مصر ومعركة إسترداد الثورة المسروقة

د. محمد النعماني
مصر : ۲-۷-۲۰۱۳ - ۱۲:۱٦ م - نشر

تظل مصر تحتل مكانة خاصة في قلوبنا، فهي تعني لي العزة والكرامة والإنتماء والقومية، وهي تعني لي الفكر والثورة والتغيير والوحدة والقوة. ومن بشرب من ماء النيل لابد وأن يعود إليها ويتحول الماء الي دم يجري بين خلايا كرات الدم الحمراء في كل جسم عربي أو أي إنسان أحب مصر وأصبحت مصر له هي الوجدان والفؤاد.

مصر اليوم أمام مفترق طرق كلها سوف تؤدي في كل الأحوال إلى التغيير وإسترداد الثورة المصرية واعادة الإعتبار لمكاناتها في قلوبنا وإعادة الدور القومي والعربي لمصر وفي المتغيرات السياسية العالمية وصراع تقاطع المصالح العالمية وصنع القرار العالمي.

اليوم التحديات كثيرة أمام مصر وإسترداد الثورة والطريق إلى التغيير ملئ بالاشواك والعراقيل والصعوبات، ولكن المراقب اليوم للمشهد السياسي في مصر يحس بالأمان والإطمئنان بأن الشعب المصري شعب عظيم صنع ثورة ٢٥ يناير للإطاحة بالرئيس المخلوع محمدحسني مبارك وهو اليوم يستعيد هذه الثورة، التي تعرضت للإختطاف والإلتفاف والإحتواء من قبل جماعة الإخوان المسلمين في مصر، إلى المسار الحقيقي بعد مرور عام من حكم المرشد الديني في مصر لجماعة سعت إلى العمل على جعل كل شء في مصر إخواني، مثل أخونة المعرفة والثفافة والصحافة والإعلام والإقتصاد والتعليم والسياحة والكهرباء والغاز والنفط حتي أصبحت الحياة كلها إخوانية والمرشد هو القائد والموجه.

هنا أستطيع القول إن تجربة الإخوان المسلمين في السلطة في مصر فشلت في تحقيق الحياة الأفضل والنهوض بالتنمية الإقتصادية في مصر وتحسين مستوى حياة الفرد وتحقيق أهداف ثورة ٢٥ يناير، عيش وحرية وعدالة إجتماعية، لذلك الخيارات مازالت مفتوجة أمام الإخوان المسلمين للسعي والعمل لعقد تسوية وطنية تجمع جميع الأطراف، تبدأ بالقبول برحيل الرئيس مرسي والإتفاق على إستكمال أهداف الثورة أو المواجهة والفوضي والعنف والإنزلاق في صراع طائفي.

سيكون ثمن إسترداد الثورة في مصر غالي جداً وسوف يؤدي في نهاية الأمر إلى الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين في مصر، أمام الإخوان المسلمين في مصر مسئولية كبرى هي عدم إنزلاق مصر اليوم إلى هاوية العنف والفوضى لأن آثار التسوية الوطنية في مصر سوف يكون لها آثار إيجابية على المنطقة العربية، أما الإنزلاق إلى هاوية الفوضى وفي ظل ما هو موجود من شجن وتعبية وثقافة حقد وكراهية، سوف تؤدي إلى إنتفاضة الشعوب العربية في المنطقة ضد حكم الإخوان المسلمين في اليمن والسودان وبعض بلدان المغرب العربي والخليح العربي وبالذات في السعودية، وسوف تكون بلاشك ثورة عربية شاملة، واليمن هي بعد مصر والثورة مازالت مستمرة هناك لإسترداد الثورة السلمية الشبابية المسروقة من قبل الإخوان المسلمين وتحالف كهنة الماركسية والناصرية والوهابية، وفي الجنوب الثورة مستمرة لإسترداد الدولة الجنوبية والأرض والثروة المنهوبة.

الدبلوماسي الأمريكي اللبناني والخبير في البنك الدولي، ملحم سلمان، في حوار مع قناة الميادين يكشف أن فوز الإخوان كان بدعم أمريكي بعد تعهدهم بعدم المس بالإتفاقات الدولية، من ضمنها كامب ديفيد، وبعد تعهدهم بإحتواء حركة حماس. المشكلة ليست سياسة أمريكا الخارجية، بقدر ما هي غياب النضوج السياسي في قيادة الإخوان الملسمين التي لم تفهم بعد الفرق بين رئيس يحكم دولة وبين حزب سياسي له أيديولوجيا لا يمكن أن يفرضها على مجتمع تعددي. ضعف الإخوان في مصر ليس فشلاً للسياسة الأمريكية بقدر ما هو فشل فريق إختارته السياسة الأمريكية ولا مشكلة لديها في أن تختار غيره أو بديلاً منه.

يقول ملحم سلمان في حواره مع قناة الميادين إن مصر على أبواب صراع داخلي مؤسف لأنه حتى المعارضة المصرية غير ناضجة، ولم تقدّم سوى إعتراضات وبدائل غير كافية. ومن المؤسف أن حركة الشباب التي إستطاعت أن تجمع أكثر من ١٥ مليون توقيع، هي تعبير عن غضب الشباب المصري الذي يمثل أكثر من ٦٠٪ من الشعب المصري، والإعتراضات إقتصرت على عدم الحصول على وعود أو على إنجازات كان يفترض أن تقطف ثمارها. حتى في المجال الممكن أن يتحقق، أي في مجال الخدمات الاجتماعية، وفي المجال الإقتصادي، الإخوان في مصر والرئيس مرسي، قبلوا إقتراحات من المنظمات الدولية، كان الدكتور كمال الجنزوري تحت حكم الرئيس السابق حسني مبارك قد رفضها لأنها تمس في سيادة مصر.

إذاً، إذا حاول محمد مرسي أن يلغي الدعم ستكون مصيبة، وإذا لم يستطع زيادة الإنتاجية ستكون مصيبة، هذا على المستويين الإقتصادي والإجتماعي. أما على المستوى السياسي فمن المؤسف أنه قد تنازل عن وعود أعطاها لدول غربية ولقيادات إقليمية وللمعارضة المصرية، إن كان متعلقاً بالإنتخابات أو المجلس الدستوري، أو دوره في القضاء، لكنه إستباح الدولة بطريقة غير ناضجة ومؤسفة لأنه بنظري ساهم في تأكيد فشل المشروع الإخواني الممتد من تونس إلى تركيا.

اليوم ٣٠ من يونيو تمر الذكرى السنوية الأولى لتولى الرئيس محمد مرسي حكم مصر، الذي تسلم فيه الرئيس السلطة قبل عام للنزول والتظاهر ضده بالميادين تحت شعار "كشف حساب سنة" لإسقاط أول رئيس مدني بعد أحداث ثورة ٢٥ يناير، وبعد مرور عام من توليه زمام الحكم في مصر وفرض سيطرته وجماعته على الشعب، نظراً لتدهور حالة البلاد. ويري الكاتب محمد السيد أن مضي عام على حكم الرئيس مرسي دون تنفيذ المشروع الإنتخابى له المعروف بإسم "مشروع النهضة"، بل شهدت البلاد تدهوراً في الأحوال الإقتصادية والإجتماعية والأمنية.

يرى البعض أن كشف حساب الرئيس مرسي شبه خال من الإنجازات، بل وأنه سرق إنجازات الرئيس السابق حسني مبارك. في حين رأى البعض الآخر أن الرئيس مرسي لا يختلف عن الرئيس السابق حسني مبارك، وأنه يستحق المحاكمة مثله لأنه إرتكب الأخطاء نفسها، بل أن عدد الشهداء الذين سقطوا في عهده أكثر ممن سقطوا في عهد السابق، رغم ترحيب المصريين به عقب توليه الرئاسة وإستقبالهم الحافل له بميدان التحرير.

وكان المصريون وحتى الشعوب والإسلامية قد علقوا آمالهم العريضة على الرئيس مرسي كأول رئيس مصري منتخب عقب ثورة ٢٥ يناير حين أصر على أداء القسم بميدان التحرير، إلا أنهم فوجئوا عقب ذلك بخيبة آمالهم عندما تدهورت حالة البلاد، وذلك لعدم تنفيذ وعوده لهم من إنجازات المائة يوم وحل مشكلات المرور والنظافة والوقود والخبز والأمن.

ورأى البعض أن العام الأول للرئيس مرسي شهد الكثير من الإخفاقات منها أزمات المياه مع إثيوبيا وقطع العلاقات مع سوريا وتمكين جماعة الإخوان من الحكم وإنفراد الرئيس بالقرارات وإصداره الإعلانات الدستورية، وإنقطاع التيار الكهربائي والمياه وغلاء الأسعار والإنفلات الأمني والسيطرة على الدولة بتعيين أتباعه من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية في المناصب المختلفة، هذا بالإضافة إلى التراجع في قراراته التي أصابت هيبة مؤسسة الرئاسة، إلى جانب قراراته الخاصة بالعفو الشامل عن بعض المسجونين الأمنيين وإفراجه عنهم مما تسبب في عودة القلق والتوتر الأمني إلى سيناء.

صديقي الدكتور كمال الهلباوي هو المتحدث السابق باسم جماعة الإخوان المسلمين في الغرب، والرئيس المؤسس للرابطة الإسلامية في بريطانيا وكاتب وباحث مصري معروف، أسس بعد إستقالته من الجماعة جمعية “الإحياء والتجديد” مع عدد ممن إستقالوا أو إنشقوا عن الجماعة، كجمعية دعوية تهتم بالدعوة والتربية لتعويض تراجع جماعة الإخوان المسلمين عن الإهتمام بهما، بعد أن توجّه إهتمامها الأكبر إلى الأمور السياسية، ودخولها في صراعات حزبية وسياسية، كشف في حوار لصحيفة “الخليج" العام الماضي أن هناك عدة أسباب لتراجع العلاقة ما بين الإخوان المسلمين والشعب المصري:

الأول: أن الجماعة لم تحترم الثقة التي أولاها إياها الشعب، وكانت ثقة الشعب كبيرة ومحترمة ظهرت في تأييد الشعب للدكتور محمد مرسي ضد الفريق أحمد شفيق في الإنتخابات الرئاسية، وظهرت في إستقبال مرسي في ميدان التحرير، وظهرت في دعم بعض القرارات التي إتخذها، لكن هذا الدعم توقف بسبب الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس مرسي في ٢١ نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

الثاني: عدم الوفاء بالوعود، وهذه مشكلة كبيرة جداً، فالرسول صلى الله عليه وسلم،قال: “إن الراعي لا يكذب أهله”. والوفاء بالوعود سمة من سمات الإيمان، وعدم الوفاء بها سمة النفاق.

الثالث: لمس الشعب أن الثورة فقدت مسيرتها بسرعة الإنتقال إلى بناء النظام السياسي والديمقراطي من برلمان وغير ذلك.

الرابع: دخول الإخوان المسلمين في حالة صراع، وهذا لم نره في تاريخ الإخوان، ومن ذلك الصراع الذي دار في ميدان التحرير بإسم ”جمعة الحساب”، والصراع الذي دار أمام “قصر الاتحادية”، والصراع أمام “مكتب الإرشاد”، وكذلك الصراع في “جمعة القضاء”، كل هذه الصراعات تستنزف قوة الإخوان إسلامياً وشبابياً، وتقضي على إنجازات الإخوان في الدعوة وفي التربية.

الخامس: التركيز على العمل السياسي والرغبة في السيطرة، والتركيز على أهل الثقة، على الرغم من أن أهل الثقة وحدهم لا يكفون لنجاح الدكتور مرسي.

السادس: إعتماد الإخوان المسلمين على عدم وجود بديل لهم، وهذا حقيقي إلى حد كبير، فالشعب المصري محب للإسلام، ويصوت للمسلمين. والبديل لم يصل بعد إلى قلوب الشعب.

هذه الأسباب كلها أدت إلى الأزمة بين الإخوان المسلمين والشعب المصري. وأن الإخوان لا يستطيعون قيادة مصر.

الأستاذ محمد حسنين هيكل وصف جماعة الإخوان المسلمين بأنهم ”أهل الكهف” للتعبير عن حالة الإنفصال بين الجماعة وواقع الدولة والمجتمع المصري في ضوء ممارساتهم في الحكم طوال الأشهر الماضية، رد ضاحكاً عليها الدكتور كمال الهلباوي أقول: للأستاذ هيكل إن الجماعة أمامها ٢١٧ سنة كي تكون مثل أهل الكهف، أو حتى تتساوى في المدة الزمنية. لكن الناس تعجبت فعلاً من الإخوان الذين ظهروا كأنهم لم يكونوا منهم، وجاءوا إليهم من مكان آخر.

هم في طريق والناس في طريق آخر، لهم أولويات متعارضة مع أولويات الناس، بل إنهم يسيرون في اتجاه مخالف لطموحات الناس وتوجهاتهم، كأنهم كانوا يعيشون في مجتمع آخر غير المجتمع المصري؟ هولاء هم جماعة الإخوان المسلمين اللذين يحكمون مصر ولذلك كان من الطبيعي جدا أن يقوم الناس بالمقارنة مابين حكم الرئيس جمال عبدالناصر أو أنور السادات أو حتي الرئيس المخلوع مبارك وحكم المرشد والرئيس مرسي، في الماضي كان الناس يحملون المرشد على الأكتاف ويمشون به، أما اليوم فالمرشد لا يستطيع أن يمشي في الشارع وحدة، الشعب دائماً كان يحمي المرشد من نظام الحكم، ويقف مع الجماعة ضد النظام، ولكن الآن الشعب بإستثناء بعض الإسلاميين، من لا يقبل المرشد، بل هناك من الشعب من فقد الثقة بالإسلاميين جميعاً.

عند المقارنة مابين أفعال المرشد والرئيس مرسي سوف نرى أن الرئيس مرسي أعلن قطع العلاقات مع سوريا موكداً أن بلاده بدأت إتصالات مع دول عربية وإسلامية لعقد قمة طارئة لنصرة الشعب السوري، أنا في حقيقة الأمر لم أصدق الخبر حينما بعث لي الشيح حسان عبد الله رئيس تجمع علماء المسلمين في لبنان برسالة يقول لي مصر قطعت علاقاتها مع سوريا، كنت أتوقع من كثرة المزايدات والخطابات الخماسية والشعارات الثورية لجماعة الإخوان المسلمين سوف يسعون إلى إلغاء إتفاقيات أو على الأقل المطالب بأخرى، أو تعديلات على نصوص معاهدة كامب ديفيد، بل أن الرئيس مرسي أصدار قراراً يمنع بموجبه دخول المسلمين من العراق وإيران إلى مصر وفي المقابل فإن الحدود مفتوحه على مصراعيها لدخول اليهود لمصر ليفعلوا ويعملوا ماشاءوا في بلاد الفراعنة، مع العلم أن ملكة بريطانيا قد سلمته رساله عن طريق السفير البريطاني في مصر تنتقد بشدة هذا القرار البائس الذي من شأنه أن يثير الفتنة والجدل في المنطقة.

كما أن رسالة مرسي لرئيس إسرائيل التي تبدأ بكلمتي "عزيزي بيريز" وتنتهي بكلمتي "صديقكم الوفي" فوجئنا بها في عالمنا العربي والإسلامي وأصابت الجميع بخيبة آمال، وبدأت الشعوب العربية والإسلامية تذكر مواقف الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر قراره بتأميم قناة السويس الذي هز العالم بأسره وليس الدول الكبرى فقط، بالمقارنة بقرار مرسي أمام مؤتمر نظمته "الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح" التي تضم رجال دين سلفيين ومن الإخوان المسلمين الذي قال "قررنا قطع العلاقات مع سوري". ونقف ضد حزب الله في عدوانه على الشعب السوري. على حزب الله أن يترك سوريا". هذا كلام جاد، فلا مجال ولا مكان لحزب الله في سوريا، ذلك جاء لااسترضاء الولايات المتحدة على حساب دماء المصريين والسوريين ظناً منهم أن واشنطن يمكن أن تحميهم من الغضب الشعبي المصري والعربي والاسلامي الذي ينتظر اليوم ٣٠ حزيران (يونيو) وهي التطاهرات التي تشهدها مصر اليوم حيث خرج ٢٢ مليون مصري يطالبون برحيل مرسي وهناك اكثر منهم في عالمنا العربي والإسلامي والعالم الحر يطالبون برحيل مرسي معللين التضامن مع الشعب المصري ومطالبه المشروعة وهو الأمر الذي أكدت عليه الخارجية البريطانية على أحقية الشعب المصري في التظاهر السلمي لتعرب عن قلقها من أعمال العنف.

د. محمد النعمانيإنجلترا

كاتب يـمـنـي يعيش في لندن

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

صفحات المقال: 1 .. 2 ..

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك