انقسام الفكر العربي

بقلم/ حسام نشراوي
مصر : ۲-۷-۲۰۱٤ - ۹:۱٤ ص - نشر

فعلا لنا تاريخ وفعلا لنا ثرات لا يمكننا أن ننبذه أو نستغني عنه، لكن هذا السؤال تكرر كثيرا منذ بداية التفكير النهضوي العربي الإسلامي، وهو "لماذا تقدم غيرنا وتأخرنا نحن؟" أذلك ناتج عن فقدان اتباع منهج واضح ام نتاج ظلم السلطة الدينية أم فساد في العقل السياسي العربي.

التأخر والإنحطاط كما هو معلوم ظاهرة طارئة لا يمكن ردها إلى عنصر واحد من بين العناصر التي تساهم في التنمية والتقدم والازدهار داخل أي مجتمع كيفما كان، بل تساهم فيه كل تلك العناصر بتضافر مجهودات تعطيلها، هذا من جهة أما من الجهة الأخرى فنحن فعلا متأخرين ولكن ولسنا ميتين بالشكل الذي لا يجعلنا نفكر في واقعنا أو نحسب أنفسنا لا يمكننا أن نسترجع ما ضاع منا من ريادة وسيادة على مستوى العالم.

إذا امكنني أن أظيف شيئا ثالثا سيكون عبارة عن تساؤلين من العيار الثقيل الاول يعارض الثاني وهما: ألا يمكننا أن نقيم أمة على صالح المشاريع الفكرية التي طُرِحَتْ بالموازنة بينها وتهذيبها؟ ألا يمكننا أن نرفض التفكير اللبيرلي العلماني بدعوى أن الإسلام يحمل نظرة علمانية للحياة الإنسانية كونه دين شريعة وحياة؟

سنحاول أن نضع مقاربة تشمل الإحاطة بواقع الفكر العربي الإسلامي، ولماذا عرف انقساما واسعا بين مختلف الفئات المثقفة، ولم يأخذ أي طرف ببوادر الإتفاق والإندماج والوحدة لمصلحة أقوى وأعم للآمة بجميع فئاتها، وذلك حتى ننظر أيها أحق بالطرح في هذه اللحظة الحرجة التي دخلت الأمة فيها مرحلة الاحتضار من جراء النكسات المتعددة بتعدد فئات العقل العربي.

بخصوص الأخذ بصالح الرؤى او المشاريع الفكرية التي تمتلئ بها خزاناتنا الفكرية فهو شيء يبدو منطقيا من ظاهره، لكن لما ننفذ إلى داخله نجد حربا تدور في الخفاء على أسطر الصفحات في المجلدات لا يظهر لنا منها إلا غبار متناثر يعكر صفو الاجواء ولا نسمع منها إلا أصوات قرع طبول جوفاء، بحيث اننا كلما أردنا دراسة مشاريع الفكر التي لدينا والتي هي من صنع أبناء هذه الأمة تَوَجَّبَ علينا فرزها إلى ثلاثة أصناف من البحوث كل واحد لا يريد منافسا ولا ندا لأن كل صنف من هؤلاء المفكرين يرى انه يملك الحق لتزعم الإصلاح، وهذا امر يزيد الطين بلة.

الصنف الاول من هؤلاء هم ذووا الفكر الليبرالي العلماني المحض، أي القائلون بنسخ النمودج الغربي في واقعنا العربي الإسلامي، حيث أعادوا طرح أسئلة النهضة الاوربية بإعتبارها أسئلة تنويرية ظنا منهم أنها ستجلب الخير لامتنا كما جلبته للغرب ذا الثقافة والحضارة المختلفتين عن ثقافتنا وحضارتنا، وزعما منهم كذلك أن الفصل بين السلطة الدينية والسلطة المدنية هو ما يحقق التسامح والعدل والمساواة، وهذا نفس ما تقيد به "فرح انطوان" في دعوته لعلمنة الامة الإسلامية حينما نادى بأعلى صوته قائلا إن العلمانية هي الحل ما دام الإسلام دين ظلم وقهر كباقي الأديانK وهناك الكثيرون مثله ممن ادعوا الفكر التقدمي وناهضوا الفكر الرجعي المتمثل حسبهم في الفكر الإسلامي، لكن ألم يتساءل هؤلاء التقدميون أنه لو تم نسخ النموذج الغربي وعلمنة العقل العربي استبقى لنا بعد ذلك هوية عربية وثقافة إسلامية نعبر بها عن تاريخنا وعن انفسنا؟ أليس من السخف أن نلجأ إلى الإقتداء بمن اتكؤوا على فكر فلاسفتنا الإسلاميين حتى تقدموا ووصلوا إلى ما هم عليه؟

بينما الصنف الذي يظن انه المعتدل في الفكر الإصلاحي العربي الإسلامي، فهو كذلك لم يبتعد عن الإقتداء بالفكر الغربي كونه حقق تقدما هائلا ومن ثم قال زعماءه علينا أن ناخذ عن الغرب العقل ومناهجه التي حصل بها التطور هناك، مع الإبقاء على بعض من ثمراتنا الإسلامي فنؤلف بين ما هو حداثي وما هو ثراتي ونصلح ما أفسده الزمان، وهؤلاء كذلك كأنهم لم يكونوا يعلمون عن مدى التناقض والتنافر والتضاد الشاسع والواسع الحاصل بين ما هو غربي حديث وما هو إسلامي أصيل، فمثلا بخصوص العقل الغربي الذي سنستورده بمناهجه العلمية، اهو يوافق شريعتنا وينطلق من حيث تامر وينتهي حيث تنهي؟ وكيف يمكن لعقل علمي له أهداف مادية أن يحتكم إلى القيم والمبادئ الاخلاقية التي يمليها علينا ديننا ويحرص عليها؟ فما كان لهذا النوع الثاني من التفكير إلا أن يلقى معارضة ومحاربة كما حدث معا سابقه العلماني.

أما ثالث التوجهات الفكرية الإصلاحية داخل الوطن العربي فهي قليلة قلة ممثليها، الذين دعوا دعوة صريحة إلى التحرر من قيود الفكر الغربي وذلك بالتخلي عن طلب النمذجة والنسخ الآلي لما يمليه العقل الغربي لأن له واقعه الخاص به ولنا واقعنا العربي الإسلامي الخاص بنا، والذي لا يمكن أن ينهض إلا بالإتيان بمشروع إصلاحي من نفس جنسه، وبالتالي فلا حاجة لنا لإستقطاب مولودات الحداثة من مثل العقل المجرد والوضعية والعلمانية وما إلى ذلك، وبهذا كانت الدعوة صريحة إلى درء التقليد وطرق أبواب التجديد، وضرورة النزوح عن الإتباع وسلوك سبيل الإبداع، من اجل تأسيس مشروع نهضوي يماثل المشروع الغربي بل يفوقه وهو هذا الذي نراه في فكر الدكتور طه عبد الرحمن الداعي إلى التحلي بالاخلاق الإسلامية والتخلي عن العقل الغربي المجرد من الأخلاق، وقوله أن حداثة الغرب ليست واقعة حتمية لا يمكن تجنبها، بل هناك حداثات باختلاف الثقافات والحضارات، أي على العرب المسلمين أن يؤسسوا كذلك حداثتهم اعتمادا على تفعيل مناهج دينهم والتخلق بأخلاق شرعه والالتزام بمبادئه.

أليس هذا التصور يعيد لنا الآمال المفقودة جراء تشتت الفكر العربي الإسلامي؟ ألا يجوز أن يكون هذا مشروع ناجح ما دام يمس بجوهر الازمة التي تعانيها أمتنا؟

Leave your vote

0 points
Upvote Downvote

Total votes: 0

Upvotes: 0

Upvotes percentage: 0.000000%

Downvotes: 0

Downvotes percentage: 0.000000%

حسام نشراويMorocco, Marrakesh-Safi

Copyright © 2014 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

M. Alaadin A. Morsy, Ph.D.

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق



Hey there!

Forgot password?

Don't have an account? Register

Forgot your password?

Enter your account data and we will send you a link to reset your password.

Your password reset link appears to be invalid or expired.

Close
of

Processing files…

أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك

Warning: mkdir(): Disk quota exceeded in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 321

Fatal error: Uncaught exception 'Exception' with message 'Cache directory not writable. ZenCache needs this directory please: `/homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/cache/zencache/cache/http/ahlan-com/2014/07/02`. Set permissions to `755` or higher; `777` might be needed in some cases.' in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php:324 Stack trace: #0 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->WebSharks\ZenCache\Pro\{closure}('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #1 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/classes/AbsBaseAp.php(55): call_user_func_array(Object(Closure), Array) #2 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AbsBaseAp->__call('outputBufferCal...', Array) #3 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->outputBufferCallbackHandler('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #4 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-includ in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 324