اليهودي الذي ندد بالصهيونية

بقلم/
مصر : ۱۵-٦-۲۰۱٤ - ۵:۱۵ م - نشر

rodinsonغـنـيّ عـن البيان أنه ليس كل يهودي صهيوني وان ذهب العـديد منهم ضحية الدعاية الصهيونية، والمفكرون والفنانون اليهود يجاهرون بمعارضتهم للصهيونية ويعتبرونها "أيديولوجية عـنـصرية". وكان البروفيسور ألبـيـرت آيـنـشـتـاين، العالم الفيزيائي الشهير الذي وضع "نظرية النسبية"، من أشد المعارضين لفكرة إقامة الكيان الصهيوني في فلسطين، وكان يرى أن إقامة مثل هذا الكيان "يخلق مشاكل ليهود العالم بدلا من ان يكون حلا لمشاكلهم".

كان آيـنـشتاين ينادي بإقامة دولة في فلسطين يتعايش فيها العرب واليهود على حد سواء، وعـندما توفي حاييم وايزمان، أول رئيس للدولة الصهيونية، عـُرض منصب رئاسة الدولة على آيـنـشـتاين ولكنه أبدى نفوره من هذا العرض.

ولم يتردد هؤلاء المفكرون اليهود في التنديد بإنتهاك حقوق الأنسان الذي يمارسه العدو الصهيوني في الوطن المحـتـل، وما يقوم به من أعمال القتل والتخريب وتدمير المنازل وطرد السكان والاعتقال الجماعي، فها هو البروفيسور يشعـياهو لـيـبـوفـيـتـس، أستاذ الديانات في الجامعة العربية في القدس واحد ابرز الشخصيات الأكاديمية في إسرائيل، يقف في اجتماع حاشد عـقـد في تل ابيب ليحذر مستمعـيه من "التوجه نحو الفاشية" بسبب "السياسة الخرقاء" للحكومـة الإسـرائيليـة والمعاملة غير الإنسانية للفلسطينيين.

قبل عـشـر سـنـوات، في الثـالث والـعـشـرين من أيـار/مـايـو ٢٠٠٤ غـيـَّـبَ الـمـوت، في مرسيليا بجنوب فرنسا، العلامة والمستشرق الفرنسي البارز البروفـيـسـور مكسيم رودنسون، عن ٩٠ عاماً، أمضى معظمها في البحث والتنقيب العلمي واسع الأفق، خاصة في ما يتعلق بالقضايا العربية والإسلام، برؤية اجتماعية تاريخية يسارية.

مكسيم رودنسون، الذي كان يقرأ اللغة العربية ولهجاتها القديمة بسهولة، كان يتقن ثلاثين لغة أخرى، من اللغات الحية والميتة، بما في ذلك لغات جنوب الجزيرة العربية القديمة، سبأ وحِميَر، ولغات القرن الإفريقي، بما في ذلك لغات اثيوبيا القديمة، التي كانت اختصاصه الأول كأستاذ في كلية الدراسات العليا في باريس، كما كان رودنسون يجيد، بالطبع، عدداً من اللغات الاوروبية الحية. وهو بذلك كان موسوعي الاطلاع والمعرفة، ومن الحالات القليلة بين المستشرقين الغربيين الذين لم تكن تلوثهم الخلفيات الاستعمارية لعلم الاستشراق. وقد أنصفه العلاّمة الفلسطيني الراحل الـدكـتـور إدوارد سعـيد في كتابه الشهير Orientalism "الاستشراق" ذلك أن مكسيم رودنسون كان ماركسي التكوين الفكري والثقافي منذ شبابه المبكر.

ولد رودنسون في باريس في العام ١٩١٤ لوالد من أصول روسية هاجر الى فرنسا، وقضى هو وزوجته، والدة مكسيم، إبان الحرب العالمية الثانية، في معسكرات الإعـتـقـال النازية، لكونهما في آن واحد شيوعيين ومن أصول يهودية. فقد انتمى رودنسون الشاب عام ١٩٣٧ الى الحزب الشيوعي الفرنسي، وبقي عضواً فيه زهاء العشرين عاماً، حيث انقطعـت علاقته بالحزب إثر تدخل القوات السوفييتية في المجر في تشرين الأول عـام ١٩٥٦ لضرب حركة التمرد القومي هناك.

وهكذا غادر رودنسون الحزب الشيوعي حين كان الحزب في أوج نفوذه، فـتعرض لحملة عنيفة ضده استمرت سنوات. ثم عادت الأمور، بعد ذلك، الى علاقة أهدأ، وسعت قيادة الحزب في أواخر الستينات الى إعادة العلاقة مع رودنسون من خلال إشراكه في عدد من الفعاليات والهيئات الثقافية القريبة من الحزب. لكن مسألة استعادة العضوية في الحزب لم تعد مطروحة لدى رودنسون، الذي انكبّ على العمل البحثي والدراسي، معتبراً نفسه، كما قال لي ذات مرة، "ماركسياً مستقلاً". وبالفعل، انطبعت كافة أعمال رودنسون الفكرية وممارساته السياسية في الإطار الفكري والمبدئي بهذه السمة، حيث بقي وفياً لأفكار ماركس الجوهرية ونهجه التحليلي، كما بقي صاحب مواقف مستقلة يحددها ضميره وقناعاته النابعة من هذا الفكر ومن رؤيته للعالم وقضاياه الرئيسية.

وبما أنه من أصول دينية يهودية ويعمل في مجال الإستشراق، فقد اهتم مبكراً بقضايا العالم لعربي، وخاصة الصراع العربي الإسرائيلي، وكان يروي أن والديه اليساريين كانا مناهضين للحركة الصهيونية، التي كانت تلقى معارضة واسعة في أوساط اليهود في أوروبا الغربية في الثلث الأول من القرن العشرين، لأسباب متعددة، منها الانتماءات اليسارية بالنسبة للبعض، والرغبة في تدعيم الاندماج في مجتمعات الغرب الأوروبي وعدم الظهور كأصحاب مشروع خارجي بالنسبة للبعض الآخر، أو الخلفيات الدينية التي كانت ترى في المشروع السياسي الصهيوني تعارضاً مع المفاهيم الدينية التقليدية، وهو الموقف الذي ما زالت تعبّر عنه تيارات يهودية دينية مثل جماعة ناطوري كارتا، التي ترفض، حتى الآن، الاعتراف بوجود ومشروعية دولة إسرائيل، حتى بالنسبة لأعضائها المقيمين في القدس الغربية.

وهكذا كان رودنسون ماركسياً أولاً، ومواطناً فرنسياً يحمل أفكاراً أممية وإنسانية ثانياً. ورغم تركيزه على العمل البحثي الفكري، لم يكن ليبقى بمنأى عن تحديد المواقف تجاه قضايا العصر، من حرب التحرير الجزائرية، التي ناصرها، الى الصراع العربي الإسرائيلي الذي اتخذ منه موقفاً مبدئياً مناهضاً للصهيونية وداعماً لحقوق الشعب الفلسطيني الوطنية، مع حرص شديد على استقلاليته الفكرية الشخصية، وعلى أممية وإنسانية الحل المنشود للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

ومع الموقف القوي المنتقد لإسرائيل الذي اتخذه الرئيس الفرنسي شارل ديغول في حزيران ١٩٦٧، ومع صعود المقاومة الفلسطينية واحتلالها لمساحة متزايدة من الاهتمام السياسي والإعلامي العالمي تغيّر المناخ الى حد كبير في فرنسا، كما في العديد من دول أوروبا، وهذا ما جعل موقف مكسيم رودنسون أقل صعوبة على المستوى الشخصي، وجعل كتاباته في الشأن العربي الإسرائيلي أكثر رواجاً في فرنسا والعالم الغربي عموماً، وشارك رودنسون، مع عدد من المستشرقين الآخرين، مثل جاك بيرك، وعدد من المهتمين بالشأن العربي، في تأسيس "جماعة البحث والعمل من أجل فلسطين" التي كانت تعقد ندوات وتصدر نشرات توضيحية حول الوضع الفلسطيني، وفي وقت لاحق، وخاصة بعد الثورة الإيرانية في العام ١٩٧٩، أصدر رودنسون كتباً ومقالات عديدة عن الإسلام والحركات الإسلامية ومـواقف الدول الغربية مـنـهـا.

وفي تراثه البحثي الواسع منذ مطلع ستينات القرن الماضي، يمكن الإشارة الى كتابه عن النبي "محمد" صلى الله عليه وسلم، الذي صدر عام ١٩٦١، الذي ترجم الى ٧٠ لغة من لغات العالم، ثم في أواخر الستينات، كتاب "الإسلام والرأسمالية" وكتاب "إسرائيل والرفض العربي: ٧٥ عاماً من التاريخ"، ثم كتاب "الماركسية والعالم الإسلامي" في العام ١٩٧٢، وكتاب "العرب" في العام ١٩٧٩ وبعد الثورة الإيرانية كتاب "جاذبية الإسلام" عام ١٩٨٠ وكتاب "شعب يهودي أم مسألة يهودية؟" في العام ١٩٨١، "الإسلام: سياسة وعقيدة" عام ١٩٩٣، و"من بيثاغوروس الى لينين" في العام ذاته، وكتب ومقالات عديدة أخرى أصدرها أو كانت نتاج حوار طويل معه، ككتاب "بين الإسلام والغرب" عام ١٩٩٨.

وإثر وفاته، كتب عنه المناضل الجزائري محمد حربي، القيادي السابق في جبهة التحرير الوطني الجزائرية، في صحيفة "لوموند" الفرنسية يقول: "لقد مات مكسيم رودنسون، ولكن ليست أعماله. وهذه الأعمال، الغنية والمنفتحة، والراهنة والدائمة في آن واحد، لن تبقى رهينة غبار المكتبات والنقد القارض للفئران… وهي تبقى إسهاماً مهماً يغني الحركة التقدمية العربية".

وبـعــد ؛

لقد كان لي شرف التعرف الى هذه الشخصية الاكاديمية الفـذةَّ، وقد التقيته غير مرة في ستوكهولم ولندن وباريس وبرلين واوسلو، حيث شاركنا سوياً في ندوات ومؤتمرات للتضامن مع نضال الشعب الفلسطيني… وفي كل هذه الندوات كان البروفيسور رودنـسـون يؤكد تعاطفه العميق وتضامنه الثابت مع طموحات الشعب الفلسطيني وتأكيده لحقوقه الوطنية المشروعة بما في ذلك حقه في العودة الى وطنه، وحقه في تقرير مصيره ، وحقه في اقامة دولته المستقلة على تراب وطنه، كما أنه لم يكن لـيـتـردد لحظة في التنديد بالصهيونية وممارستها اللاإنسانية ضد الفلسطينيين، وغالبا ما كان يقارن بينها وبين النازية التى اكتوى والـداه بنارها.

ومهما كان رأينا في أفكار وتحليلات رودنسون، ويمكن الاتفاق معها أو مع معظمها والاختلاف مع بعضها، وهذا من طبيعة الأمور، فإن ما لا يمكن إنكاره أن هذا الرجل، الذي نشأ في بيئة يسارية ويهودية ولكن معارضة للصهيونية في آن واحد، شكّل علامة مهمة في مسار الدراسات الاجتماعية التاريخية والسياسية العالمية الجادة عن العالم الإسلامي، دون أن تلوثه نزعات الاستعلاء وخدمة المشاريع الاستعمارية، التي ميّزت العديد من الكتابات الاستشراقية.

د. عبد القادر حسين ياسينSweden, Västra Götaland

كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد

Copyright © 2014 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك