التحول الديمقراطي إلى أين؟

بقلم/
مصر : ۲۸-۳-۲۰۱۳ - ۸:۱۱ ص - نشر

domiataدشنت الكثير من المناظرات وتطلق العديد من الحوارات والأحاديث للتساءل حول "التحول الديمقراطي في مصر وصل إلى أين؟" وفي حقيقة الأمر لو ركزنا قليلاً نجد أن المحاوريين والمناظريين لم يشيروا ولو بكلمة عن هذا الموضوع فكل منهم له رؤية وتوجه يأتي لكي يقوله فحسب وأعتقد أن هذا هو التحول. لهذا قررت أن أكتب عن التحول الديمقراطي في مصر بعد الثورة، ومعرفة هل تعتبر مصر دولة من دول الديمقراطيات الناشئة أم ماذا؟ وللدخول في هذا المجال يجب أن يدرك الجميع أنه ليس من الضروري أن يتبع قيام الثورات ظهور ديمقراطية أو عملية تحول ديمقراطي، فقد يعود النظام الإستبدادي مجدداً كما في الحالة الرومانية والروسية أو قد يظهر النظام القديم في ثوب جديد كما نشهد الآن في الحالة المصرية.

إن ما يحدث في مصر بعد الثورة ليس تحولاً ديمقراطياً كي يتساءل البعض "التحول الديمقراطي إلى أين؟" بل تلاشت كل معالم عملية التحول الديمقراطي، ولم تشهد الساحة أي إجراء سليم من إجراءت عملية التحول الديمقراطي بعد الثورة، وكان يجب التساءل "هل دخل التحول الديمقراطي مصر أم مازلنا في مرحلة إستبداد الدولة؟"

إن الديمقراطية هي جوهر كل دستور سياسي، والدستور المصري مشوه وعقيم وبالتالي فالديمقراطية المصرية لم تقم بعد، بل هناك محاولات عرجاء تسعى للإستبداد تحت مزاعم التحول الديمقراطي، وأساليبها لم تختلف عن أساليب النظام السابق، فالنظام الحالي يتجمل بالألفاظ والخطابات موظفاً دماء شهداء الثورة ويسعى لتهجين التسلطية بأن ترفع شعارات الديمقراطية لتحقيق أهداف ومصالح معينة. أصبحت الديمقراطية نظاماً سياسياً ذا قيمة فريدة في هذا العصر، فكل بلد تعلن نفسها ديمقراطية على الرغم من إفتقارها إلى الشرعية، كما ظهرت أيضاً تركيبات غريبة يستخدمها الساسة سوءاً من النظام أو من المعارضين وكل هذا ليس تحولاً ديمقراطياً بل إحتواء للثورة كما حدث في البرتغال مثلاً. والدولة في مصر تقف عقبة في عملية التحول الديمقراطي، فهي تعمل على إنسداد الطرق من أجل أخوانة الدولة.

إن ما يحدث في مصر ما هو إلا هجين التسلطية "تلفيق للديمقراطية" من خلال خلق مزيج من التعددية الموجهة، كإنتخابات مقيدة، وقمع إنتقائي، ولم يقتصر على كونه إستراتيجية لبقاء النظام الحالي فحسب بل طرح كنموذج من نماذج التحول الديمقراطي. وعليه فمصر دخلت دائرة تضييق حدود المشاركة وتبنت الإستراتيجية الرمادية للتحول اللاديمقراطي.

لا يوجد في مصر أي مؤشر لعملية التحول الديمقراطي، فهناك تسييس للقضاء وتحطيم قواعد التنافسية الإنتخابية من خلال الإصرار على قانون إنتخابات يكرر أخطاء الإنتخابات الماضية ويعصف بحقوق الناخب والمرشح من خلال ترسيم دوائر إنتخابية تحابي النظام الحاكم على حساب الأحزاب والشعب، وهو ما فعله أحمد عز في إعادة ترسيم دائرة مصطفى بكري لضرب المعارضة لصالح الحزب الوطني.

إن مقارنة إجراءات عملية التحول الديمقراطي بما حدث في مصر يؤكد أننا مازلنا بعيدين عن البدأ في عملية التحول الديمقراطي، وما يؤكد ذلك إجراءات وخطوات التحول الديمقراطي، وهي:

– الدستور والظروف التي تم فيها لم ولن تكن إنعكاساً لعقد إجتماعي جديد أو نتاجاً لتوافق القوى السياسية والإحتماعية. بل مؤشراً لنزعة الغلبة والإستحواذ للقوى الإسلامية كما برز في تشكيل اللجنة التأسيسية الأولى والثانية، كما تتضح في تحصين اللجنة التأسيسية التي أعدت مشروع الدستور، بكل ما ينطوي عليه من إختلالات وإنقسامات حادة حوله، وذلك حتى لا تحكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية قانون تشكيلها المختل.

– العملية الإنتخابية وما تتضمنه من نظام إنتخابي لا تقوم على قواعد وأطر تشريعية تحترم التنافسية الإنتخابية أو تأسس نظام إنتخابي عادل يُمكن كل القوى السياسية، بل تكرر خطأ مجلس الشعب المنحل، وتزيد من إرهاق الدولة مالياً وتبعدنا كل البعد عن الإنتهاء من المرحلة الإنتقالية، فضلاً عن تحصين الشورى من الحل لعدم دستورية القانون الإنتخابى وتعيين ٩٠ نائباً بإسم الديمقراطية.

– سياسات وأداء النظام السياسي، وأعنى إجمالاً للنظام الحاكم والقوى المعارضة، فكل منهم لا يسعى لإرساء ركائز التحول الديمقراطي بل يسعى لتدشين إستراتيجية خاصة، فمن ناحية الناظم الحاكم نجد أخونة واضحة للدولة في تشكيل رؤساء تحرير الصحف، والمجلس القومي لحقوق الإنسان، وتشكيل الرئيس لمؤسسة الرئاسة، ومن ناحية المعارضة فالأغلبية منها منتفعين يسيرون على درب "الواد محروس بتاع الوزير" ويتجملون في تصريحات وفضائيات دون أجندة حقيقية للإصلاح.

– إجراءات التحول الديمقراطي تتطلب إستيعاب كافة الجماعات السياسية والإحتماعية، وما يحدث في مصر بقيادة الرئيس ما هو إلا صدام بين مكونات النظام السياسي وافتقاد التوافق، حيث إنزلقت الفواعل السياسية إلى الصراع فيما بينها بسب الدستور المشوه. وظهر التيار الحاكم وكأنه مسعوراً سياسياً حيث أنتج سلوكيات غير مقبولة لأي مواطن بأن عمل على إنسداد مؤسسات الدولة أمام غير المنتمين له "مكوشاً" على كل مفاصل الدولة، حريصاً على منع أي فرصة لغير المنتمين له سواء من الليبراليين أو المستقلين.

– الصدام بين النظام الحاكم والمؤسسة الدينية: أصبح واضحاً مدى الصدام بين المؤسسة الدينيّة الرسمية في البلاد وهي الأزهر الشريف والمؤسسات الصوفيّة من جانب ودعاة ومسئولي الإسلام السياسي في الجانب الآخر، وما نتج عنه من فوضى الإفتاء والإستقطاب السياسي والديني في البلاد، كما تعددت مستويات هذا التصادم التي ألقت بظلالها على البعد الدولي وهو ما لوحظ من الصدام بين الأزهر الشريف والرئيس الإيراني في زيارته الأولى لمصر بعد الثورة رغم التوافق السياسي بينه وبين القيادة السياسية المصرية.

– تسييس القضاء منذ عهد المخلوع، بالإضافة إلى محاولات الإخوان لإسقاط دولة القانون في بالونات الإختبار لإعطاء الظبطية القضائية للمواطنين لإشعال حرب أهلية والقضاء على معالم الدولة المؤسسية. وهذا الأداء الشمولي العنيف إزاء السلطة القضائية يشير إلى حالة عداء للقضاة والقضاء ويشير هذا التوجه التسلطي إلى عدم إيمان الجماعة بمفهوم دولة القانون.

– الاقتصاد، وكيفية تتعامل الحكومة المصرية مع المستثمريين، هل إستطاع النظام مواجهة الأزمة الإقتصادية أم يسعى لمزيد من الشلل الإقتصادي للدولة وتزايد معدلات البطالة والإرتفاع المتزايد في الأسعار وتدني سعر العملة المصرية وإنهيار السياحة إلى غير ذلك من المشاكل، بل يسعى الإخوان إلى أخونة إقتصاد مصر، وتجلى ذلك واضحاً في إقتحام قيادات الإخوان للمؤسسات الإقتصادية للدولة.

– لم تحظ مصر بالإستقرار السياسي أو تقليل مستويات العنف، فقد شهدت السكك الحديدية وقوع ٩ حوادث، وتعالت معدلات الوفيات، فمنذ صعود الرئيس هل شهدت مصر حالة استقرار سياسي؟ هل إنخفض عدد الشهداء؟ أم أن هناك إستهداف للكوادر الثورية كما حدث لمحمد الجندي وغيره من شباب مصر الثوري؟ ومن ناحية أخرى إزدادت حالات الإنفلات الأمني ومظاهر عدم الإستقرار السياسي فخلال ٢٠١٢، سجلت الساحة المصرية ٨٥١ وقفة إحتجاجية، و٥٦١ حالة قطع طرق، و٥٥٨ حالة تظاهر، و٥١٤ إضراباً عن العمل، و٥٠٠ حالة إعتصام، و١٦٣ حالة تجمهر، و١٣٥ حالة إضراب عن الطعام، و٦٤ حالة اقتحام مكتب مسئول، و١٤٠ مسيرة، و٣٠ حالة إحتجاز مسئول داخل مكتبة، و٢٦ حالة إغلاق لمقرات حكومية، و١٣ حالة إضراب عن الدراسة، و١٣ محاولة إنتحار أو إحراق للنفس. فنلاحظ أن معدل الإحتجاجات إرتفع إلى أكثر من الضعف في النصف الثانى من ٢٠١٢ متزامنا مع فترة حكم مرسي. فزاد عدد الاحتجاجات من ١٨٥ في شهر يناير، و١١٩ في فبراير، و١٧٠ في مارس، و٢٧٠ في أبريل، و٢٠٦ في مايو، و١٥٧ في يونيو، إلى ٥٦٦ إحتجاجاً في شهر يوليو (مع تولي الرئيس مرسي)، و٤١٠ في أغسطس، و٦١٥ في سبتمبر، و٥٠٧ في أكتوبر، و٥٠٨ في شهر نوفمبر.

إن عرقلة عملية التحول الديمقراطي في مصر ليست مسئولية النظام الحاكم فحسب، بل هي مسئولية المعارضة أيضاً التي قد لا تتلاءم سولكياتها ومواقفها مع ما تنادي به، مما يعكس غياب الرؤى وعدم إستقامة قواعد الديمقراطية داخل أروقتها السياسية، فكل ما يحدث داخل الحزب من سياسات يعكس سلوك هذه الحزب حالة صعوده للسلطة.

وفاء داودمصر

مدرس مساعد بقسم العلوم السياسية

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

Leave your vote

0 points
Upvote Downvote

Total votes: 0

Upvotes: 0

Upvotes percentage: 0.000000%

Downvotes: 0

Downvotes percentage: 0.000000%

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق



Hey there!

Forgot password?

Don't have an account? Register

Forgot your password?

Enter your account data and we will send you a link to reset your password.

Your password reset link appears to be invalid or expired.

Close
of

Processing files…

أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك

Warning: mkdir(): Disk quota exceeded in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 321

Fatal error: Uncaught exception 'Exception' with message 'Cache directory not writable. ZenCache needs this directory please: `/homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/cache/zencache/cache/http/ahlan-com/2013/03/28`. Set permissions to `755` or higher; `777` might be needed in some cases.' in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php:324 Stack trace: #0 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->WebSharks\ZenCache\Pro\{closure}('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #1 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/classes/AbsBaseAp.php(55): call_user_func_array(Object(Closure), Array) #2 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AbsBaseAp->__call('outputBufferCal...', Array) #3 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->outputBufferCallbackHandler('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #4 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-includ in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 324