الاستقطاب السياسي بين السيسي وصباحي
وحسابات ما بعد انتخابات الرئاسة المصرية

بقلم/
مصر : ۸-۵-۲۰۱٤ - ۷:۰٦ ص - نشر

sisi-sabahi-300بينما يقترب الاستحقاق الثاني لخارطة المستقبل من نهايته، تتسابق الأحزاب والقوى السياسية إلى تحديد مواقفها من سباق الرئاسة المزمع إجراءه يومي ٢٦ و٢٧ مايو الجاري، ولاسيما بعد إعلان القائمة النهائية للمرشحين لتنحصر المنافسة بين عبد الفتاح السيسي وحمدين صباحي.

وفي إطار ذلك بدأت تتبلور حالة من الاستقطاب الحزبي والسياسي، فأعلنت أحزاب الوفد والمصريين الأحرار والتجمع والمؤتمر والناصري والنور تأييدها للمرشح عبد الفتاح السيسي، وأعلنت أحزاب الكرامة والدستور والعدل وحزب التحالف الشعبي تأييدهم للمرشح حمدين صباحي.

ورغم حالة الاستقطاب تلك، وفي ضوء انحصار المنافسة بين السيسي وصباحي، إلا أن بعض الأحزاب والقوى السياسية قد آثرت رفع راية الحياد فلم تُبد موقفاً محدداً تجاه أي من المرشحين، وكان من أبرز تلك القوى جبهة الإنقاذ الوطني، والحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، في حين سيطر الصمت على عشرات الأحزاب التي ولدت بعد ٢٥ يناير والتي لم تعلن عن مواقفها حتى الآن، وكأنها ولدت فماتت دون أن يشعر بها أحد.

بينما تتجه أحزاب التكتل الموالي لجماعة الإخوان والرئيس المعزول محمد مرسي أو ما يسمى بـ"تحالف دعم الشرعية" وأبرزها أحزاب الحرية والعدالة والوسط والبناء والتنمية إلى تبني خطاب إعلامي مغاير تماماً لما يحدث في مصر بعد ٣٠ يونيو ٢٠١٣، فلسان حالها هو نفس ما تروج له قياداتها الهاربة في الخارج من خلال صفحات التواصل الاجتاعي أو قنواتهم الفضائية وخاصةً قناة الجزيزة القطرية، فهم لا يدخرون جهداً ولا وقتاً إلا ويستغلونه لوصف السلطة الانتقالية في مصر بأنها سلطة إنقلاب، ومع ذلك لا تزال هذه الأحزاب قائمة رسمياً فلم يصدر في حقها أية قرارات من لجنة شئون الأحزاب أو أية أحكام قضائية بحلها أو حظر نشاطها، الأمر الذي يطرح تساؤلات جوهرية في هذا الشأن بعد اتباع قياداتها وأنصارها أساليب تحريضية وتخريبة ضد مؤسسات الدولة من الشرطة والقوات المسلحة تندرج تحت بند الجرائم الارهابية، بل تجاوزت ذلك إلى حد التخابر والخيانة العظمى.

وفي السياق ذاته ذهبت بعض الحركات السياسية والشبابية هي الأخرى إلى إعلان موقفها من الانتخابات، ومنها جبهة مصر بلدي وعدد من القوى الوليدة بعد ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣ التي أعلنت تأييدها للسيسي وكان لها سبق تدشين عدد من الحملات الشعبية لحث السيسي على الترشح لمنصب رئيس الجمهورية إبان توليه منصب وزير الدفاع، وذلك تقديراً للدور الذي لعبه في إزاحة حكم جماعة الإخوان، كما أعلنت حركة تمرد هي الأخرى تأييدها للسيسي مرشحاً للرئاسة على لسان مؤسسها محمود بدر في سياق تحول جديد ستقوم الحركة في إطاره بتأسيس حزب سياسي لها عقب انتخابات الرئاسة المقبلة، وذلك رغم حالة الانقسام الداخلي للحركة على المستوى المركزي أو على مستوي المحافظات ولاسيما بعد إعلان حسن شاهين دعم صباحي هو وعدد من شباب الحركة.

وعلى الجانب الآخر أعلن التيار الشعبي تأييده للمرشح حمدين صباحي فالأخير زعيم التيار ومؤسسه بعد خسارته في انتخابات الرئاسة الماضية من الجولة الأولى عام ٢٠١٢، كما أيدت حركة الاشتراكيين الثوريين ذات التوجه اليساري المتطرف ترشيح حمدين صباحي، هذه الحركة التي قد سبق أن أعلنت عن توجهها الرافض لإشراك العسكريين في العمل السياسي رافعين شعارات مناهضة للمؤسسة العسكرية المصرية، ومؤخراً أعلنت حركة شاب ٦ إبريل الجبهة الديمقراطية عن موقفها بترك أعضائها يقررون ما يشاؤون، بعد أن تباينت الآراء داخلها بين رفض ترشيح السيسي وتأييد حمدين صباحي ومقاطعة الانتخابات، في حين لم تعلن جبهة أحمد ماهر، المحبوس حالياً بتهم خرق قانون التظاهر والتعدي على المؤسسات العامة، عن موقفها من الانتخابات، وإن كان معلوماً أنها لن تدعم السيسي وقد تتجه لدعم صباحي، جدير بالذكر أن ٦ ابريل قد صدر في حقها حكماً من محكمة الأمور المستعجلة بحظر نشاطها ومصادرة أصولها، بما قد يقضي عليها تماماً.

في ظل هذه التفاعلات السياسية مع أحداث المشهد المتلاحقة، والتي تنطلق من محاولة كل فصيل سياسي تعظيم مكاسبه السياسية وفرض أجندته على الأرض إما بإظهار تأييده لهذا المرشح أو ذاك، أو من خلال الدخول في عملية إحماء سياسي وانتخابي تمهيداً للحدث الانتخابي الأكثر سخونة، وهو انتخابات البرلمان المقبلة، من خلال تحريك قواعدها الشعبية وكسب مؤيدين جدد هم في الأصل مؤيدين للمرشح هذا أو ذاك، والدفع بعناصرها وكوادرها المحتملة لخوض أتون المنافسة على مقاعد البرلمان القادم.

إلا أن الملفت للنظر من خريطة الاستقطاب تلك، ما يلي:

١- حالة الفسيفساء الحزبية التي باتت تتكون حول المرشح عبد الفتاح السيسي، فهذا الرجل صاحب التوجه الوسطي دينياً المعتدل سياسياً والأميل لليسار فكرياً واقتصادياً، استطاع أن يؤلف حوله دوائر متناقضة من التأييد، فقد أعلنت دعمه أحزاب يسارية وأخرى ليبرالية وثالثة معتدلة ورابعة سلفية، وكأن هذا التنوع الأيدلوجي والسياسي بمثابة لوحة تشكيلية تعكس حالة التوافق الشعبي العريض له، مقارنه بمنافسة الذي لم يحظ بهذا القدر من التنوع في دوائر التأييد.

٢- الشعبية الجارفة التي يتمتع بها السيسي مقارنة بحمدين صباحي وهذا ما بينته العديد من استقصاءات الرأي العام، والتي قد يُفهم منها أنه مهما بلغت شعبية تلك الأحزاب والقوى السياسية كافة فهي تتضاءل عشرات بل مئآت المرات أمام شعبية هذا المرشح، فتأييدها له لن يُزيد أو يُنقص من شعبيته شيئا، فتلك القوى قد بنت موقفها على المصلحة السياسية النابعة من الفرص الكبيرة التي يتمتع بها هذا المرشح في الفوز، الأمر الذي سينعكس مستقبلاً في حسابات هذه القوى مع السلطة الجديدة وتحديداً ما يخص بعض القضايا والمسائل التي ستحتاج قدر من التوافق السياسي العام عليها، لاسيما في ظل عدم وجود سلطة تشريعية منتخبة، مثل قانون الانتخابات البرلمانية والنظام الانتخابي وقانون مباشرة الحقوق السياسية.

٣- من الوارد أن تتطور دوائر التأييد المحيطة بكل من المرشحين إلى تحالفات سياسية وانتخابية أكبر بعد انتخابات الرئاسة، ولكن يبقى السؤال هل يمكن أن تتحالف المتناقضات مع بعضها؟ بمعنى هل من الممكن أن يتحالف اليساري والسلفي في كيان واحد؟ قد يكون ذلك صعباً ولكنه محتمل في حالة المرشح عبد الفتاح السيسي مع بعض دوائر التأييد، ولا يجب أن يذهب الذهن هنا إلي التحالف الانتخابي الذي دشنه حزبي المؤتمر والتجمع بغرض الحشد الانتخابي للسيسي، لكونه مرهون بالانتخابات الرئاسية فقط وقد لا يمتد بعد ذلك، فالمقصود بالتحالفات هنا هي تلك التي من الممكن أن تتحد هيكلياً أو على الأقل سياسياً بغرض المنافسة على مقاعد البرلمان المرتقب، وهذا يتطلب عمل ومجهود شاق من كافة المعنيين بمثل هذه التحالفات خلال الفترة المقبلة. بينما قد تصبح امكانية انجاز مثل تلك التحالفات أكبر في حالة المرشح حمدين صباحي حيث تتماهى الاختلافات الايدلوجية والسياسية بين غالبية دوائر التأييد المحيطة به، فليس ببعيد أن يصبح لدينا تحالفين كبيرين أحدهما يمثل الدولة في صورة السيسي، والآخر يمثل المعارضة بصيغة صباحي، وبينهما قد نجد قوى ثالثة متناثرة لا تجد في نفسها قابلية الاندماج أو التحالف مع هذا أو ذلك إما لدوعي أيدلوجية أو بنيوية أو غيرها.

ومع ذلك تظل إشكالية عدم وجود قوى حزبية أو سياسية قادرة على ملء الفراغ السياسي قائمة رغم حالة الترهل الحزبي الذي تشهده الساحة السياسية، فتصريح عبد الفتاح السيسي في أول حوار تلفزيوني له بعد إعلانه مرشحاً رسمياً بأنه لن يُنشئ حزباً سياسياً ولن ينضم لأي حزب سياسي حال فوزه في الانتخابات والذي فسره البعض بأنه ذكاء سياسي يخاطب به القلق الكامن في ذهنية الناخب المصري، فالمصريون بعد ٢٥ يناير ٢٠١١ باتوا لا يحبذون الرئيس الحزبي أو المنتمي لحزب سياسي، لكنى أجد فيه القصد بفعل ذلك ولكنه من المحتمل أن يسعى نحو تحريك الأمور في اتجاه تكوين كيان سياسي ضخم يضم قوى سياسية قائمة وقطاعات كبيرة من النخب الجديدة والسياسيين السابقين بهدف تشكيل تنظيم سياسي يكون بمثابة ظهير سياسي لإدارته وحكمه.

وفي سياق ذلك فقد قام صباحي بحجز مقعده مبكراً في صفوف المعارضة، حسبما صرح بأنه سينضم إلى صفوف المعارضة حال فوز السيسي بالرئاسة، فما تقوم به حملته الآن من عمل ميداني في حشد أكبر عدد ممكن من الأصوات ليس لكي ينجح مرشحها ولكن لاظهار حجم التيار الذي يقف خلفه ويدعمه إعلامياً وشعبياً تمهيدا لتأسيس جبهة تشكل رقماً مهماً في المعارضة تنافس في انتخابات البرلمان المقبل، ليبقى التساؤل الأهم: من سيشكل الحكومة في عهد السلطة الجديدة؟

وهو ما يفرض على القوى السياسية الحالية مسؤولية أكبر في إعادة ضبط مسار العمل الحزبي من خلال إعادة النظر في آليات عملها وإعادة صياغة برامجها وخطابها السياسي والنظر في إمكانية الإندماج فيما بينها، والتواجد في الشارع من خلال قواعدها وكوادرها، فطبيعة الحسابات التي تبني عليها هذ القوى مواقفها قبل انتخابات الرئاسة من المحتمل أن تتغير بعدها ولاسيما مع سعي كل فصيل إلى جني أكبر قدر ممكن من المكاسب على ضوء الأوضاع السياسية الجديدة التي تم إقرارها في دستور ٢٠١٤ والخاصة باختصاص البرلمان في تشكيل الحكومة، وعلى الرئيس القادم أن يدرك أن مصلحة الوطن تقتضي وجود معارضة مدنية تمتلك قدرات المنافسة في الانتخابات القادمة من أجل سحب البساط من تحت جماعات الإسلام السياسي وذلك من خلال الانتشار والتغلغل داخل الفئات التي تسللت إليها تلك الجماعات بأفكارها المسمومة وأساليبها الملتوية.

Leave your vote

0 points
Upvote Downvote

Total votes: 0

Upvotes: 0

Upvotes percentage: 0.000000%

Downvotes: 0

Downvotes percentage: 0.000000%

السيد عبد الوهابEgypt

Copyright © 2014 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق



Hey there!

Forgot password?

Don't have an account? Register

Forgot your password?

Enter your account data and we will send you a link to reset your password.

Your password reset link appears to be invalid or expired.

Close
of

Processing files…

أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك

Warning: mkdir(): Disk quota exceeded in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 321

Fatal error: Uncaught exception 'Exception' with message 'Cache directory not writable. ZenCache needs this directory please: `/homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/cache/zencache/cache/http/ahlan-com/2014/05/08`. Set permissions to `755` or higher; `777` might be needed in some cases.' in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php:324 Stack trace: #0 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->WebSharks\ZenCache\Pro\{closure}('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #1 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/classes/AbsBaseAp.php(55): call_user_func_array(Object(Closure), Array) #2 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AbsBaseAp->__call('outputBufferCal...', Array) #3 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->outputBufferCallbackHandler('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #4 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-includ in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 324