تدخل حلف شمال الأطلسي في ليبيا حماية المدنيين أم المصالح الإستراتيجية؟ ٢

مصر : ۲۹-۸-۲۰۱۳ - ۸:۱٤ م - نشر

إن التراجع الأمريكي عن التدخل في ليبيا، بين للأوروبيين أنهم يحتاجون الى الكثير من العمل الشاق والوقت الطويل لكي يلعبوا دورا مستقلا عن الولايات المتحدة، كما تبين لأوروبا بأن العمليات العسكرية باهظة الثمن. وأن الولايات المتحدة مستاءة جدا من الأوروبيين لأنهم دائما ما كانوا يأتون لكي يتقاسموا الغنائم مع الأمريكيين في الكثير من عملياتها، ويقول مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق زبيغينيو برجنسكي "الأوروبيون يلزمهم الكثير من العمل والوقت لكي يستطيعوا أن يخططوا لأنفسهم طريقا مستقلا عن الولايات المتحدة".

فيما يخص الإتحاد الأوروبي، فإنه يواجه عائقين أساسيين فهو يفتقر إلى الإمكانات المدنية والعسكرية اللازمة والعائق الثاني يتعلق بالبنية المؤسساتية في الإتحاد الأوروبي وطريقة عملها، فالمؤسسات الإدارية المسؤولة عن السياسة الخارجية والأمنية بما فيها هيئة العمل الخارجي الأوروبي لا تزال قيد البناء.

لقد كان الدفع الفرنسي البريطاني في اتجاه التدخل بمثابة أحدث مثال للسياسة الخارجية، يضرب بواسطة عدد ضئيل من البلدان الأعضاء البالغة النشاط، والواقع أن التوصل الى اتفاق حول أي شيء أمر بالغ الصعوبة بالنسبة للبلدان الأعضاء السبعة والعشرين في الإتحاد الأوروبي، فمثلا لم تكن ألمانيا راغبة دوما في المشاركة في التدخل، والواقع أن امتناعها عن التصويت لقرار مجلس الأمن رقم ١٩٧٣، الذي وضعها في نفس المعسكر مع البرازيل وروسيا والهند والصين، إشارة واضحة إلى أن سياستها الخارجية تتأثر بالمخاوف الاقتصادية أكثر من تأثرها بالتضامن الأوروبي، وقد لاحظ تقييم المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن جهود ألمانيا في التعامل مع الأزمة الاقتصادية لم تترك حيزا كبيرا للشؤون الخارجية، لكن التحفظ الألماني لم يشل أوروبا، وقدر التقييم الانقسام الأوروبي باعتباره سببا لإخفاق أوروبا على الساحة العالمية، ولكن الدرس المستفاد من التدخل في ليبيا هو أن الانقسام يمكن تجازوه إذا توافرت الإرادة، رغم أن هذه الانقسامات بين بلدان الإتحاد كانت سبب في التأثير على قدرة الممثلة العليا كاثرين اشتون على التحدث باسم أوروبا فيما يتصل بقضية ليبيا، لكن من المتوقع مع تنامي أزمات دول جنوب المتوسط أن تنشأ سياسة خارجية أوروبية أكثر تماسكا.

بالعودة إلى حلف الأطلسي، نجد بأنه كان يعاني من عدم التنسيق بين الدول في تبادل المعلومات الاستخبارية، وأفتقر إلى المخططين المختصين والمحللين وأعتمد كليا على طائرات الاستطلاع الأمريكية، ورغم المشاركة الضعيفة لأمريكا، كانت لدى الحلف سوى ٤٠% من طائرات اعتراض الاتصالات الالكترونية، كما أن المعلومات الاستخبارية كانت تستقى من قواعد وبينات لدول منفردة، ولا تنقل بشكل سريع لأعضاء الحلف والشركاء، لأسباب ربما تتعلق بالسرية والإجراءات والصحة، كما أن قيادة الحلف في إيطاليا عانت من نقص في المستشارين القانونيين ومخططي الشؤون اللوجيستية والمتخصصين في إختيار الأهداف. هذا الأمر سيدفع الحلف في شهر فبراير من هذه السنة إلى الدعوة من خلال المبادرة الفرنسية بدعم من الإدارة الأمريكية إلى امتلاك أنظمة مراقبة جوية-أرضية متخصصة في تعقب واستهداف القوات البرية المعادية، بالإضافة الى الزيادة في أسطول الحلف من طائرات التزود بالوقود.

رغم ضعف مقدرات الناتو والقوات البرية للثوار ومحدودية عملية الحظر الجوي وبطئه، نجح الناتو في تحقيق بعض الاهميات الجيوسياسية والجيوطاقية، تعود على دول التحالف بالمكاسب، فقد حطم الناتو الترسانة العسكرية الليبية وقضى على أي تطلعات للتسلح النووي أو البيولوجي أو الكيماوي لدى نظام القدافي، وقد نجح في اكتشاف ما خفي من القدرات العسكرية لقوات القدافي وتعرف على العقلية العسكرية المسيطرة على النظام الليبي، وتخلص من القيادة التي كثيرا ما أزعجت أمريكا وأوروبا، كما قامت دول التحالف بتجربة الأسلحة الجديدة المطورة مثل صاروخ توماهوك وتجربة فعالية الطائرات المقاتلة الجديدة.

كما قام الحلف بالحد من التهديدات الأمنية المتوجهة لدول أوروبا، كموجات الهجرة غير الشرعية لأوروبا خصوصا لدولة إيطاليا وفرنسا وإسبانيا، وقطع الطريق على المنظمات الإسلامية المتشددة والإرهاب من الحصول على موطئ قدم في البحر المتوسط لكي تسهل عليها تنفيذ عملياتها في أوروبا أو استنساخ تجربة القراصنة الصوماليين في منطقة استراتيجية كالمتوسط، اعتبارا من أن تنظيم القاعدة ينشط بشكل كبير في منطقة إفريقيا.

ثانيا: تقييم قانوني

يجري الآن الترويج الى اعتبار النموذج الليبي الأمثل الذي يجب الاحتذاء به في "التدخل الإنساني" وتطبيق "مسؤولية الحماية" أثناء الأزمات الدولية الإنسانية، ولكن السؤال المطروح هو ما إذا كان حلف الناتو إلتزم بالتفويض الممنوح له في القرار رقم ١٩٧٣ الذي أجاز له التدخل العسكري أم تعداه وتجاوز السلطات الممنوحة له؟

نعتقد بأن الناتو قد تجاوز ولاية القرار ١٩٧٣ في ثلاث مواضيع، الأول قصف السكان والمباني التي لا تشكل أهداف عسكرية، الثاني من خلال السعي وراء قتل القدافي، الثالث من خلال توريد وتزويد الثوار بالسلاح.

أ. قتل المدنيين:

ذكرت لجنة التحقيق الدولية المعنية بالتحقيق في جميع انتهاكات القانون الدولي المدعى وقوعها في الجماهيرية العربية الليبية في تقريرها ليوم ١ يونيو٢٠١١، بأنه فيما يخص الادعاءات المرتبطة بسير منظمة حلف شمال الأطلسي للعمليات القتالية، ليس في استطاعة اللجنة في تلك المرحلة أن تقيم مصداقية المعلومات الواردة بشأن الهجمات العشوائية التي شنت على المدنيين، وأن اللجنة لم تقف على أدلة تعمد استهداف المدنيين أو المواقع المدنية ولا إلى مشاركة هذه القوات في هجمات عشوائية. في تقرير اللجنة لشهر مارس ٢٠١٢، قالت بأن طائرات الناتو قامت بـ١٧٩٣٩ طلعة جوية مسلحة في ليبيا، واستخدمت ذخيرة دقيقة التوجيه على وجه الحصر. وقد اخبر الناتو اللجنة أنه اتبع معيارا صارما لجعل عدد الضحايا المدنيين "صفرا" سواء من ناحية القتلى أو المصابين. وقد وجدت اللجنة أن الناتو لم يتعمد استهداف المدنيين في ليبيا، أما بالنسبة للأهداف القليلة التي ضربت ضمن المراكز السكنية، فقد اتخذ الناتو احتياطات مكثفة لضمان عدم قتل المدنيين، مع ذلك كان هناك عدد قليل من الضربات الجوية لم يتح الرد الذي قدمه الناتو بشأنها إلى اللجنة، التوصل إلى الأساس المنطقي الذي بنيت عليه، أو ظروفها، وليس بمقدور اللجنة، من دون تفسير إضافي أن تحدد إن كانت هذه الضربات تتماشى مع هدف الناتو في تجنب إصابة المدنيين تماما، أو إن كان الناتو قد اتخذ جميع الاحتياطات الضرورية لتحقيق ذلك.

وتوصيف الناتو لأربعة من الأهداف الخمسة التي وقعت اللجنة فيها على إصابات مدنية بأنها "نقاط تحكم وسيطرة" أو "مناطق تنظيم وتجهيز للقوات"، لا تعكسه الأدلة المتواجدة في تلك المواقع ولا شهادات الشهود. وليس بمقدور اللجنة أن تحدد بسبب الافتقار إلى المعلومات الكافية، ما إذا كانت الضربات قد استندت إلى استخبارات غير صحيحة أو قديمة، وإذا كان الأمر كذلك، فإنها لا تكون منسجمة مع هدف الناتو في اتخاذ جميع الاحتياطات اللازمة لتفادي إحداث خسائر في المدنيين تفاديا تاما.

إن التقييم والنتيجة التي توصلت لها اللجنة في تقريرها، هو أن الناتو نفذ حملة شديدة الدقة بعزم واضح على تجنب إصابة المدنيين، وقد نجح في ذلك إلى حد بعيد، لكن اللجنة تأكدت في بعض الحالات المحدودة من وقوع خسائر بين المدنيين كما وجدت أهدافا لا يوجد دليل على استخدامها لأغراض عسكرية، ولم تتمكن من التوصل الى استنتاجات في مثل هذه الحالات استنادا إلى المعلومات التي قدمها الناتو وهي توصي "بمزيد من التحقيق".

محمد الحرماوي المغرب

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

صفحات المقال: 1 .. 2 ..

سلسلة المقالات:

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك