الفحل.. للكبار فقط

بقلم/
مصر : ۱۹-۵-۲۰۱۳ - ۷:٤۷ ص - نشر

married-twoسيَبقى صراعُ البَشَر ما دامت هناك قِلةٌ مُتَألّهة، تحتكر الموارد، وتغتصب السُلطة، وتَنتَشي بالتميز.

هل المصريون فعلاً لا يجيدون شيئاً إلا صناعة أقراص الطعمية؟ تهمة وجهها للمصريين أحد أعضاء النخبة في دويلة قطر.

أي مخلوق على وجه البسيطة بدءاً من أهل أحراش أمريكا اللاتينية وإفريقيا واستراليا حتى أغنى أغنياء بفرلي هيلز يعلم قدر مصر وحضارة مصر وأزهر مصر وعلماء مصر وأدباء مصر وفناني مصر وجيوش مصر.

مقابل الخبرات والعطاء الإنساني الراقي الذي قدمناه لكم أهل الجزيرة، قدمتم لنا منذ ظهور البترول (الذي جعلت حرب ٧٣ له ثمناً) قدمتم أموالاً أجر ما سقيناكم من خبرة وعلم وثقافة نحمد الله عليها ولا ننكرها أبداً، ولا زلتم. ولنتأمل معاً الخبرين التاليين اللذين مرَّا مرور الكرام:

المصري اليوم، صفحة ٢٠، بتاريخ الخميس الماضي ١٦ مايو، خبران متجاوران في قاع الصفحة، الأول بعنوان "لا كرامة للمخترع الصغير في بيته"، محمد مصطفى (١٣ عاماً) ساكن البداوة المصرية في الخارجة بالوادي الجديد اخترع من بين اختراعاته العديدة ثلاجة وتكييف يعملان دون فريون، وكان أول اختراع له لعبة أطفال عبارة عن سيارة تعمل بالبطارية، والخبر الآخر "سعودي يتزوج عروسين الليلة ويدخل بهما في نفس الليلة وفي نفس القاعة"، والخبر يعرض صورة لتذكرة الدعوة وبها أسماء الآباء الثلاثة والد العريس ووالدي العروسين، وأين؟ في مكة المكرمة!!!

هذا الخبر هو أحدث عصارات "الإسلام السياسي" الذي استوردناه للأسف من الجزيرة العربية منذ هجرة الفقراء البسطاء بحثاً عن الرزق هناك. عاد هؤلاء البسطاء وقد أصبح بعضهم "شيوخاً ومجاهدين"، وانتشرت ثقافة الإسلام البدوي عندنا بأشرطة التسجيل والجلاليب وزيوت العطر والأسوِكة والماديات الأخرى، إلا أن الأخطر من هذا كله هو انتشار فقه "الحيض والنفاس" كما أطلق عليه العلامة الجليل الشيخ محمد الغزالي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته ورزقنا العديد من أمثاله.

هل سيدافع مشايخ الفضائيات الدينية عن هذا الفحل الذي تزوج عروسين في ليلة واحدة؟ يؤسفني أن أتحدث عن هذه القضايا التافهة ومثلي الأجدر بمناقشة قضايا التنمية والتحول الثوري، ولكن كيف يسير قطار التنمية على قضبان رخوة معوجة وأرض هابطة منحدرة؟ ومن هنا تصدق المقولة القاطعة في العلوم الاجتماعية المعبرة عن استحالة التنمية الاقتصادية دون الاستقرار السياسي أولاً وما يتبعه من استتباب أمني وسيادة جو الثقة بين الحاكم والمحكوم.

ماذا استوردنا منكم أهل الجزيرة؟ استوردنا حكم الإخوان والمتسلفة المدعين بأنهم حملة المشروع الإسلامي، مشروع الآذان أثناء انعقاد جلسة مجلس الشعب، المشروع ذي الصيحة الأحدث، مشروع الزواج بعروسين في ليلة واحدة، مشروع زواج القاصرات، ولن أستمر في المزيد من الاتهامات ولكني سأتوجه للتساؤل عن حقيقة الإنجازات لمشروع مرسي والشاطر والمتسلفة في أربعة مجالات:

١. القيم: أين قيم الإسلام الحق التي تتمثل في التوحيد وعدم الشرك الأصغر وعدم موالاة الأعداء، العدل والعدالة والمساواة وعدم التعامل بمكيالين أحدهما للأهل والعشيرة والآخر للأغيار، الحرية بما فيها حرية التعبير لا المطاردة والتحرش بأهل الفكر وتعذيبهم، وحرية العقيدة لا تكفير خلق الله من خارج الأهل والعشيرة، وحرية الملكية الخاصة دون احتكار لها لتجار الأهل والعشيرة، وحرية الحركة والتنقل وعدم مطاردة وتعذيب المسافرين من غير الأهل والعشيرة، الرفق بالفقراء والتحيز لإشباع حاجاتهم المنقوصة والمهدرة، الرفق بالقوارير وتعزيز قيمة ومكانة المرأة والفتاة، اللين والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والكلمة الطيبة لا الغلظة وبذيء الكلام، الإخلاص والتقوى ومحاسبة النفس والشعور بالمسئولية، توحيد الرعية ونشر التحاب بينهم لا شق صفوفهم والتفريق بينهم والانحياز لفريق منهم، التنمية البشرية وإطلاق طاقة العمل والإبداع كما عبر عنها الفاروق رضي الله عنه وهو يعبر عن آماله غير المادية فرقا عن جلسائه من الصحابة حين قال "ولكني أتمنى أن يكون ملء هذا البيت رجالاً من أمثال أبي عبيدة عامر بن الجراح، فأستعملهم في طاعة الله."

٢. المعايير والقوانين والبناء المؤسسي: من القيم السابقة تنشأ المعايير والقوانين والأبنية المؤسسية، وفي مقدمة هذه كلها "الدستور"، الأساس المتين الذي تنطلق منه وتتوافق معه كافة المعايير والقوانين والأبنية المؤسسية الأخرى. حدث ولا حرج فيما حدث من خسة سياسية في تمرير دستور متأخر لا يتفق عليه الشعب ولا يروق إلا للأهل والعشيرة ومع ذلك يعترفون مع رئيسهم بأنه في حاجة إلى تعديلات. والعجيب أن الهيئة الموكلة بتطبيق القوانين وهي السلطة التنفيذية قد اختيرت من الأهل والعشيرة والأحبة دون الكفاءة والخبرة، والأعجب أن الهيئة الموكلة بالحكم علي صحة تطبيق القوانين وهي السلطة القضائية قد عرضت لحرب ضروس ومذبحة غير مسبوقة وتعويق صادم إلى أن تخضع للإرادة الإخوانية بالدرجة الأولى والمتسلفة بالدرجة الثانية.

٣. التنظيم والإدارة والعمل الجمعي: هذا موضوع يطول الحديث فيه، ولكن الأمر الواضح والذي يدركه أي إنسان بسيط هو أن الإخوان والمتسلفة وأحباءهم حكام هذا الوطن حالياً لا يفقهون شيئا عن التنظيم والإدارة والعمل الجمعي حيث أن ما يمتلكونه من ذلك، وهو النذر اليسير، يوجهونه كلياً إلى التمكين والأخونة، وبسبب جهلهم في ذلك أيضا سيفشلون بكل تأكيد.

٤. توجيه وتنمية الموارد والممتلكات الوطنية: وذلك من موارد بشرية وطبيعية ومادية من صنع البشر كالتكنولوجيا المحلية والمستوردة، وهذه هي الثروة العظمى لمصر ولكن ماذا تتوقع من قوم لا يعون ولا يدركون ماذا في ذلك يفعلون.

أقول في النهاية، هل يصح أن نترك هذه الأمور العظام، مسئولية الحاكم الأولى، لنتنابذ بسوء الكلم ونتعصب لانتماءات عمياء، ونتباهى بتطبيق فقه "الحيض والنفاس" ونتفاخر بالرئيس الملتحي والذي يصلي ويصوم ويحج ويدخل السجادة للمرة الأولى في قصر الاتحادية، وننسى أن الرؤساء السابقين كانوا مسلمين يصلون ويصومون ويحجون ويعتمرون؟ صبراً أيتها المحروسة الجميلة وانهضي بعون الله من كبوتك.

أ.د. محمد نبيل جامعمصر

أستاذ علم إجتماع التنمية بجامعة الإسكندرية

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

تعليق واحد

  • ابو عبد الله السكندرى

    مصطلح الاسلام السياسى بدا بعد بذوغ احزاب وجماعات تتبنى اعادة الدول الى حظيرة الاسلام بعد ان تم الانقضاض عليها وتمزيقها واستيراد قوانيين غريبة عن الامة نسخت كما هى باخطائها من النسخ الفرنسية لتشكل تغريب المجتمع والدول الاسلامية واحصرت بعد ذلك هذه الدول البائسة الى داخل الحظيرة القومية التى تم طرح على الامة بديلا عن الاصل ثم انهارت القومية بعد 67 وانهيار مشروع الوحدة العربية فانحصرت بعد ذلك داخل مشروع الوطن والدويلات المنقسمة على نفسها وها نحن اما مشروع دويلات داخل الدويلة فهلا وعيتم الدرس

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك