البابا يدعو والأسد يقتل

بقلم/
مصر : ۹-۳-۲۰۱۳ - ۷:۲۲ م - نشر

popeالبابا يثق بأن الرب لن يدع كنيسته تغرق… وسوريا الله حاميها حتى لو غرقت بالكيماوي.

لماذا تعاملت الشعوب ووسائل الإعلام مع قضية تنحي البابا والثورة السورية بطريقتين مماثلتين، مع أنهما نقيضتين بكل تفاصيلهما؟ لم نلحظ سوى تعليقات أوروبية وتغطية إعلامية مكثفة على الفضائيات، ومن سخرية القدر يأتي الخبرين متلاحقين في نشرات الأخبار، على أن يسبق خبر القصف والقتل في سورية ردود الأفعال الأوروبية على تنحي البابا ومابعده ليس من مبدأ أهمية الحدث ولكن ربما تلعب الأسبقية دور في ترتيب أخبار نشرات الأخبار، أو لربما يرى القيمون عليها أن أخبار القتل في سورية هي أخبار شعب وتنحي البابا قضية شخصية وهم على خطأ بكل تأكيد.

استقال البابا من أكثر الوظائف أهمية في العالم، وأعلن تنحيه عن الكرسي الرسولي الذي يتجاوز تابعوه حدود الدولة الواحدة، فنحن نتكلم عن ديانة أمم وليس شعب بلد، بالإضافة إلى تخليه عن هذين الملمحين من مسئولياته فهو رئيس لدولة الفاتيكان، وانسحب من رئاستها بكل بساطة لأسباب تصرح الكنيسة البابوية أنها صحية فيما تسري الشائعات عن تزايد ضغط التنافس داخل السلطة البابوية، لذا وببساطة تخلى ابن الخامسة الثمانين عن اللقب وغادر القصر الفاتيكاني وأخذ معه البيانو الخاص به وبعض الكتب ليس إلى ألمانيا بلده الأصل بل إلى المقر الصيفي للبابوات متعهداً أن يظهر "طاعة واحتراماً غير مشروطين" لخليفته في الكرسي الرسولي.

يتساءل قارئي كيف لي أن أربط هذه الحادثة التاريخية التي لم تتكرر سوى مرتين خلال أكثر من ٨٠٠ عام بالقضية السورية وعملية القتل اليومي للشعب السوري، إلا أنهما قضية واحدة بوجهين مختلفين، فمن كان يظن أن القتل السوري بات اليوم بسبب الثورة السورية التي بدأت ٢٠١٠ فهو مخطئ، القتل السوري اليوم قضية شخصية بحتة يديرها شخص واحد، ومع أنها توصف اليوم بإبادة جماعية من حكومة مهترئة من قبل البعض أو بحرب عصابات من قبل آخرون، إلا أن المرد الحقيقي لكل ما يجري هو شخص بعينه، كما قضية البابا تعود لشخص بعينه وهنا أجيب:

يختار بشار الأسد تمسكه بكرسي غيّر الدستور ليناسب عمره والآن ما عاد يلائم حجمه، بينما يتخلى البابا بنديكتوس السادس عشر عن الكرسي الرسولي الذي انتظره حتى بلغ الخامسة والثمانين، ومنذ عامين يٌقتل السوريين وهم يطالبون برحيل الأسد عن الكرسي السوري العائد لوطنهم وتاريخهم، بينما يجتمع كرادلة الكنيسة البابوية في الفاتيكان ليجدو بديلاً مناسباً للبابا الألماني المستقيل ويكون جديراً بترأس دولة الفاتيكان، يتعهد البابا بتقديم طاعة واحتراماً غير مشروطين لخليفته، بينما يجد بشار الأسد أن الشعب السوري مجرد جراثيم ومن المستحيل أن يجدوا طبيباً آخر ليحكم سوريا، يختار البابا البقاء في الفاتيكان ويرفض العودة لبلده الأصل تقديراً للشعب المؤمن ومنعاً لحدوث تشعب في توجهات المؤمنين حول العالم أو انفضاضهم عن الكنيسة الباباوية، ويسعى بشار الأسد لتفريق صفوف المؤسسة العسكرية بممارساته الهمجية مما يمهد لخلق حرب أهلية طاحنة في سوريا، وأخيراً وحتى لا يطول الحديث يحظى البابا المتنحي بلقب بابا فخري وتلتصق "مزبلة التاريخ" بإسم بشار الأسد إلى أبد الآبدين.

يؤسفني أن أقارن بين هاتين الشخصيتين على اختلاف تقديرهما ومحلهما الجماهيري، إلا أن الموضوع لفتني من حيث القضية، لكنه ولسوء الأقدار وضع البابا السادس عشر في الكفة المقابلة لبشار الأسد عل هذه الموازنة توضح لمن لم تسعفهم البديهة من الموالين للأسد بتجاوز مخاوفهم الهيسترية من القادم الجديد وتحويله إلى الخوف على الوطن وعلى أخوتنا في المواطنة ممن يقتلون كل يوم بالمئات، وينظرون بعين التفاؤل للقادم الجديد كما في الفاتيكان والقادر على قيادة أتباع الكنيسة البابوية حول العالم.

وما يستفز حقيقة في عرض الحالتين ضمن نطاق واحد من جهة أخرى هو تعامل بعض وسائل الإعلام معهما كأنهما قصتين صحفيتين ببساطة تعرض تفاصيل القتل وعدد القتلى في هذه وطقوس مغادرة البابا وحزن المؤمنين في تلك، تقدم الإثنتين على أنهما مادة خبرية دسمة بهدف ضخ معلومات جديدة للمتلقي، ليس كأن أحدهما قضية إبادة بشرية على طريق الإبادة بسواطير راوندا عام ١٩٩٤ آوخر القرن العشرين، أو ليس وكأن أحدهما باتت تصدر صور حرب تتشابه مع صور حرب عسكرية إثر دخول القوات الأميريكة للعراق منذ ١٠ سنوات، أو ليس وكأن أحدهما تخوض حرباً داخلية يتوقع محللين أن تسير على طريق الحرب الأفغانية الداخلية التي استمرت ما يقارب ١٠ سنوات وبحصاد بشري هائل، ومع ذلك وجدت المبرر الوحيد لتوحيد مجرى القضيتين سواء على أرض الواقع أو إعلامياً هو أن مردودهما يعود لتصرف شخصي واحد واختلاف النتائج المترتبة على كل منهما، لذلك نرى قداسة البابا يغادر وهو مؤمن بأن الله لن يدع كنيسته تغرق ويوضب البيانو الخاص به ويرحل، بينما يصر بشار الأسد على أن سوريا الله حاميها ويرتب للكيماوي ليضرب.

هنادي دوارة الإمارات

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك