الـبـطـل

بقلم/
مصر : ۲۰-۲-۲۰۱۳ - ۸:۵۹ ص - نشر

gamal-abdel-nasser-300يبدو من طريقة محمد مرسي في إدارة شئون الحكم والرئاسة أن طريقة تفكيره لا تختلف عن طريقة تفكير كل من سائق قطار حادث الفيوم ومساعده، حين ردد "عم سيد" سائق القطار كلمة "يا خراب بيتي" قبل وفاته بثواني في الحادثة التي جرت وقائعها في شهر نوفمبر العام الماضي، ثم تلتها حادثة قطار أسيوط بعد حوالي أسبوع وراح ضحيتها أكثر من خمسين طفلاً وطفلة، ثم ما تلاهما من حوادث أخرى.

فحسب ماجاء في شهادة مساعد السائق، وقد رواه لإحدى المحطات التليفزيونية، أنه حين رأى قطاراً قادماً على نفس المسار الذي يسير فيه قطارهم ولكن في الإتجاه المعاكس وأدرك أن التصادم بين القطارين واقع ولا أمل في محاولة تجنبه، قام بتنبيه السائق "عم سيد" وطلب منه أن يربط فرامل القطار وأن يتجه بعدها ناحية الباب ويقفز منه لينجو بحياته، أملاً في أن تساعدهم سرعة القطار المنخفضة نسبياً في ذلك، لم يفعل السائق سوى أن ربط الفرامل ثم أخذ يردد "يا خراب بيتي" بينما وقف المساعد عند باب عربة القطار إستعدادا للقفز والنجاة بحياته. توفي "عم سيد" نتيجة لإصطدام القطارين ومعه ثلاثة آخرين من الركاب بينما نجا مساعد السائق الذي قفز أو سقط من باب القطار. رحم الله "عم سيد" وغفر له هو وجميع ضحايا الحادث وكل حوادث القطارات.

لا يستطيع أحد على وجه التحديد أن يقول ماذا كان يشعر "عم سيد" قبل وفاته بثواني وماذا كان يقصد بكلمة "ياخراب بيتي"، هل كان خائفاً من الموت أم خائفاً من فقدان وظيفته ومصدر رزقه وتأثير ذلك على أسرته المكونه من زوجتين وأحد عشر من الأبناء؟ لا يستطيع أحد أن يجزم ماذا كان شعوره، أو أن يجزم بأن الخوف من فقدان مصدر الرزق كان عنده أكبر من الخوف من الموت، أو أن الموت كان خارج تقديراته، لا يستطيع أحد أن يعرف على وجه التحديد ماذا كان يدور بالضبط في خُلد "عم سيد" قبل وفاته، لكن لايوجد في حديث المساعد أية دلالة منه أو من السائق تشير إلى شعورهم بالمسئولية ناحية ركاب القطار، لم يصرخ أحدهما ويصيح "الركاب" أو "والناس اللي معانا"، ففي لحظات الخطر إستعد المساعد للقفز للنجاة بحياته والسائق لم يقل سوى "ياخراب بيتي" بعد ربط فرامل القطار.

نتجنى على "عم سيد" رحمه الله ومساعده إذا وجهنا لهما اللوم لأن أحداً منهما لم يتذكر الركاب أو شعر بفداحة المسئولية تجاه حياتهم وسلامتهم، كيف نلومهم وهم لم يروا المثل أو من يشجعهم على ذلك؟ كيف نلومهم وهم لم يروا أو يشعروا بأن الإنسان في مصر مكرم وأن حياته غالية ومصانة؟ فكل ما يروه هو أن الإنسان لا قيمة له في وطنه، مهان في مسكنه ومآكله وتعليمه وعلاجه، بل أن القطار الذي يقودانه نفسه غير صالح للإستعمال الآدمي، فكيف يتأتى لهما هنا أن يفكرا بأن القطار يحمل بشراً وأنفس لها قيمتها وأهميتها ولها طموحاتها وأحلامها في الحياة؟ الناس في مصر مجرد أرقام أو أشياء تموت بالعشرات كل يوم نتيجة للإهمال والفساد أو برصاص السلطة وقناصتها، ويتم دفنهم دون حساب، مجرد أرقام ثم يتم دفنهم.

لا نستطيع أن نلوم "عم سيد" أو مساعده وهم لم يروا أي مسئول سواء كان صغيراً أو كبيراً، سواء كان وزيراً أو رئيساً: يخرج للناس ويقول إنه المسئول عن أي حادث من الحوادث اليومية التي تحدث بمصر؟ كيف نلومهم وقد اختفت تقريبا صورة القدوة والمثل من حياتنا؟ وعندما خرج الألاف ومئات الألوف للمناداة بالحرية والعيش الكريم، جاء غيرهم ليجني الثمار، وتصدر المشهد أصحاب الصوت العالي والأكثر جرأة وبجاحة ونفاقاً، الذين يجيدون السير والرقص فوق كل الحبال، الآكلين على كل الموائد.

فقبل أن يكتمل مشروع الثورة ويتحقق الحلم، جاء من سرقها، والسارق لم تكن الثورة يوماً من أدبياته ومبادئه وأصبح يتغنى بها ليل نهار في إنتهازية فجة وتبجح لا حدود له، تصدر الإخوان المسلمون ومواليهم وإرهابيهم المشهد السياسي وساعدهم في ذلك موقف غير مفهوم وغير مبرر وإنعدام كفاءة سياسية مذهل من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، قادة الجيش الآن ومتحدثهم العسكري، الذين يمطروننا طوال الوقت بالتصريحات اليومية، بأنهم لن يطلقوا أو يصوبوا رصاصة واحدة تجاه الشعب المصري ونصدقهم في ذلك، لكنهم وبدون قصد سلموا البندقية لآخرين ليقوموا بهذه المهمة وبكفاءة عالية، ولن يترددوا في إطلاق المزيد من الرصاص وبكثافة ووحشية إذا شعروا بانه سيتم طردهم خارج السلطة. سيحاسب التاريخ وبقسوة قادة الجيش المصري الذين أرادوا أن يجهضوا مشروع التوريث بقتلهم للأم والبلد كلها، وكأنهم أرادوا أن يتخلصوا من براثن التوريث ليقع الشعب كله في شر التمكين، نتخلص من المر لنقع في الأمر منه، من التوريث إلى التمكين.

الذي يحكم مصر الآن، إن كان فعلاً يحكم، سواء طال أمد حكمه أو قصر، هو بمثابة خطأ وغلطة حدثت في تاريخها مثل أخطاء كثيرة غيرها حدثت في التاريخ، وسيتم تسجيل هذه الفترة كجملة عبثية وهزلية داخل كتب التاريخ، فطريقة محمد مرسي وجماعته في قيادة الدولة في وقت الأزمات والخطر تدار وفق طريقة "ياخراب بيتى"، محمد مرسى لايمكن أن يخرج تفكيره عن نطاق أهله وعشيرته، فمنذ اليوم الأول لإنتخابه المشكوك فيه، لايعرف هو وجماعته الطرق المستقيمة والواضحة الرؤية، فقط يعرفون طرق الحارات "المزنوقة" الملتوية والمظلمة، وهو وجماعته أدرى الناس بسكك هذه الحارات ودهاليزها القذرة لطول فترة عملهم السري تحت الأرض.

فمنذ إنتخاب محمد مرسي وذهابه لميدان التحرير وهو يرى أن تاريخ مصر يبدأ من عشرينات القرن الماضي وهو العقد الذي تأسست فيه جماعة الإخوان المسلمين في عام ١٩٢٨، مروراً بالستينات حتى لحظة تتويجه، وقبل أن يقسم اليمين أمام المحكمة الدستورية العليا ليصبح الرئيس الشرعي للبلاد ذهب لقصر الرئاسة وإستقبل فيه ضيوفه وأصدقاءه الذين أفرج عنهم من السجون والهاربين من الأحكام وبعضهم أيديه ملوثة بدماء المصريين، ثم حول القصر إلى مضيفة مفتوحة للأهل والعشيرة، كأن قصر الرئاسة هو أحد الأملاك التي ورثها عن العائلة، وليس قصراً جمهورياً مملوكاً للدولة له أسلوب وتقاليد في التعامل معه وإدارته، محمد مرسي وعشيرته هم أول من أهان القصر الجمهورى وتقاليده وليس جمهور المتظاهرين، وإن كان الخطأ هنا يقع على من أعطاه مفاتيح القصر يتصرف فيه كيف يشاء قبل أن يصبح الرئيس الرسمى للبلاد، ولم ينتبه إلى أنه لا يجب أن تأخذه أبهة الرئاسة وزهوها قبل أن تأخذه مهامها ومقتضايتها ومسئوليتها.

وكان هذا المشهد الهزلي دال على المشاهد التي تليه، فهو لم يذرف دمعة واحدة أو يذهب يواسي أسر ضحايا أكثر من خمسين طفلاً توفوا في حادث قطار أسيوط نتيجة للإهمال المستشري في كافة قطاعات الخدمات بمصر، بينما ثار وغضب لأن أحد الأشخاص ألقى بحجر على سيارته المصفحة ضد الرصاص أثناء هروبه من قصر الإتحادية، ثم أرسل أهله وعشيرته للقبض على المعتصمين أمام القصر الذي ورثه عن أجداده وتعذيبهم، في واقعة لايمكن أن تحدث من شخص يشعر أنه رئيس لكل المصريين وليس لأهله وعشيرته فقط ،محمد مرسي وجماعته ينظرون إلى منشأت الدولة كأنها ملكية خاصة لهم آلت إليهم بالورث الذي لا ينازعهم فيه أحد، ولن يتورعوا عن إراقة المزيد من دماء المصريين من أجل الحفاظ على الورث والغنيمة. فهو يتمادى ومكتب إرشاده منذ وصوله لمنصبه في حماية أهل بيته والإهتمام بهم وتعيينهم في المناصب الحكومية والوزارية الهامة ليتمكنوا من مفاصل الدوله وأخونتها، وإستخدم مجموعات من البلطجية والمليشيات لإرهاب معارضيهم والتحرش بالنساء وقتل وتعذيب الشباب الذين يطالبون بالحرية والتغيير الحقيقي.

قد تم قتل عشرات المصريين منذ إنتخاب محمد مرسي ولم يهتز له جفن، فهو وجماعته يتحدثون بخشوع بالغ وتكاد أعينهم تذرف الدمع من فرط التاثر والورع عند الحديث عن خشيتهم من أن يسألهم الله إذا تعثرت الدابة ولم يمهدوا لها الطريق، بينما لايتحدثون عن خشيتهم من الله وحسابه على أرواح الناس والبشر عند سؤالهم بأى ذنب قتلوا؟ أي تدين هذا؟ وأى خلط في المفاهيم وأية حجارة على قلوبهم حين لا تخشى أو تهتز أو ترتجف لدماء المصريين التي أريقت برصاص رجالهم. متظاهرون كل ذنبهم أنهم خرجوا ليعبروا عن مطالبهم وطموحاتهم، حتى ولو شاب المظاهرات بعض العنف كما يحدث في العديد من الدول، أيكون الرد هو القتل؟ عندنا فقط يكون جزاء عنف المظاهرات هو القتل الجماعي، ثم يأتي بعد ذلك معتوه متخلف عقلياً ليبرر القتل ويعطيه سنداً شرعياً.

لم يكن محمد مرسي هو الرئيس المناسب في الوقت المناسب، بل هو الرجل الخطأ في الوقت الخطر، الرجل الذي يسعى هو وجماعته لقتل حلم التغيير من أجل تمكينهم وإستمرارهم في الحكم لأبد الأبدين وفق مايتمنون ويحلمون، وتسبب بسياسته وقرارته في حالة إنقسام وإنشقاق غير مسبوقة في مصر ولا أحد يعلم كيف سيتم رأب الصدع والإنشقاق الذي أحدثه. لا يصلح محمد مرسي ولا أي من جماعته أن يكون رئيساً لمصر، فهو وجماعته حتى وإن عاشوا في مصر طوال حياتهم فهم لم يروها بعد أو يعرفوها، فالتاريخ عندهم يبدأ من حسن البنا وينتهي بمحمد بديع، فهم لم يروا مصر بعد، بكل تاريخها وثقافتها وحضارتها وحدودها، محمد مرسي وجماعته لم يروا شعب مصر بعد، وكل علاقتهم به في وقت الإنتخابات ببعض المساعدات من الزيت والسكر.

مصر تحتاج في هذا الوقت أكثر من أي وقت مضى إلى البطل، والبطل لا يأتي إلى الكسالى، بل يأتي دائماً في الأوقات الصعبة ولحظات المقاومة والكفاح وليس في اوقات الإسترخاء والإستجمام، البطل لا يأتي للمنتظرين الجالسين الناظرين للأفق البعيد في إنتظار الوهم الذي لا يأتي أبداً، فالله يساعد من يساعد نفسه أولاً، البطل تصنعه الأزمات الكبيرة والأحداث الملتهبة ولحظات الخطر والإنقسام، ومصر في أقصى لحظات الخطر والإنقسام.

حتى ولو لم نؤمن بفكرة البطل المنقذ المتمثلة في شخص أو مجموعة من الأشخاص فلا أقل من أن ندعو الله أن أن نجد بين صفوف شعب مصر هذا البطل قريباً، البطل الذي تتوحد وتتجمع من خلفه ومن حوله الصفوف ويحي الأمل ويبث العزم في النفوس، بطل يبني ومن معه مصر الحديثة والديمقراطية التي لا تفرق بين أبنائها لسبب من دين أو جنس أو لون، بلد تدفع بالنابهين والنابغين وأصحاب الكفاءات إلى المقدمة، بطل يجعل منها قوة حقيقية ومتقدمة فعلياً ولاتكتفي فقط بالفخر بإنجازتها القديمة، بطل يعيش بعقله وقلبه في الحاضر والمستقبل ويتعلم من دروس الماضي، بطل يعلي من قيمة الإنسانية والإنسان المصري، بطل كرامته من كرامة المواطن المصري، بطل يحقق حلم العيش والحرية والعدالة الإجتماعية، والمساواة أمام القانون، بطل يجعل كل مواطن فخور ببلده، يقف حباً وإحتراماً لتحية علمها ونشيدها الوطنى، بطل يجعل الأقزام، كل الأقزام، تعرف حجمها الحقيقي والطبيعي، مصر تحتاج إلى بطل يرى مصر ويعرفها ويعرف ناسها حق المعرفة، مصر في حاجة إلى كتيبة أبطال يقودها البطل.

محمد سعـد النجار الولايات المتحدة الأمريكية

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك