لسنا هنوداً حُمر ولا نكره أحدا

د. مروان هائل عبد المولى
مصر : ۲۱-۹-۲۰۱۳ - ۱:۰۱ م - نشر

رفض أبناء شعب جنوب اليمن المتهمين الآن بالانفصال ومن البداية شكل الوحدة الفيدرالية والكون-فدرالية وقالوا نطالب بوحدة اندماجية لأنها وحدة أخوة وقلوب صافية، ولكن ما لم يكن يعلمه أبناء الجنوب في تلك اللحظة أن شريك الوحدة هم نُخبه من مشايخ القبائل الذين دخلوا الوحدة وفق سيناريو محكم أعدوه مسبقا بالاشتراك مع الدجالين المتاجرين بالدين، وأن أعينهم كانت على الأرض والثروة الجنوبية ومن ثم تدمير الثقافة المدنية المتوارثة من الاحتلال الانجليزي ومدارس التعليم ما بعد الاستقلال في دولة القانون الجنوبية وإلغاء مصطلحات عصرية كالمدير والعامل والطالب والمدرس والجندي حامي الوطن والقانون والدستور، وزرع بدلا عنها مفاهيم غريبة عن الجنوب كالقبيلة والعسكر والطقم العسكري والرشوة والشيخ الزعيم والشيخ السلفي والوهابي وقتيل ودية وعاقل الحارة.

 

مرحلة الوحدة كشفت ما كان يضمر للجنوب وكيف يُنظر لأبنائه من قبل نُخب القبائل والعسكر في الشمال، حيث اكتشف الجنوبيون أن شيوخ القبائل يعتبروهم بقايا هنود وصومال ويهود وفرس وأتراك وأحباش وهو الشيء الذي لم يشعر به أبناء الجنوب قبل الوحدة في كل المحافظات الجنوبية بسبب التعايش الأخوي والتسامح الديني في ثقافتهم.

وكانت الطامة الكبرى للجنوبيين حينما سمعوا كلمات عنصرية جديدة تقول إن الجنوب هو الفرع والشمال هو الأصل، الأول يخضع وينفذ والثاني يحكم ويأمر، واتهامات للفرع (الجنوب) بأنه هندي يرقص ويغني ويسهر على أنغام العود والطرب العدني والحضرمي والفل والدان اللحجي ونساء غير محجبات، بينما الأصل (الشمال) شيخ قبيلي وديني ومسلم يمني أصلي ١٠٠% بلحية حمراء وبيضاء.

الفرع شيوعي يعلم المرأة ويساويها بالرجل ويعطيها حقوقها وتحتل مراكز متقدمة في أجهزة الدولة، وهو سلوك غير طبيعي من وجهة نظر الشماليين، بينما هم الأصل القبلي يعرف زواج الأربع ويعرف السلاح ويتغاضى عن ثقافة الغدر والقتل بدم بارد والسيارات المفخخة والقات والشمة والثأر والشحت وتهريب النساء والأطفال إلى مدن السعودية والكويت لأغراض متعددة بعضها مخزية، كان الفرع قبل الوحدة يفصل الدين عن السياسة واستطاع أن يبني دولة القانون والمؤسسات، بينما الأصل استغل الدين والمذهب والعرق وحق العلو القبلي وبنى دولة القبيلة والسلاح.

منذ اللحظات الأولى للوحدة بدأ الإجرام المنظم وبدون مقدمات، قامت فرق الموت الإسلامية التكفيرية والقبلية والحزبية والعسكرية الشمالية بالتدخل في مدن الجنوب من عدن إلى المهرة وفق مخطط جهزوه سلفاً وبدأت هذه الفرق تقتل من يعارضها وتشتري من يبيع وتبتز وترهب العنيد وفق مفاهيم غرسوها في أذهانهم نُخب القبيلة والعسكر في الشمال بأن أبناء الجنوب ملحدين وليسوا أصحاب أرض، وأن مدينة تريم التي في حضرموت والتي تحتوي نحو ٣٦٠ مسجداً تقع خارج الجغرافيا الجنوبية.

كانت فرق الموت تفجر السيارات والفنادق وتغتال الكوادر الجنوبية وتنهب الأرض والممتلكات، وحتى المقابر وأضرحة الأولياء الصالحين لم تسلم من عبثهم وتدميرهم، وكانت تلك الفرق تشعر بأن أعمالها هذه حلال وضد غرباء لايستحقون الأرض ويجب إخراجهم منها وكأنهم هنود حمر يسكنون في خيم وعلى رؤوسهم قبعات وعليها ريش ملون. وبعد سياسة ترهيب وقتل واستيلاء منظم على أجزاء كبيرة من الجنوب وبالحالتين العنيف والناعم الأخوي الديني الإسلامي، أصبح الظلم والاضطهاد لايقاوم واستشعر الجنوبيون أن هناك مؤامرة ضدهم وكان الوقت قد فات ولم يكن هناك من خيار أمامهم سوى الدفاع عن وطنهم مع علمهم بفارق الإمكانيات والسلاح وتغلغل الشماليين في الجنوب.

إندلعت الحرب في ١٩٩٤ وقاوم الجنوبيون ولكن في النهاية سقط الجنوب في حرب خادعة وماكرة وغير عادلة في يد القبيلة والعسكر والجهاديين المحليين والمستوردين وعاثت القبيلة وهذه الجماعات الجهادية بعد الحرب فسادا وقتلا في الجنوب ونشرت الفكر التكفيري التدميري الديناصوري ومزقت النسيج الاجتماعي المدني الجنوبي الذي لازال يعاني من ذلك حتى الآن.

ولم تكتفي "القبيلة" بذلك بل واصلت تفريخ أشكالها وعقليتها المتخلفة والمتطرفة والكريهة في مدن الجنوب، وكلما انتفض الجنوبيون بمظاهرات سلمية للمطالبة بالعدل والحرية والمساواة اتهموهم بأنهم كفار وشيوعيون ودليلهم أن في عدن كان هناك مصنع بيرة، الذي هم من قام بتفكيكه ونقله بعد الحرب إلى جيبوتي وإعادة تركيبه وتشغيله هناك من جديد.

جفت أقلام أبناء الجنوب وهم يكتبون ويطالبون ببناء دولة القانون وبحقوق متساوية مع الشماليين ولكن لا حياة لمن تنادي وفهم أغلب الجنوبيون أنهم محبوبون في حالتين فقط الأولى بسبب ثروات أرضهم والثانية عندما يكونوا في إحدى هذه الحالات الثلاث: إما موتى أو مهاجرين أو عبيد، حينها قرر أبناء الجنوب وبطريقة سلمية الخروج إلى الشارع وبشكل مكثف وحاميهم الله للمطالبة بتصحيح أوضاع الوحدة وإعادة حقوقهم ودولتهم التي سيطرت عليها القبيلة وأعرافها وعساكرها.

كثيرة هي الخروقات التي طالب الجنوبيون بتصحيحها، ولكن من منطق المنتصر القبيلي المتعجرف، رُفضت مطالبهم وأطلقوا عليهم الرصاص الحي وقتلوا الأطفال والنساء والشباب وكبار السن، ولم يكتفوا بذلك بل ومن أعلى المستويات انهالت عليهم الاهانات والشتائم وذكروهم كالعادة بأنهم ليسوا من أصول يمنية وليس لهم إي حقوق أو مطالب ولا يستحقون وطنهم الجنوبي الذي ولدوا وتربوا فيه لأنه فرع تابع لهم.

وكالعادة لم تكتفي تلك العقليات بذلك بل تابعت وبشكل مكثف بنشر التجهيل الممنهج في الجنوب مع نشر الحبوب المخدرة والسلاح في أوساط الشباب يرافقه محاولات تفريغ لمكونات الحراك السياسي الجنوبي الذي يعاني من بعض الثغرات وذلك بسبب قيام النُخب القبلية بشراء بعض ضعفاء النفوس من مكوناته والتي حاولت من خلالهم زرع الفتن والانقسامات وفوضى المناطقية، ومن منطلق هذه السياسة الناقصة الأخلاق أرادت القبيلة الحاكمة أن يخامر الجنوبيين الشعور بالعار إزاء هويتهم وأصولهم وخلق حالة متناقضة ومزدوجة لديهم تخل بانتماءاتهم الوطنية والجغرافية للجنوب، ولكن كل أعمال التشكيك في هويتهم والممارسات الجبانة ضدهم كانت تنم عن حالة من القلق والخوف المتصاعد للنُخب القبلية على مصالحها الضخمة في الجنوب التي حصلوا عليها عن طريق النهب واستخدام القوه العسكرية وكان خوفهم يرتفع سقفه مع تزايد النقمة الشعبية الجنوبية ضدهم وزيادة عدد حشود المظاهرات التي يرعبهم بها الحراك الجنوبي ويعريهم بسببها داخلياً وخارجياً.

ما يجب أن تعرفه هذه النُخب الحاكمة في صنعاء أن إرادة الشعوب لا تنكسر والتاريخ مليئ بالأمثلة، ويقال أن من ينسى التاريخ يفقد الجغرافيا، والجنوبيون لم ينسوا تاريخهم الذي حدوده السماء، وجغرافيتهم فيها أجمل مدن الأرض وهي عدن.

يا سادة الجنوبيون ليسوا هنودا حُمر لينقرضوا ويختفوا، وخطيئتهم التاريخية الوحيدة سوف تصحح وبإرادة شعبية جنوبية مهما كثرت المؤتمرات وأشكالها وتلونت مقترحات المبعوث الأممي إلى اليمن السيد جمال بن عمر، ودائما سوف يفتخرون بأصولهم الجنوبية اليمنية والهندية والصومالية والفارسية والبنجالية والحبشية… وبأي أصول أخرى طالما ولدت على أرض الجنوب وتنتمي إليه، ربما يختلفون في عناصر أخرى وهي ظاهرة طبيعية في كل المجتمعات المتحضرة، لكنها غير مؤثرة، كونهم جميعا أبناء الجنوب وهذا هو الأساس، فما يجمع الشعب الهندي بكل طوائفه يا جهله القبيلة غير وجودهم في وطن واحد وتاريخ طويل مشترك رغم اختلاف الطوائف والأديان؟ والذي لا تعجبه أصول الجنوبيين هذه مشكلته وليشرب من المحيط الهندي.

د. مروان هائل عبد المولى اليمن

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

Leave your vote

0 points
Upvote Downvote

Total votes: 0

Upvotes: 0

Upvotes percentage: 0.000000%

Downvotes: 0

Downvotes percentage: 0.000000%

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق



Hey there!

Forgot password?

Don't have an account? Register

Forgot your password?

Enter your account data and we will send you a link to reset your password.

Your password reset link appears to be invalid or expired.

Close
of

Processing files…

أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك

Warning: mkdir(): Disk quota exceeded in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 321

Fatal error: Uncaught exception 'Exception' with message 'Cache directory not writable. ZenCache needs this directory please: `/homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/cache/zencache/cache/http/ahlan-com/2013/09/21`. Set permissions to `755` or higher; `777` might be needed in some cases.' in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php:324 Stack trace: #0 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->WebSharks\ZenCache\Pro\{closure}('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #1 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/classes/AbsBaseAp.php(55): call_user_func_array(Object(Closure), Array) #2 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AbsBaseAp->__call('outputBufferCal...', Array) #3 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->outputBufferCallbackHandler('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #4 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-includ in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 324