قدر صاعق

بقلم/
فاتن حافظ
مصر : ۱۳-۷-۲۰۱۳ - ۹:۵٦ ص - نشر

كنت أظنه بركان، كنت أظنه زلزال، وظننته سونامي حتي إنفجرت ثورة أخرى في الثلاثين من يونيو فاقت القدرات والتوقعات والتصورات، ولم أعلم تلك المرة بما يجب أن نصفها وقد إستنفزنا كل مهاراتنا اللغوية في وصف سابقتها، ثم درست حجم المفاجأة والحراك الثوري المذهل والحشد البشري الكثيف وقررت أن أطلق عليها إسم "قدر صاعق" وهو بالفعل قدر صاعق قضى به من إذا أراد شيئاً أن يقول لة كن فيكون.

ثم تذكرت الآية القرأنية الكريمة بسم الله الرحمن الرحيم "إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها وقال الإنسان مالها" صدق الله العظيم وقفت عند الآية الكريمة "وقال الإنسان مالها" وبما أن كلمة الإنسان لفظ جامع وشامل خصة الله في هذة الآية دلالة على الهزة العنيفة التي سيذهل لها المؤمن وغير المؤمن فقد أطلقناها على الثورة الثانية لأنها لفظ جامع وشامل دلالة على الرجفة التي سيذهل لها كل من أيد أو عارض ثورة الثلاثين من يونيو، فلا يخفى على أي نبيه فطين أن الثورة الثانية كانت مذهلة غير مفاجئة ولكنها مباغتة مروعة للنظام الحاكم.

إن كان تحرك الجيش هو إنتكاسة لإستراتيجية واشنطن التي لا ترعى إلا مصالحها ومصالح حلفائها وإرباك للمعادلة السياسية التي لا إختراق لبنودها وبروتوكلاتها، فهي إنتصار ساحق لإستقلال الإرادة ورفض قاطع لأي إملاءات أجنبية، موقف الرئيس الأمريكي والإدارة الأمريكية في بدايات الثورة وإصرارهم على إدراجها تحت تصنيف الإنقلاب العسكري، عكس الحيرة والربكة وعدم الفهم لما يحدث على أرض مصر، والتوجس والقلق على ما راهنوا عليه وما ستؤول له الأمور في المستقبل. وحتماً ستؤدي إلى خرق أية معاهدات ونقض أية إتفاقيات خفية بين الإخوان والإدارة الأمريكية وستعيد حالة عدم الإستقرار وعدم التوازن في منطقة الشرق الأوسط، لذالك يبدوا أن القدر الصاعق لم يهوي فقط على رأس مرسي والإخوان بل هوى أيضاً على رأس أوباما والإدارة الأمريكية.

ما حدث في مصر ليس إنقلاب عسكري، لأن الإنقلاب العسكري هو إستيلاء الجيش على السلطة وتكوين حكومة من ضباط وأفراد الجيش والسيطرة الكاملة على زمام الأمور، ولكن لم نسمع من قبل عن إنقلاب عسكري يعلن عنه من أسبوع سابق ثم يعطي مهلة ٤٨ ساعة ثم يسلم شؤون إدارة البلاد على الفور إلى مجلس رئاسي مؤقت يتكون من مدنيين وأصحاب الخبرة من عموم الشعب، حتى أنه لم يعلن حالة الطوارئ أو حظر التجول في شوارع البلاد وأزقتها، ناهيك عن أن خروجه من الأساس كان بناء على مطالبة الجموع الغفيرة من الشعب بالتدخل والمؤازرة. فلم يقرّر ٣٣ مليون جندي وعسكري ترك مقراتهم وثكناتهم العسكرية في مواقع الجيش والذهاب للتسكع في أركان وزوايا الإتحادية وميدان التحرير وميادين المحافظات والقيام بإنقلاب عسكري تحت إدعاء ثورة شعب.

الشخصية المصرية بطبيعتها شخصية ليبرالية مرحة تعشق الحياة ولكنها أيضاً تعشق الدين ولابد من التسليم بأن المكون الديني في طبيعة المصري، سواء كان مسلم أو مسيحي، هو أساس التوازن الروحاني والثبات الدنيوي، فلا يمكن فصله أو إزدرائه، لذالك يجب على القوى السياسية والنخب الفكرية أن تتوخى الحذر في الحيلولة دون تعميق مشاعر الكراهية والعنف ضد التيارات الدينية لأنه ليس عل الساحة بعد ثورة ٣٠ يونيو منتصر ومهزوم، بل إختلاف رؤى ووجهات نظر، نحن شعب واحد والتيارات الدينية لا زالت فصيل لا يتجزء من نسيج الشعب المصري.

ولكن ما لا أفهمه هو كيف للتيارات الدينية أن تتبنى المنهج السياسي وتسلك طريق الرئاسة والمجالس البرلمانية وتحول هويتها من جماعات دينية دعوية إلى جماعات دينية سياسية، وهم يعلمون أن الدين مذهب وعقيدة والسياسة منهج وأداة ولكل منهما مدارس فكرية مختلفة تتوازي ولا تتقابل، وإن لم يكن بينهم تضاد أو تناقض فلا يمكن خلطهم أو مزجهم، ومن الخطأ أن يقحموا الدين في مجال ليس الدين جزء منه أو يقحموا السياسة في مجال ليست السياسة جزء منه.

قد يتساءل البعض لماذا هذا السقوط السريع والمدوي لسلطة الإخوان؟ ولماذا هذا الإستنكار والغضب لأدائهم؟ ولا يكمن السبب فقط في العجز البين عن حل مشاكل الناس، ولا التخبط في إدارة شئون البلاد، لكنه بالأساس نتيجة التركيز فقط على هدم "دولة الفلول" وكأنها من أكبر مشاكل البلاد وفقاً لفلسفتهم وباتت كأنها وحش يطاردهم ويطارد طموحاتهم في السيطرة والإستحواز والعدو الوحيد لإستقرار البلاد، لذا وجدوا أنفسهم في مواجهة ملايين المصريين الذين خرجوا إلى الشوارع دفاعاً عن دولة إقتربت من التصدع والإنهيار.

كنا نتمنى مخلصين نجاح أول تجربة ديمقراطية في مصر بعد ثورة ٢٥ يناير، وكنا نتمني أن نشهد العالم على عبقرية الأداء وحسن الممارسة، بل وقد نتطوع بإعطاء الخبرة ونقل التجربة كمعرفة ومنهج لمن يخطوا خطواتة الأولى في مسار الديمقراطية، لكننا لم نرى أية بشائر تلوح في الأفق لإزدهار أو رخاء إقتصادي، وفوجئنا بديكتاتورية متنكرة بقناع ديمقراطي مستعار أخفى حقيقة ونوايا مستميتة على السيطرة والإستحواز ورغبة جامحة لتحقيق طموحات دولية أكثر منها وطنية، وليس العيب في أن نعلن عن تقصيرهم وفشلهم، بل العيب في أن نمعن في إنكار الحقيقة ونتبرأ من الإعتراف بها وإن كانت القوى الثورية أعاقت إستمرار حكمهم وطالبت بضرورة إقامة إنتخابات رئاسية مبكرة بعد عام واحده من توليهم، فذلك أفضل بكثير من تحمل عواقب ٤ سنوات من تراكم أخطاء قوم ليست لهم جدارة في العمل السياسي.

بعيداً عن تحليل نظرية الإنقلاب العسكري وتدوير التحليلات السياسية وترويج شرعية الغضب الشعبي، هي ثورة حقت ووجبت ثم تمت ونجحت شئتم أم أبيتم، وما نحتاجه الآن هو أن الكل يساعد في إنعاش الإقتصاد الوطني وتدوير عجلة الإنتاج ووضع دستور متقن وتنصيب حكومة ذكية وإنتخاب رئيس ذو ضمير وبرلمان وقور وسلام بين فئات الشعب، فإن إستطاعوا فليفعلوا في الحال، وإن آثروا الجدال فليصمتوا للأبد ودعونا نحن نعمل.

ثورة ثلاثين يونيو كانت هزة ورجفة عنيفة لأصحاب العقول الغافلة وصيحة مدوية ومزلزلة لأرض مصر ومن حولها. عصر جديد وعهد جديد، لم يكن لهذا البلد أن يعيش في جلباب جماعة إستحوذت على حكوماتها في غفوة من الزمان ولم يكن لها أن تعيش بهوية غير هويتها المدنية، ولا أن تتبع أي إتجاه غير إتجاه الأزهر الوسطي، لم يكن لهذا البلد أن يرتدي عباءة الجماعة وليس عباءة الدولة. سنة واحدة تكفي وبفضل الله وعزتة آن الآوان إلى التغير وإلى التفاؤل وإلى حسن المنقلب.

بسم الله الرحمن الرحيم "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون" صدق الله العظيم

فاتن حافظأمريكا

كاتبة مصرية مقيمة في الولايات المتحدة

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

Leave your vote

0 points
Upvote Downvote

Total votes: 0

Upvotes: 0

Upvotes percentage: 0.000000%

Downvotes: 0

Downvotes percentage: 0.000000%

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق



Hey there!

Forgot password?

Don't have an account? Register

Forgot your password?

Enter your account data and we will send you a link to reset your password.

Your password reset link appears to be invalid or expired.

Close
of

Processing files…

أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك

Warning: mkdir(): Disk quota exceeded in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 321

Fatal error: Uncaught exception 'Exception' with message 'Cache directory not writable. ZenCache needs this directory please: `/homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/cache/zencache/cache/http/ahlan-com/2013/07/13`. Set permissions to `755` or higher; `777` might be needed in some cases.' in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php:324 Stack trace: #0 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->WebSharks\ZenCache\Pro\{closure}('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #1 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/classes/AbsBaseAp.php(55): call_user_func_array(Object(Closure), Array) #2 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AbsBaseAp->__call('outputBufferCal...', Array) #3 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->outputBufferCallbackHandler('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #4 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-includ in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 324