فضيلة العقل بين التطرف العلماني والتطرف الديني – ٢: الخصائص المشتركة بين الإخوان وبقية المتطرفين

بقلم/
مصر : ۲۱-٦-۲۰۱۳ - ٦:۳٦ ص - نشر

ikhwan-e1367405334835-350يا أبيض، يا أسود. هل سألت نفسك عزيزي القارئ: هل الدنيا، أقصد، كل شيء في الحياة إما أبيض أو أسود؟ ماذا تظن؟ هل نسيت أن هناك ألوان الطيف السبعة؟ وهل نسيت ألوان الزهور والفراشات والمخلوقات البحرية والنباتات والحيوانات و.. و…؟ لماذا لا تكون المعاني كذلك؟ لماذا لا يكون العلم كذلك؟ إذا وافقت على ذلك، فتذكر النظرية النسبية لألبرت أينشتاين.

ماذا لو قلنا إن المتطرفين عموماً هم سادة فكر "الأبيض والأسود"؟ لماذا عطل الفاروق رضي الله عنه الحدود عام الرمادة؟ ولماذا ألغى باب المؤلفة قلوبهم من الزكاة؟ ولماذا ألغى "زواج المتعة" على أنه زنا مقنن؟ يمكنك أن تقول إن الفاروق لم يعطل أي شيء، ولكنه فقط أوقف هذه الأمور لأن الظروف اللازمة لتطبيقها غير متوافرة. وهنا لا يختلف المعنى كثيراً بين "عطل" و"أوقف" (انظر المصري اليوم، الخميس ٢٠-٦، حوار بين نيوتن وقرائه).

حتى لا يغضب المتطرفون الدينيون، الذين ازدهروا وترعرعوا بعد ثورة يناير الحبيبة بصفة خاصة، دعني أذكرهم بأن التطرف لا يقتصر عليهم فقط، وإنما هناك الملحدون الدوجماتيون، وهناك المتطرفون الشيوعيون، وهناك الرأسماليون المتطرفون، وهناك المتطرفون المعتقدون في نظرية المؤامرة، وهناك المتطرفون العنصريون، وهناك المتطرفون العلمانيون. يشترك جميع هؤلاء في الخصائص التالية:

١. يعتقد المتطرف أنه يمتلك الحقيقة المطلقة. لديه تصميم صارم على صحة موقفه وفكره. يذهب إلى حد الاستشهاد للدفاع عن موقفه. يعتقد أن وجوده وماهيته يمكن أن يهددهما أي شك في صحة موقفه. من يتفق مع موقفه مصيب، ومن يختلف معه مخطئ هالك. يَنتج هذا الموقف من عدم الشعور بالأمن. الإنسان الذي يشعر بالأمن والأمان لا يمكن أن يكون متطرفاً. ويلجأ المتطرف إلى قمع الآخرين، وقد يلجأ إلى القتل نظرا لهشاشة موقفه النفسي.

٢. يقوم المتطرف بشيطنة الآخرين المختلفين معه. يستخدم لغة عنيفة منحطة للهجوم على من يخالفونه لدرجة التكفير. تشتمل الشيطنة على لعن الطرف الآخر بدلاً من تناول القضايا بموضوعية. يتهمه بسوء دوافعه، ودناءة خصائصه، وفساد قيمه، وسوء جماعته، بل وانحراف أسرته. يلوم المختلفين معه على أنهم سبب جميع مصائب الدنيا. يحاول المتطرف بهذه الشيطنة وتلك اللغة أن يؤمن نفسه باستجداء الموافقة من الآخرين، وتكوين جماعة حوله يطمئن بها وإليها. ولا يستطيع المتطرف أن ينظر إلى الآخر على أنه إنسان مثله له نفس الحاجات والرغبات والآمال.

٣. ينتظر المتطرف معركة نهاية الزمان، معركة أرمجدون، التي تنتصر فيها عقيدته أو وجهة نظره. هذا هو ما نسمعه من متطرفي القساوسة والشيوخ والكهنة. ليس هذا فقط وإنما نسمعه أيضاً من متطرفي الشيوعية والإلحاد والنازية وغير ذلك. يدعي المتطرف أن عدم الرضوخ لقيمه سوف يؤدي إلى كارثة مثل انتشار الكفر، أو عودة الشيوعية، أو حدوث فيضان وزلازل، أو حرب نووية، أو غضب الله سبحانه وتعالى… إلخ.

٤. عدم القدرة على تحمل الاختلاف. ومن أجمل ما قيل في هذه الخاصية ما قاله الرئيس الأمريكي الراحل جون كيندي حيث يقول: "إن ما نعترض عليه، هي تلك الخطورة التي يمثلها المتطرفون، ليس بسبب أنهم متطرفون وإنما لأنهم لا يحتملون الاختلاف. الشر ليس فيما يقولون حول قضيتهم، وإنما الخطر يتمثل فيما يقولون عن المخالفين لهم."

٥. يلجأ المتطرف إلى قاموس الشتائم مثل اتهام الآخر بأنه عنصري (البرادعي متهماً بحب اليهود والصهيونية واعترافه بالمحرقة)، مخرب (جبهة الخراب)، لا ديني منحل (شارب خمر، مؤيد للعري، يقبل النساء)، كاره حقود، انتهازي، أحمق، معتوه مصاب بالألزايمر، كركوب عجوز، غير وطني، شيوعي، نازي، جاسوس، كاذب،… إلخ، كل ذلك يلجأ إليه المتطرف من أجل صرف النظر عن القضايا الموضوعية الفاشل هو في معالجتها، بالإضافة إلى تشويه سمعة الآخر وتشجيع الجماهير على عدم الإنصات لهذا الآخر أو حتى سماعه.

٦. يلجأ المتطرف للتعميم الكاسح دون برهان ويخلط بين التشابه والتماثل. يدعي المتطرف أنه إذا تشابه آخر مع آخر في شيء فلابد إذن أن يكون مثله تماماً في كل شيء، (البرادعي يشبه الغربيين في تقديره للمرأة فلابد إذن أن يكون غربياً خواجة، حمدين يشبه ناصر في تقييمه للعدالة الاجتماعية فهو إذن دكتاتور اشتراكي).

٧. المتطرف لا يعرف المنطق ولا يجيد البرهان والتدليل، ويلجأ إلى اختيار جزئيات مجتزأة من الواقع (لا تقربوا الصلاة) ليثبت بها عقيدته، ويميل إلى التفكير بالتمني، ويلجأ إلى الخرافات والدجل العاطفي (حلمه بالحبيب محمد صلى الله عليه وسلم في جمع بالمسجد مع مرسي وطلب الرسول عليه الصلاة والسلام (الذي أم جميع الأنبياء) من مرسي أن يؤم الناس بدلاً منه صلى الله عليه وسلم.) يعلم المتطرف أن الالتحاف بالدين بقرة مقدسة، ويعلم أن الناس تتأثر بالادعاءات الدينية والصلة بالله سبحانه وتعالى.

٨. يميل المتطرف إلى الكيل بمكيالين. يقبل المتطرف قيمه وادعاءه دون برهان من جانبه، بينما يطلب من الآخرين برهاناً لقيمهم وادعاءاتهم. يدافع عن نفسه وعن موقفه لظروف خاصة مثل تعرضه للظلم سابقاً، أو لأنه يمثل ديناً أو أيديولوجية عظمى، أو تعرضه للظلم حالياً (مثل عدم إتاحة الفرصة للإخوان للحكم.)

٩. يلجأ المتطرف إلى منع الآخرين من وسائل الإعلام. يهاجم الإعلام المختلف معه ويشيطنه. يشعر المتطرف بتهديد بالغ إذا انتقده الإعلام. لا يسمح المتطرف إلا بالسماع له. ولذلك فانظر إلى الحرب على الإعلام، والقضاء والثقافة والأزهر الشريف.

١٠. إصابة المتطرف بمرض ستوكهولم المعروف (القط يحب خناقه، ويقلده). أنظر إلى التشابه الصارخ بين السلوك القمعي لمبارك والسلوك القمعي لمرسي، وانظر إلى تقليد مرسي لمبارك، وتقليد حزب الحرية والعدالة للحزب الوطني، وتقليد رجال أعمال الإخوان لرجال أعمال مبارك. يرجع هذا التقليد إلى نظرة المتطرف لعدوه (مبارك) على أنه قوي، ومن ثم فبلا وعي يرتبط به ويقلده. ولذلك فكثيراً ما يقلد أعداء النازية والشيوعية السلوك النازي والشيوعي من حيث المشاعر العنيفة، والبلطجة، والسلوك الأعنف. المتطرف وعدوه صورتان لبعضهما في المرآة، ويسلكان سلوكاً متشابها لدرجة مدهشة.

١١. يميل المتطرف إلى التفاخر والتعالي والغطرسة لأنه يعتقد في "سيادته ونقائه"، ويعتقد في علاقته الخاصة بالقوى الأعظم (الله سبحانه وتعالى) أو تنظيم معين كالإخوان (اللهم أمتني على الإخوان!)، كما يفخر باستعداده للاستشهاد من أجل قضيته. يعتقد المتطرف أنه ينقذ دينه، أو ينقذ العالم، أو ينقذ البشر، ومن ثم فأي مخلوق تافه هذا الذي يقف أمامه من أجل رسالته العظمى؟

١٢. يعتقد المتطرف أنه يجوز له أن يرتكب المنكرات ويخالف القيم الدينية والسماوية العليا من أجل تحقيق رسالته. إيمانه بالغاية يجعله ينكر شرف الوسيلة. المتطرف أستاذ لمكيافيللي نفسه. المتطرف يكذب، يحنث بقسمه ووعده وعهده، يخالف العدالة الاجتماعية، يعذب الآخرين ويقهرهم ويشوه صورهم، يزور، يسيء الاقتباس والاستشهاد، يفترى، يقذف ويشتم ويطعن ويكفر، يقمع، ويعنف، كل ذلك في سبيل تحقيق غايته.

١٣. المتطرف بارانووي متوهم، متوثب، متشكك يعتقد في رفض الآخر له وكرهه إياه لمجرد الاختلاف الأمين معه من جانب الآخر.

١٤. المتطرف إن لم يكسب معركته، فالكون شيطان. إذا خسر الانتخابات فالانتخابات لابد إما أن تكون مزورة، أو أنه سوف يقوم بحرق مصر. إذا انقلب عليه الرأي العام فيكون ذلك بسبب غسل الأدمغة من جانب الإعلام الفاشل الشيطاني.

١٥. لا يتحمل المتطرف عدم اليقين والمواقف الاحتمالية، ولذلك فهو يلجأ إلى تكبيل أعدائه بسن القوانين والتشريعات المكبلة، وهذا يفسر التصميم على "الانتخابات أولاً"، ومحاربة القضاء، وسرعة إصدار الدستور والقوانين والتشريعات.

١٦. المتطرف لا يتحمل مسئولية التفكير الفردي (بل يميل إلى السمع والطاعة). ولذلك تجده يقول لك سأسأل شيخي مثلاً. ينشأ ذلك من الانتماء لجماعات أيديولوجية صارمة، ومن ثم فالمتطرف هو ضحية لمصيبة التفكير الجمعي. يذوب المتطرف في ثقافة الجماعة المتطرفة ويفقد شخصيته.

١٧. يميل المتطرف إلى شخصنة العداء. إذا أصيب عدو المتطرف بكارثة أو مرض أو حادثة، أو حتى إذا توفى يفرح المتطرف ويحتفل معتقداً أن عدوه قد نال عقابه العادل. فرح المتطرفون بمقتل السادات وما زالوا يفخرون ويحتفلون بذلك، وحزنوا على نجاة مبارك من الاغتيال. وقد شاهدت بعيني قبل حصولي على الدكتوراه في الولايات المتحدة بأربعة أشهر (ابريل ١٩٦٨) احتفالات اليمين المتطرف الأمريكي بمقتل مارتن لوثر كنج رحمه الله، كما شاهدت أيضاً حزن اليسار المتطرف بنجاة جورج والاس حاكم ولاية ألاباما من الاغتيال من بعد ذلك. المتطرف لا يكره الفكرة ولكنه يكره الأشخاص.

وإلى أن نلتقي في ٣٠-٦-٢٠١٣ أبتهل إلى الله سبحانه وتعالى: اللهم ارحمنا من حكم الإخوان ومن شابههم من المتطرفين.

أ.د. محمد نبيل جامعمصر

أستاذ علم إجتماع التنمية بجامعة الإسكندرية

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك