إنهيار حكم الإخوان المسلمين في مصر - ١

د. محمد النعماني
مصر : ۲۹-۷-۲۰۱۳ - ۱۰:۰۷ ص - نشر

الأحداث نفسها والمشاهد يمكن أن تتكرر لنا بأساليب وطرق أخرى من بلد إلى بلد، ويبدو لي أن أحداث إنهيار الإتحاد السوفيتي في ١٩ أغسطس ١٩٩١ شاهدناها بأساليب وطرق أخرى في ٣٠ يونيو ٢٠١٣ في مصر بإنهيار سلطة وحكم الإخوان المسلمين، وكان الجيش هو القوة الحاسمة في تلك الأحداث في الإتحاد السوفيتي وفي مصر، حيت أذكر أن الأحداث في موسكو بدأت بالمحاولة الإنقلابية في الإتحاد السوفيتي عام ١٩٩١ والإعلان عنها في الوسائل الإعلامية الروسية والعالمية، وهي محاولة إنقلابية فاشلة وقعت يوم ١٩ أغسطس/آب ١٩٩١ وبدأت بمحاولة إقصاء رئيس البلاد ميخائيل غورباتشوف عن الحكم.

ورأى أعضاء لجنة الدولة لحالة الطواري التي ضمت ممثلي الحكومة وأعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي أن النهج السياسي الذي كان غورباتشوف يتبعه أدى إلى إنهيار المستوى المعيشي للسكان وتشجيع السوق السوداء، بالإضافة إلى أنه خلق نزعات خطيرة من شأنها أن تفكك الدولة.

جرى في مارس/آذار ١٩٩١ الإستفتاء الشعبي حيث صوتت أغلبية الناس تأييداً للحفاظ على الإتحاد السوفيتي بإستثناء الجمهوريات الست: لتوانيا ولاتفيا واستونيا وجورجيا ومولدافيا وارمينيا التي كانت قد أعلنت إستقلالها. وفي ١٧ يونيو/حزيران قام الرئيس غورباتشوف وزعماء الجمهوريات التسع، وهي روسيا الإتحادية وأوكرانيا وبيلوروسيا وكازاخستان وطاجيكستان وأوزبكستان وقرغيزيا واذربيجان وتركمانستان، بتنسيق مشروع معاهدة تشكيل إتحاد جمهوريات الدول المستقلة كفيدرالية لا مركزية. وكان من المقرر أن تنضم تلك الدول يوم ٢٠ أغسطس/آب إلى المعاهدة. أثارت المعاهدة إستياء لدى المسؤولين عن الدفاع والأمن في مجلس وزراء الإتحاد السوفيتي، وبينهم دميتري يازوف وزير الدفاع، وبوريس بوغو وزير الداخلية وفلاديمير كريوتشكوف رئيس لجنة أمن الدولة (كي جي بي).

أعلنت وسائل الإعلام السوفيتية في ١٩ أغسطس/آب حالة الطوارئ في البلاد. كما أعلنت عجز الرئيس غورباتشوف عن أداء مهامه لحالته الصحية السيئة وإنتقال السلطة إلى لجنة الدولة لحالة الطواري وتم في الوقت نفسه إدخال القوات إلى موسكو. وأعلن أن ممثلي المعارضة الديمقراطية سيخضعون للإعتقال في حال العثور عليهم. وتضمنت المعارضة للجنة الدولة لحالة الطوارئ قيادة روسيا الإتحادية بصفتها إحدى جمهوريات الإتحاد السوفيتي حينذاك برئاسة بوريس يلتسين رئيس الجمهورية وايفان سيلاييف رئيس الحكومة الروسية وروسلان حزبولاتوف رئيس مجلس السوفيت الأعلى. وقام يلتسين بنشر دعوة إلى مواطني روسيا الإتحادية، حيث وصف أعمال لجنة الدولة لحالة الطوارئ بأنها إنقلاب حكومي ووقع مرسوماً حول عدم شرعية اللجنة. كما دعا الشعب إلى الوقوف إلى جانب الديمقراطية الروسية الفتية.

وإجتمعت بالقرب من "البيت الأبيض" (مبنى مجلس السوفيت لروسيا الإتحادية) مجموعة كبيرة من أنصار الرئيس الروسي الذين كانوا يعبرون عن إحتجاجهم ولم ينصرفوا حتى في الليل. وبدأوا يقيمون المتاريس في موسكو ويوزعون المنشورات. وإنتقلت وحدات فرقة "تأمانسكايا" إلى جانب المدافعين عن المجلس الأعلى.

أما الدبابات التي وجهتها لجنة الدولة لحالة الطوارئ إلى مبنى البرلمان فتم حصارها بحشود من الناس. ولقي ٣ أشخاص مصرعهم جراء وقوع إشتباكات. ورفضت الوحدة الخاصة "ألفا" إقتحام البيت الأبيض. وفي هذه الظروف أصدر وزير الدفاع أمراً بسحب القوات من موسكو. في ٢٢ أغسطس/آب عاد ميخائيل غورباتشوف رئيس الإتحاد السوفيتي من القرم فتم إعتقال أعضاء لجنة الدولة لحالة الطوارئ. وأعلن في موسكو الحداد على الشهداء. كما أعلن يلتسين أنه إتخذ قراراً بجعل العلم الأبيض- الأحمر – الأزرق علماً للدولة الروسية.

وفي ٢٣ أغسطس/آب وقع يلتسين مرسوماً آخر يقضي بوقف نشاط الحزب الشيوعي للإتحاد السوفيتي. وفي واقع الأمر فان الإحتجاج على إقصاء رئيس الإتحاد السوفيتي عن السلطة تحول إلى دعم إستقلال روسيا الإتحادية برئاسة بوريس يلتسين، الذي كان قد إنتخب في يونيو/حزيران رئيساً لروسيا الإتحادية. أما سيادة روسيا الإتحادية فكانت قد أعلنت في ١٢ يونيو/حزيران ١٩٩٠ خلال إنعقاذ المؤتمر الأول لنواب الشعب في جمهورية روسيا الإتحادية الفيدرالية الإشتراكية.

تم إعتقال أعضاء لجنة الدولة لحالة الطوارئ. وإنتحر وزير الداخلية بوريس بوغو وتبعه مارشال الإتحاد السوفيتي سيرغي اخرومييف الذي عمل مستشاراً لرئيس الإتحاد السوفيتي والذي أصبح تفكك الإتحاد السوفيتي بالنسبة له شأنه شأن الكثير من المواطنين السوفيت، أصبح كارثة شخصية.

لكن مجلس الدوما الروسي إتخذ في ٢٣ فبراير/شباط ١٩٩٤ قراراً بالعفو عن أعضاء لجنة الدولة لحالة الطوارئ والإفراج عنهم. لم يعترف أعضاء اللجنة بذنبهم إذ إعتبروا أنهم عملوا للحفاظ على وحدة الدولة، وحاولوا الحيلولة دون تفككها. تم البدء بعملية تفكيك الإتحاد السوفيتي قبل ذلك بكثير، علماً أن الجمهوريات الإتحادية الأولى كانت قد أعلنت سيادتها في عام ١٩٨٨. لكن بعد ١٩ أغسطس/آب ١٩٩١ شهدت البلاد إعلان الإستقلال للكيانات الجديدة بشكل جماعي. وفي ٢٦ ديسمبر/كانون الأول ١٩٩١ تم عقد الإتفاق بين رؤساء كل من روسيا وبيلوروسيا وأوكرانيا حول الإنهاء الرسمي للإتحاد السوفيتي. وأصبحت كل جمهورياته جراء ذلك دولة مستقلة.

تألفت لجنة الدولة لحالة الطواري من ثمانية أعضاء، جميعهم كانوا مسؤولين رفيعي المستوى في الإتحاد السوفيتي:

  1. غينادي ياناييف، ١٩٣٧-٢٠١٠، نائب الرئيس السوفيتي
  2. فالنتين بافلوف، ١٩٣٧-٢٠٠٣، رئيس الوزراء السوفيتي
  3. بوريس بوغو، ١٩٣٧-١٩٩١، وزير الداخلية
  4. ديمتري يازوف، مواليد ١٩٢٤، وزير الدفاع السوفيتي ومارشال الإتحاد السوفيتي
  5. فلاديمير كريوتشكوف، ١٩٢٤-٢٠٠٧، رئيس KGB
  6. أوليغ باكلنوف، مواليد ١٩٣٢، النائب الأول لرئيس مجلس الدفاع في الإتحاد السوفيتي
  7. فاسيلي ستاردوبوتسيف، ١٩٣١-٢٠١١، رئيس إتحاد الفلاحين في الإتحاد السوفيتي
  8. ألكسندر تازياكوف، مواليد ١٩٢٦، رئيس رابطة مؤسسات الدولة.

بوغو إنتحر بإطلاق النار على نفسه لتجنب الإعتقال، في حين ألقي القبض على بقية الأعضاء السبعة.

في ١٥ ديسمبر ١٩٩٢ وبعد أكثر من عام على الإنقلاب، إستلمت المحكمة العليا للإتحاد الروسي قضية جنائية من ١٤٤ مجلداً بخصوص الإنقلاب، مرسلة من المدعي العام. بدأت جلسات الإستماع في ٢٦ يناير ١٩٩٣.

في ١٤ أبريل ١٩٩٣ بدأت المحاكمة وإستمرت ١٤ شهراً حتى ١ مارس ١٩٩٤. كانت المحاكمة علنية، لكن وسائل الإعلام الأجنبية لم تشارك ولم يخصص لها مكان أصلاً في قاعة المحاكمة. ولم يعترف أعضاء اللجنة بذنبهم إذ إعتبروا أنهم عملوا للحفاظ على وحدة الدولة، وحاولوا الحيلولة دون تفككها.

في ٢٣ فبراير ١٩٩٤ أصدر مجلس الدوما عفواً عن جميع المتهمين في القضية. في ١ آذار ١٩٩٤ تم إغلاق القضية رغم ذلك جرت أمور أخرى إلا أنها لم تؤثر على قرار العفو. وعن مصير أعضاء اللجنة:

  1. إنتحر وزير الداخلية بوريس بوغو وزوجته بعد الإنقلاب ولكن بعض المصادر ترجح أنه قد قتل.
  2. وزير الدفاع ديمتري يازوف تم سجنه. وبقي في ماتروسكايا تشينا لمدة ١٨ شهراً وفقا لمصادر صحفية، فان يازوف بعث برسالة مصورة مسجلة إلى الرئيس وصف نفسه فيها "بالأحمق المسن" وأعلن أنه غير مسؤول عن ما جرى، وأكد أنه غير مذنب ومع ذلك فإنه يقبل العفو. وأنه قد طرد من الخدمة العسكرية بناء على أوامر رئاسية من غورباتشوف. وعمل بعد العفو عنه مستشاراً في أكاديمية الأركان العامة.
  3. أوليغ باكلنوف قضى ١٨ شهراً في ماتروسكايا تيشينا، تم العفو عنه في ١٩٩٤ وأعلن غير مذنب، لاحقاً اصبح مديراً لإحدى المؤسسات.
  4. غينادي ياناييف سجن لمدة ١٨ شهراً في ماتروسكايا تيشينا، وفي وقت لاحق أصبح رئيساً لقسم التاريخ الوطني في الأكاديمية الدولية الروسية للسياحة.
  5. فالنتين بافلوف تعرض أثناء الإنقلاب إلى أزمة صحية شخصت لاحقاً على أنها إرتفاع ضغط الدم، لاحقاً في ٢٩ أغسطس تم نقله إلى ماتروسكايا تيشينا وأعلن أنه يقبل العفو بصفته غير مذنب. لاحقاً أصبح مديراً لأحد البنوك. ثم عمل مستشاراً لبنك آخر هو بنك VTB وفي ٢٠٠٣ توفي بافلوف بعد سلسلة من النوبات القلبية ودفن في موسكو.

أما في مصر فقد بدأت الحكاية بثورة تحكي عن حكاية الشعب المصري، بدأت بمظاهرات في ميادين التحرير رفعت شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" الثورة إسمها ثورة ٢٥ يناير، أدت بفعل صمود شباب وشيوح ونساء الشعب المصري إلى إسقاط الرئيس وقائد القوات الجوية السابق حسني مبارك عام ٢٠١١ وخرجت جماعة الإخوان المسلمين، التي قضت ٨٥ عأماً في الظل كجماعة محظورة، إلى النور وخطفت الثورة بإعتبارها القوة السياسية المهيمنة في البلاد وفازت بالإنتخابات الواحدة تلو الأخرى. ولكن هذه المكاسب ضاعت من الإخوان المسلمين بقيام شباب وشعب مصر بثورة يوم ٣٠ يونيو لإستعادة الثورة المسروقة، لم يخطر ببال أحد أنهم سيعودون إلى التظاهر بعد عامين للإطاحة بالرجل الذي إختاروه خلفاً لمبارك.

الجزء الثاني من المقال: إنهيار حكم الإخوان – ٢

د. محمد النعمانيإنجلترا

كاتب يـمـنـي يعيش في لندن

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

Leave your vote

0 points
Upvote Downvote

Total votes: 0

Upvotes: 0

Upvotes percentage: 0.000000%

Downvotes: 0

Downvotes percentage: 0.000000%

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق



Hey there!

Forgot password?

Don't have an account? Register

Forgot your password?

Enter your account data and we will send you a link to reset your password.

Your password reset link appears to be invalid or expired.

Close
of

Processing files…

أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك

Warning: mkdir(): Disk quota exceeded in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 321

Fatal error: Uncaught exception 'Exception' with message 'Cache directory not writable. ZenCache needs this directory please: `/homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/cache/zencache/cache/http/ahlan-com/2013/07/29`. Set permissions to `755` or higher; `777` might be needed in some cases.' in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php:324 Stack trace: #0 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->WebSharks\ZenCache\Pro\{closure}('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #1 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/classes/AbsBaseAp.php(55): call_user_func_array(Object(Closure), Array) #2 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AbsBaseAp->__call('outputBufferCal...', Array) #3 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->outputBufferCallbackHandler('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #4 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-includ in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 324