٣٠ يونيو هجين إنقلاب عسكري

بقلم/
وفاء داود
مصر : ۹-۷-۲۰۱۳ - ۱۰:۳۱ ص - نشر

في البداية تجب الإشارة إلى أن الإخوان المسلمين قد إرتكبوا أخطاء جوهرية في ممارستهم للحكم، بل لم يدركوا الخريطة السياسية والإستراتيجية للدولة المصرية إقليمياً ودولياً، خطة وأجندة محمد مرسي دولياً أدت إلى قيام القوة الدولية بالإطاحة الناعمة به، على نهج ما فعلته مع شافيز، والقيادة العسكرية المصرية كانت صادقة حين قالت إن هناك تهديد للأمن القومي المصري، فهي تعني هنا التوازنات الدولية، فأمريكا لم ولن تسمح لمصر بأن تصل لمكانة دون أن ترغب في ذلك، لكن محمد مرسي لم يهتم بذلك وسعى لتنفيذ خطة لم تباركها أمريكا وأتضح الخلاف بين الدولتين منذ بداية حكم مرسي وعدم زيارته لأمريكا حتى آخر أيامه. كما أن دولاً إقليمية تأبى تدشين نظام ديمقراطي إسلامي في مصر قد يثير شعبها عليها.

وبعيداً عن نقد سياسة نظام مرسي يجب حسم جدلية هل ما حدث كان ثورة أم إنقلاب؟ والحقيقة أن ما حدث في ٣٠ يونيو لا يمكن تسميته ثورة، بل هو إنقلاب عسكري مخطط إستخدم جزء من الشعب وليس كله ليكون غطاءً له. وتتعدد وتتنوع الدلائل والأساندين التي تؤكد ذلك، وهي:

  1. الأزمات المفتعلة التي تمثلت في أزمات الكهرباء ومؤخراً أزمة البنزين التي تزامنت مع موعد ما خطط له لتهييج مشاعر الغضب لدى المواطنين ودفعهم للإحتشاد يوم ٣٠ يونيو، وقد لعبت الدولة العميقة الدور الأكبر في ذلك وما يؤكد كلامي اختفاء هذه الأزمة حالياً.
  2. تسارع القيادة العسكرية ببيان يوم ٣٠ يونيو وعلى عجلة من أمرها يؤكد الإطار الزمني للإنقلاب المخطط للإطاحة بمرسي، كما أن طرح السيسي لخريطة المستقبل لم تأت بجديد عما قاله مرسي سوى الإطاحة به مع التعمد بعدم ذكره في البيان للهروب من كونه إنقلاب حفظاً لماء وجه أمام الرأي العام الدولي، وهذا ما جعل الجيش حريص على استعراض الحشود المناهضة لمرسي لتنفيذ ما يسمى في العلوم السياسية بهجين السلطة حيث عمل السيسي على هجين الإنقلاب بغطاء شعبي وجذب رموز الدين في صفه منعاً لإحراجه.
  3. إسقاط مؤسسات منتخبة وعلى رأسها الدستور إنقلاب عسكري بكافة أركانه والقول بأنها شرعية ثورية غير صحيح فالثورة تلقائية غير منظمة وغير مخططة وغير معروف نتائجها كما أنها تجمع كافة طوائف الشعب، لكن ما حدث هو تغليب إرادة جزء من شعب على الجزء الآخر، وهو ليس بقليل على الإطلاق كما تم تجاهل إرادته بل وتم التعامل معه لفظياً وسلوكياً كأنه لم يكن فصيل أو قطاع من الشعب وهذا خطأ جسيم وتجلى وضحاً في بيانات القيادة العسكرية التي تؤكد مراراً وتكراراً أنها تنحاز للشعب؟ فأي شعب كانت تقصد فالمؤيدين والمعارضدين كلهم من الشعب ولا يقل عدد أحدهما عن الآخر، أيضا اتضح التمييز في الإهتمام بجزء من الشعب دون الآخر وظهر ذلك في إلقاء أعلام وأضواء الليزار وتوجيه الإعلام بل وتخصيص طائرة لتصوير جزء من الشعب دون الآخر. فهل هذه ثورة؟
  4. التحدث عن حريات وميثاق شرف للإعلام في وقت تزامن مع تنفيذ خطة الإقصاء الإعلامي لجزء من الشعب بل حملات إعتقال، وإغلاق قنوات، ووضع الرئيس المنتخب رهن الإقامة الجبرية في وزارة الدفاع، والإتيان برئيس جديد بواسطة قرار عسكري وليس بناء على أصوات الناخبين.
  5. وضوح تخطيط وتدبير الإنقلاب من قبل، بالإضافة إلى التعمد في تجاهل بل وإلصاق التهم بقطاع عريض وليس بقليل من الشعب وتجلى في الخطابات والبيانات الرسمية التي تعمدت وصف هذه الجزء من الشعب بالإرهابي وهذه هي البداية الحقيقة لجرف مصر لنفق مظلم وتقسيم الشعب لقسمين تهدد بالانزلاق في حرب أهلية.
  6. إعترف البرادعي بذلك في حديثه لصحيفة "نيويورك تايمز" قائلاً إنه "إتصل بجون كيري وزير الخارجية الامريكي وكاثرين أشتون مفوضة الشؤون الخارجية في الإتحاد الأوروبي من اجل تأييد الإنقلاب العسكري، وأنه لم يكن أمامه سوى الخيار العسكري للإطاحة بمرسي".

إن حكم الإخوان المسلمين لم يسقط بمجرد أن الآلاف تظاهروا في الشوارع، وإنما بتدخل الجيش لإزاحته وإعتقال رئيسه، ويشبه الإنقلاب العسكري المصري حالتين: فنزويلا، حيث فاز شافيز بانتخابات ١٩٩٨ و٢٠٠٠ وكانت معارضة شافيز متمثلة في بقايا للأحزاب التي يقودها رجال أعمال لهم مصالح مباشرة مع الولايات المتحدة ويدعمها المناهضون للثورة الكوبية والمتواجدون في ميامي، وعملت أمريكا على نفس نهج الإنقلاب المصري حيث أسقطت شافيز بسيناريو الإنقلاب العسكري بعد التسبب في الفوضي وزعزعة الأوضاع الاقتصادية والمالية وتشويه صورة الرئيس علي أنه ديكتاتور يناهض حرية التعبير والإعلام ولا يمثل مصالح القوي الديموقراطية في البلاد، وهو نفس التكتيك الذي إستخدمته في حالة تشيلي حيث قام مجموعة من المتظاهرين بالإحتجاج والتسبب بفوضي تتواكب مع حملة إعلامية بوصف الرئيس أليندي بالدكتاتور يقوم بعدها ضباط الجيش بالانقلاب العسكري تحت شعار الحفاظ علي أمن البلد ومصالحها عام ١٩٧٣ مما أطاح بالرئيس.

إن نظريات ومبادئ العلوم السياسية واضحة لا تحتاج تأويل أو تخبط وتناقض ويجب هنا التفرقة بين علم السياسة كعلم يدرس وبين ممارسي السياسة، فالعلم واضح في مبادئه ونظرياته ولا غبار عليه، بينما ممارس السياسة يسعى إلى التجميل والتلفيق في المصطلحات لتبرير مواقفه السياسية.

إن ما حدث ما هو إلا إنقلاب عسكري غير تقليدي تتناسب صورته مع ما شهدته الساحة المصرية من كثرة الإحتجاجات وتوظيف للتظاهرات بمباركة من الدولة العميقة والعتيقة مدعوماً من طرف قوى مدنية محسوبة على الصف الديموقراطي والليبرالي، وهذا ما إتضح في حملة تمرد.

إن ما حدث في ٣٠ يونيو ما هو إلا محطة من محطات الصراع غير المنهي بين الدولة العميقة والنظام الجديد وفي هذه المحطة كان النصر حليف للدولة العميقة بمباركة من الدولة العتيقة، وإنتصار الثورة المضادة وعودة للنظام السابق، لكن لا أتوقع على الإطلاق بأن هذه هي النهاية وسوف تستقر الأوضاع السياسية في مصر، فلايزال الشعب ينتفض ولا تزال المعارضة طويلة وما حدث في الإنتقال الديمقراطي ما هو إلا أن إنتقلت السلطة الحقيقية من مبارك إلى المجلس العسكري ثم للسلطة القضائية التي أمسكت بزمام الأمور وأبطلت كل قرارات مرسي على أنها غير دستورية، لتعود السلطة مرة أخرى للعسكر ولكن في ظاهرها أنها للرئيس المؤقت للبلاد.

إنقلاب العسكر وقمع وإعتقال وإقصاء الإخوان المسلمين من العملية السياسية خط جسيم وقد أثبتت التجارب خطأ هذا وخطورته، بل سينتج نقيضه في نهاية المطاف، وأجد أن ما حدث أكسب تعاطفاً بل وشعبية إضافية للإخوان. وإن إستعجال سقوط الإسلاميين، وعدم الإنتباه إلى التنظيمات الإسلامية والأفكار السياسية الجامدة التي تتبناها سيأرجح الأوضاع في مصر خلال الأيام القادمة مع قتل أكثر من ٥٢ شهيداً فجر يوم ٨ يوليو قد يزلق البلاد في حرب أهلية لا نهاية لها.

مصر أمامها طريقين إما ستكون مزيجاً من السيناريو في الصومال والجزائر، هذا إذا ظلت القيادة الحقيقة التي تدير البلاد على عنادها وإستمرت في خطتها، ففي الجزائر في ديسمبر ١٩٩١ ألغى الجيش الإنتخابات بعد أن فاز الإخوان المسلمون وتلا ذلك عقداً دامياً مع ١٠٠ ألف قتيل. وإما ستكون كحالتي تركيا وفنزيولا.

ونلخص من هذا أن المشهد المصري الحالي يؤكد أنّ الثقافة الديموقراطيّة لا تزال هشّة جدّاً، فليس عجيباً في ظل تفشي الأمية السياسية أن يستعين الشعب بالعسكر وإعتبارهم المنقذ والمخلص بعد شعارات إسقاط حكم العسكر.

وفاء داودمصر

مدرس مساعد بقسم العلوم السياسية

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك