادر حسين ياسينSweden, Västra Götaland

كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد

Copyright © 2014 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق



Hey there!

Forgot password?

Don't have an account? Register

Forgot your password?

Enter your account data and we will send you a link to reset your password.

Your password reset link appears to be invalid or expired.

Close
of

Processing files…

أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك

Warning: mkdir(): Disk quota exceeded in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 321

Fatal error: Uncaught exception 'Exception' with message 'Cache directory not writable. ZenCache needs this directory please: `/homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/cache/zencache/cache/http/ahlan-com/2014/07/10`. Set permissions to `755` or higher; `777` might be needed in some cases.' in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php:324 Stack trace: #0 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->WebSharks\ZenCache\Pro\{closure}('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #1 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/classes/AbsBaseAp.php(55): call_user_func_array(Object(Closure), Array) #2 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AbsBaseAp->__call('outputBufferCal...', Array) #3 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->outputBufferCallbackHandler('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #4 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-includ in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 324