في نظرية المقاطعة

بقلم/
مصر : ۲۸-۲-۲۰۱۳ - ۹:٤۹ ص - نشر

egypt-electionsفي وقت يسعى فيه النظام لوضع اللمسات الأخيرة لإنهاء مرحلة الإنتقال الديمقراطي، غير مهتم بمطالب القوى الأخرى، في لحظات تشتد فيها حدة الصراع، قرر قطاع عريض من قوى المعارضة مقاطعة إنتخابات مجلس النواب القادمة. وبصرف النظر عن التداعيات الدافعة لهذا الموقف، أتطرق في مقالي هذا إلى جدوى سلاح المقاطعة من خلال الدروس المستفادة من التجارب الدولية.

أود الإشارة إلى تتباين وجهات المفكرين والمحللين السياسيين حول جدوى المقاطعة، فهناك إتجاه يرى أن المقاطعة ضرورة لإعادة الأوضاع لمسارها الصحيح وأنها وسيلة سياسية من وسائل الإحتجاج السلمي وسلاح فعّال لمواجهه الإستبداد، ومن أبرز مؤيدي هذا الإتجاه الكاتب شارلز ليندبرج والخبير الأمريكي جون براتون الذي أكد أن المقاطعة مؤشر على عدم وجود إتفاق كامل على قواعد اللعبة السياسية.

والإتجاه الآخر، يعتبرها مجرد مناورة سياسية لن ترتقي لحيز التنفيذ، ومؤشر ضعف يحول دون أية نتيجة عملية، ومن رواد هذا الإتجاه روبرت باستور استاذ العلوم السياسية بجامعة نيويورك، وميريت سيبيرج أستاذ العلوم السياسية في جامعة آرهوس الذي أكد أن المقاطعة نتيجة لعدم القدرة على المنافسة.

وعن التجارب الدولية، لوحظ في حقيقة الأمر أنه نادراً ما تجلب المقاطعة النتائج المرجوة في التأثير السياسي أو الإصلاح المرغوب، فعلى سبيل المثال حاول الإيرلنديون مقاطعة إنتخابات المملكة المتحدة للحصول على الاستقلال ولم تجلب المقاطعة لهم أية نتيجة، وكذلك في الإنتخابات البرلمانية لفنزويلا عام ٢٠٠٥ برغم إنسحاب ٥ من أحزاب معارضة، ومشاركة ٢٥,٣% فقط جاءت نتائج المقاطعة أن إكتسحت حركة الجمهورية الخامسة أغلبية المقاعد، وهو تكرار لما حدث في انتخابات الرئاسة بالجزائر عام ١٩٩٩، كما فشلت المقاطعة في تحقيق أهدافها في الانتخابات الرئاسية في أفغانستان عام ٢٠٠٩.

وأضف هنا ما أشار إليه عماد المرزوقي بجريدة الرأي حول دراسة جامعة ديرهام لكيلي التي أكدت أن البيانات الإحصائية لمقاطعة الإنتخابات البرلمانية والرئاسية خلال الفترة (١٩٧٥- ٢٠٠٤)، تؤكد أن المعارضة في بعض الدول تختار مقاطعة الإنتخابات في حالة عدم إستطاعتها الفوز وتلوح بسلاح المقاطعة لتحقيق أمل واحد وهو إساءة السمعة، وأن هذه الحجة إستخدمها مسؤولون أمريكيون في هايتي في إنتخابات ١٩٩٥.

إن هذه التجارب التاريخية تؤكد أن الدرس الذي ينبغي تعلمه من هذه الوقائع هو أن سلاح المقاطعة لا يمكن أن يكون سلاحاً فعالاً إلا إذا استند على حركة شعبية واسعة لها نفوذها ومرهونة بالإلتحام الشعبي مع مقاطعة برلمانيين وسياسيين لهم خبرة كبيرة في العمل السياسي وتيارات سياسية تتمتع بمصداقية وشعبية من خلال إستراتيجية عملية طويلة المدى تتدرج للوصول للإصلاح الشامل، مع العلم بأنه قد تتقلص جدوى المقاطعة في حال تعزيز دور المراقبين الدوليين للانتخابات بهدف ضمان نزاهت الإنتخابات وعدم تشكيك أي طرف فيها.

وفي دائرة الخروج من التنظير إلى التحليل، ومع تسليط الضوء على الحالة المصرية، فأنه في تقديري الشخصي يوجد سيناريوهان لا ثالث لهما في مرحلة ما بعد الانتخابات:

الأول: فشل جدوى المقاطعة وصعود الأغلبية الإسلامية إلى البرلمان والحكومة، وإعادة حقبة الصراع بين القوى السياسي والتي لا تقلل بل تساعد على صعود الإستبداد السياسي مثلما حدث في حالة "عبد الله" في أفغانستان وفي حالة "كينيث كاوندا" في زامبيا عام ١٩٩٦، وكما هو الحال عندما دعا المسيحيون اللبنانيون إلى مقاطعة الانتخابات عام ١٩٩٢ إحتجاجاً على النفوذ السوري في لبنان والذي أدى إلى زيادة عدد أعضاء حزب الله "الشيعي" في البرلمان بعد أن كان المسيحيون يسيطرون على ثلث عدد البرلمان، وكذلك في العراق عندما قررت المعارضة "السنية" مقاطعة الإنتخابات عام ٢٠٠٥.

الثاني: تحول العملية السياسية إلى حرب بالوكالة وشيوع حرب الشوارع أو الحرب الأهلية. مثلما حدث في صربيا ومقاطعتها الإنتخابات عام ١٩٩٧، ومع ذلك نجاح "سلوبودان ميلوسوفيتش" مما أدخل الدولة في حرب "كوسوفو".

وفي الختام يجب أن نعي أن المراهنة على تكرار سيناريو إنتخابات ٢٠١٠، وتسببها في تفجير ثورة ٢٥ يناير، مراهنة في غير محلها وضرباً من خيال، فالثورة لم تقم بسبب هذا، لإرتباط إنتخابات ٢٠١٠ بسيناريو التوريث والتزوير الفج، فضلاً عن الكبت الشعبي لأكثر من ٣٠ عاماً، كما أن الأحزاب لم تنجح في الثورة على النظام وإسقاطه بل كان الفضل بالأساس إلى الحركات السياسية والإحتجاجية التي مثلت البديل لها ذلك الوقت، وويجب الوعي بأن الشعب طفح به الكيل من مظاهر عدم الإستقرار بعد الثورة وأن هناك قطاع عريض يرغب في الإستقرار بصرف النظر عن ماذا يحدث في العملية السياسية.

من هنا أجد أنه لا جدوى من مقاطعة الإنتخابات بل ستكون تكرار لخطأ قامت به بعض القوى السياسية عندما قاطعت إنتخابات مجلس الشورى عام ٢٠١٢، وعلى القوى السياسية التعلم من التجربة والخطأ وأن تنظر نظرة طويلة المدى وتعد كوادرها وتنشر تنظيماتها لتتواصل مع القواعد الشعبية.

وفاء داودمصر

مدرس مساعد بقسم العلوم السياسية

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

تعليق واحد

  • احمد

    احسنتى كتابة المقال في سردك للأحداث المماثلة ولكنك لم تضيفى إلينا الحل، فالنظم الاستبدادية كما قال الكواكبي، عليه رحمة الله، فى كتابة الاستبداد ومصارع الاستعباد "ان اسؤ المستبدين المستبد البجح" وها نحن أمام أناس مستبدين ولديهم قدر من البجاحة لا توصف، فأين الحل من وجهة نظرك؟

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك