همسة في أذن الحكومة

بقلم/
فاتن حافظ
مصر : ۲-۵-۲۰۱۳ - ۱۰:۱۷ ص - نشر

حالة من السخط والإستياء العام تجتاح الشارع المصري وردود أفعال حانقة وإحباط من أداء حكومي لا يحقق الرخاء والإزدهار، فبعد الحراك الثوري التاريخي الذي هز أرجاء البلاد لم يجن المصريون سوي إنفلات أمني وإنهيار إقتصادي وغلاء متوحش وجماعات وأحزاب تغرق في صراعات سياسية وحزبية فإنهارت الوعود الوردية وحلت محلها قتامة الواقع.

لأول مرة في تاريخ مصر، منذ عهد الوالي محمد علي وحتى حكم الرئيس المخلوع، تحكم مصر جماعة دينية ذات طابع إسلامي خاص، فبعد حكم الولاية إلى حكم الملكية إلى حكم الجمهورية تخضع مصز الآن الي حكم غير تقليدي وغير مألوف على شعبها وتاريخها، حكم يصبغ الصفة الإسلامية على الدوله المدنية ويخضعها لأجنداته وأغراضه ويحكم قبضته على السلطة ويتوغل بدهاء ومكر غير محسوس في وزاراتها ونقاباتها ومؤسساتها ليقوض أية محاولة تحول بينه وبين مشروع الإستحواذ المهيمن على الدولة وتأتي مصلحة المواطن في المرتبة الثانية من جدول أعمال النظام الحاكم حال ما فشل في تحقيق أجندة الهيمنة.

حتى لا تنهار مصر وتنزلق في منحدر الفوضى يجب أن ندرس أداء الحكومة والعقبات التي تحول بينها وبين إستقرار البلاد ومسببات سخط الشارع، هناك ستة عقبات تتحدى نجاح أية ثورة وتعوق مسيرة الإستقرار لأية دولة هز أرجائها زلزال ثورات الربيع العربي. عقبات إن لم تتداركها الحكومة وتتعامل معها بحنكة ومهارة سيزداد أداءها في عشوائيته ويتفاقم في بوهيميته ويزج البلاد في منزلق لا يعلم غياهب الفوضي فيه إلا الله.

أولاً: نحن نعيش في زمن معقد ذو حراك ثوري مذهل لا يخطو خطوات سريعة بل يقفز قفزات منطلقة نحو الديمقراطية وما أحوجنا أن نواكب هذا الحراك الرائع ونلاحقه. وأول خطوة في مسار تقدم الأمم تأتي عندما يصاغ لها دستور يحترم حقوق الإنسان، يقر شروط المواطنه، يمنح حق المساءلة والمحاسبة، يسن القوانين، ويرفض الحكم الفردي، دستور تقره وتعتمده كل طوائف المصريين، دستور يكون خريطة الطريق للحكومة والشعب، دستور ينص في المقام الأول على هوية البلاد وليس هوية الجماعة، فإحذروا أن تصبغوا هويتكم على شعب تميز دائماً بشخصيتة الفردية، فيصبح غريباً على تاريخه وغريباً على إنتماءه، يهجر ماضيه ويستغرب حاضره.

ثانياً: لا شك أن أحداث ما بعد الثورة أصابت الإقتصاد المصري في مقتل وتركتة يعاني وينزف، إنهيار البورصة، إحجام المستثمرين، تراجع عدد السياح، إعتصام وتمرد ووقفات إحتجاجية، تباطؤ عجلة الإنتاج، كلها أمور سيعاني وطأتها الفقير والغني على حد سواء وستأخذ وقتاً طويلاً حتى ينهض ويتعافى منها الإقتصاد المصري, لكن الشفافية والصدق في توضيح الموقف من أهم الأمور التي تعني المواطن المصري، إطلاق شائعات ورسائل إطمئنان بإقتصاد يزدهر بين يوم وليلة، لا يرسل إلا رسائل إستهانة بذكاء المصري ولن يغيب عن فطنته أن التسويق هنا هو فقط لسمعتكم وجدارتكم وليس للسوق المصري فمن أين التمويل لمشاريعكم الجبارة وإن توفر، فمن أين مصدره، فإحذروا الصورة الوردية وقتامة الموقف جلية أمام أعيننا.

ثالثاً: التوافق بين قوى المعارضة ومؤسسات الرئاسة وبين الأحزاب الدينية والأحزاب اليبرالية، فإن عدم التوافق وازدياد التناحر والشد والجذب هو وثالث أكبر عقبة تتحدى إستقرار مصر، الحوار ثم الحوار ثم الحوار وعلى القوة الحاكمة أن ترضخ وتنصت بإذعان لقوى المعارضة لأن تلك هي مسؤليتهم وحق الشعب عليهم، وعلى الأحزاب الدينية أن تقر بأن الليبرالية هي الصوت الآخر للشعب وأن الليبرالية أسلوب حياة ومنهج وأن أكثر من ثلثي العالم يتبعه، وليس من الحكمة أن نعزل أنفسنا عنهم لأننا نمثل أقل من الثلث الآخر وما نجح من عاش وحيداً. عززوا جوانب التوافق والتعايش، بالذات بين الحكومة وأطراف المعارضة وإلا إزداد التمزق والإنقسام وإتسعت الفجوة بينكم وبين الشعب وكان الفشل لا محال حليفكم.

رابعاً: إحترام هيبة الكيان الديني وإبعادها تماماً عن أجنداتكم وأغراضكم السياسة، يرتبط البشر إرتباطاً عقائدياً عميقاً بدياناتهم ومذاهبهم والمساس بها وعدم مراعاة قدسيتها فتيل يشعل لغم في حقل ألغام، فلا طائل لنا من التوتر الطائفي فلا توقعونا في شباك الصراع والتنافس على السلطة ولا تستخدموا الدين لتحقيق أغراض سياسية. لا وصاية ولا ولاية على الأزهر الشريف ولا تجاهل ولا تجنيب للكنيسة المصرية وتذكروا أن وسطية الإسلام هي التي قننت وسطية الأزهر وكنيسة هي التي قننت التلاحم والإنسجام بين طوائف المصريين. فلا تقحموا الدين في السياسه ولا تقحموا السياسة في الدين، أنتم فقط معنيون بشئون السياسة والإقتصاد وتذكروا أن فوزكم بالرئاسة جاء من تحكيم الفقير المطحون اليائس، فإجعلوا خدمة الشعب هي شغلكم الشاغل.

خامساً: تهميش دور المرأة وإقصاء المؤسسات التي تمثلها من المشاركة في الحياة السياسيه، المرأة المصرية دائماً مثال للمرأة العربية المثقفة الواعية، تاريخها في النضال السياسي يعود إلى ثورة ١٩١٩ ضد الإحتلال الإنجليزي ويشهد هتاف "الإستقلال التام أو الموت الزؤام" على عشق بين للنضال السياسي. فمن المؤسف أن نرى أن تمثيلها في مجلس الشورى والهيئات الإستشارية لرئاسة الدولة ينحصر ويأتي فقط من إتجاه واحد "وهو الحزب الحاكم" وهو تمثيل لا يعبر عن المرأة المصرية ولا عن كل هويتها. المرأة المصزيه هي المرأة المسلمة والمسيحية، المتحفظة والليبرالية، الجامعية والفلاحة، الطبيبة وربة المنزل، فإن كان تمثيلها يأتي من جهة واحدة وحزب واحد، فهذا حصر لعقليتها وقدراتها وهو أيضاً إقصاء وتحجيم لإنطلاقهاو إبداعها، الأمر الذي يعوق التغير والتطور ويخلق مجتمع نصف معوق.

سادساً: إنهاء حالة الإنفلات الأمني وعودة قوات الأمن إلى الشارع المصري بنفس كثافتها وقوتها فليس هناك مبرر لغيابها عن الشارع المصري أو سبب يدفعها للتقاعس عن أداء مهامتها. أكبر مسبب لتصدع الثقة بين المواطن ومؤسسة الرئاسة هُوَ عدم إحساس المواطن بالأمان داخل وخارج بيته. مصر ليست بلد العنف والعصابات ولا بلد السطو المسلح وعناصر الإرهاب، جميعها أمور وغريبة وعلى طرفي نقيض من طبيعة شعب هادئ مسالم مثل شعب مصر. وجود الأمن يساعد بالدرجة الأولي على إستقرار الحالة الإجتماعية التي تتمثل في أمن المواطن داخل المسكن والشارع ودور العبادة، والذي يؤدي الي إستقرار الحالة الإقتصاديه التي تتمثل في ثقة المستثمر والمستورد والممول والمودع مما يؤدي بدوره إلى الإستقرار السياسي فتنشأ أجيال ذات نضج ووعي سياسي ورؤية واضحة لمتطلبات للحاضر والمستفبل. أما إن كان غياب الأمن فعل متعمد أو مؤامرة مجهولة المصدر فلا يجب أن يغفل الشعب عن من وراءها ويعاقبهم بلا هوادة حتى وإن كانت هي عناصر الأمن ذاتها.

من الطبيعي أن تكون هناك عقبات في مرحلة ما بعد الثورة، ولكن تتميز فترة مابعد ثورة ٢٥ يناير في مصر بزخم غير عادي في وقائعه وأحداثه، فهناك حدة في التنوع والتعارض والتناقض. هناك نسبة جهل مرتفعة أمام قلة من العلماء والمفكرين، وهناك أغلبية حاكمة ذات طابع ديني يحكم شعب بطبيعته وسطي معتدل، أحزاب دينية متطرفة ونقيضها ليبرالية، وكتلة ثائرة ترفض أنصاف الحلول وكتلة أخرى صامتة ترضى حتى بأقل من أنصاف الحلول، وإعلام صاخب ينتقد أداء الحكومة وإعلام آخر صارخ يمجد أداء الحكومة، جيران على الحدود يشيدون بأمجاد التغيير، وجيران آخرون أيضاً على الحدود أعداء متربصين بالتغيير. نحن أمام مرحلة مصيرية شديدة الخطورة وخطوة جوهرية في تحديد ملامح وخريطة طريق الدولة الحديثة، ما نبنيه الآن سيحدد مسار الأمة العربية التي مركزها مصر، فإما أن نشارك بكل ما أوتينا من حنكة ومهارة وفكر وإبداع وعلم أو نتركها لكل مغرض ومنتفع ومتربص يذيقنا فيما بعد ويلات الفشل.

همسة في أذن الحكومة، حافظوا على صدق كلمتكم حرروا عقولكم من نرجسيتكم لا تسيروا القهقري، منحناكم السلطة لتخدموا الشعب وليس أنفسكم، فلن يرحمكم التاريخ ومدوناته الوثائقية إذا أخطأتم في مصر، وتدبروا كلمات الله وتمعنوا النظر في سيرة الرسول الكريم والخلفاء الراشدين، حكموا بالعدل عاشوا فقراء وماتوا فقراء.

وهمسة في أذن الشعب، لا نضمن أن تأتي الثورات دائماً بكل ما تشتهي الأنفس، ولكن نضمن أن لا نجعلها تحيد أو تضل الطريق الصحيح، أعيننا مفتوحة وعقولنا يقظة وعزيمتنا متوقدة وأقلامنا مبراة ومصيركم سيحدد.

فاتن حافظأمريكا

كاتبة مصرية مقيمة في الولايات المتحدة

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

Leave your vote

0 points
Upvote Downvote

Total votes: 0

Upvotes: 0

Upvotes percentage: 0.000000%

Downvotes: 0

Downvotes percentage: 0.000000%

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق



Hey there!

Forgot password?

Don't have an account? Register

Forgot your password?

Enter your account data and we will send you a link to reset your password.

Your password reset link appears to be invalid or expired.

Close
of

Processing files…

أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك

Warning: mkdir(): Disk quota exceeded in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/vendor/websharks/html-compressor/src/includes/classes/Core.php on line 2715

Warning: file_put_contents(/homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/cache/zencache/cache/http/ahlan-com/2013/05/02/whisper-to-government.html-5a6275baf09da865278058-tmp): failed to open stream: Disk quota exceeded in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 355

Fatal error: Uncaught exception 'Exception' with message 'ZenCache: failed to write cache file for: `/2013/05/02/whisper-to-government/`; possible permissions issue (or race condition), please check your cache directory: `/homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/cache/zencache/cache`.' in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php:360 Stack trace: #0 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->WebSharks\ZenCache\Pro\{closure}('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #1 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/classes/AbsBaseAp.php(55): call_user_func_array(Object(Closure), Array) #2 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AbsBaseAp->__call('outputBufferCal...', Array) #3 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->outputBufferCallbackHandler('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #4 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-includes/f in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 360