بلاك بلوك ونظرية الفوضى

بقلم/
وفاء داود
مصر : ۱۳-۲-۲۰۱۳ - ۱۰:۳٦ ص - نشر

في يوم كان الجميع يحتفل بالذكرى الثانية لثورة ٢٥ يناير، وكنا نعتقد أنه سيمر مثل عامه الأول، لكن تفاجأ الجميع بظهور نوع جديد من الحركات الإحتجاجية على الساحة المصرية، وأعني هنا حركة بلاك بلوك التي تمثل ظاهرة مستحدثة على المجتمع المصري ليس لكونها حركة إحتجاجية لأن صعود الحركات الإجتماعية في مصر بدأ منذ الإنتفاضة الفلسطينية عام ٢٠٠٠، حيث زاد الحرك السياسي وعزز من مسيرة الحركات السياسية التي إزدهرت مع تدشين حركة كفاية و٦ إبريل وغيرها من الحركات الإحتجاجية التي دافعت عن الحريات العامة وشتى القضايا السياسية والتي إستطاعت خلق الزخم الثوري لإشعال الثورة المصرية وهو ما عجزت عنه الأحزاب السياسية.

إذن لماذا حركة بلاك بلوك حركة مستحدثة في مصر، والإجابة على هذا السؤال تستدعي منا الرجوع إلى الأصول الفكرية التي تقوم عليها حركة بلاك بلوك ومقارنتها بما هو متعارف عليه في مجتمعنا، ويجب هنا التذكرة ببعض الحقائق:

– إن بلاك بلوك Black Bloc جماعات منظمة لا سلطوية يسارية عنيفة وترتبط بفكر الأناركية وهى فلسفة سياسية ترى الدولة غير مرغوب فيها، حيث تؤمن بأن المجتمع يجب أن يدير نفسه بنفسه من خلال المنظمات التطوعية بلا حكومة ولا رئيس، أي حالة اللادولة، ولذلك أُطلق على هذا المذهب اسم الفوضوية Anarchism، حيث ترى الحركة أن الكون خلق من فوضى.

– إن أول ظهور للفوضويين كان إبان الثورة الفرنسية ١٧٨٩م، حيث أطلق على مجموعة راديكالية متطرفة تعارض وجود الحكومة والقانون والمُلكية، وكانت هذه بدايات لإرهاصات النظرية الفوضوية والتي إنتشرت مع صدور كتاب العدالة السياسية عام ١٧٩٣م للمفكر الإنجليزي ويليام جودوين الذي أعطى إعتباراً للفوضوية لكنه رفض أساليبهم العنيفة أثناء الثورة الفرنسية، وجاء المفكر الفرنسي برودون متأثراً بـه وهو أول من أعلن مذهب الفوضوية وأول من أطلق على نفسه لقب فوضوي، وتميزت أفكاره هي الآخرى بالسلمية.

– مع طرح المفكر الروسي باكونين عام ١٨٧٦ برامج الفوضويين، إنتقلت آليات الفوضوية من السلمية إلى اللاسلمية وتسبب نشر أفكار الفوضوية في قتل قادة الدول والمؤسسات الرأسمالية كالرئيس الفرنسي سادي كانو عام ١٨٩٤ ورئيس وزراء إسبانيا كاستيلو عام ١٨٩٧ والملك الإيطالي أومبيرتو عام ١٩٠٠ والرئيس الأمريكي مكينلي عام ١٩٠١، وذلك في إطار سعي الفوضويون إلى إسقاط الدولة.

– في مطلع القرن العشرين إزدهرت الفوضوية في مجال النقابات الإنقلابية في أوروبا وأمريكا، كثورة إجتماعية لشل مفاصل الدولة وإسقاط الرأسمالية، وبلغت ذروة نشاطها في الثلث الأول من ذلك القرن، لكن الحركات اليمينية المتطرفة كالفاشية والنازية قمعتها بوحشية قبيل وأثناء الحرب العالمية الثانية، ومع موجة الثورة الثقافية في الستينيات عاد نشاط الفوضويين مع جماعات الخضر زاعمين أن حماية البيئة لا تتناسق مع وجود البناء السياسي للدول القائمة على النظام العالمي الذي تهيمن عليه القيم الرأسمالية الغربية.

– ظهرت الفوضوية مرة آخرى لكن تحت مسمى بلاك بلوك أو الكتلة السوداء في ألمانيا لتعيد نشر أفكار النظرية الفوضوية ولعبت نظرية "إنتشار العدوى" دوراً أساسياً في الترويج ونقل فكر حركة بلاك بلوك من ألمانيا إلى دول آخرى، كأمريكا عام ١٩٨٩ وإيطاليا وإنجلترا في ٢٠١١، وفي مصر ٢٠١٣، ومنها إلى البلاد الثورية العربية المجاورة، وها قد بدأت البشائر في المغرب.

ونستنتج من هذه الحقائق أن حركة بلاك بلوك هي إحدى آليات نشر الفوضى في مصر، وهي نموذج لحركات العنف غير التقليدية التي تختلف عن حركات وجماعات العنف التقليدية التي يعرفها المجتمع المصري مثل الجماعات الجهادية وتنظيم القاعدة، والغريب أن حركة بلاك بلوك ترفع الرايات السوداء التي إرتبطت في أذهانا بجماعات تنظيم القاعدة.

إن هذه الحركة لا تتقيد بإطار فكري أو أيديولوجي لذا تندرج ضمن ما نسميه "الميليشيات الدينية"، وإن صعود هذه المليشيات في مصر ومع إستخدامها تدابير هجومية مثل قتال الشوارع وقنابل المولوتوف والحجارة وإستهداف المنشأت العامة للدولة والبنوك ومنافذ الشركات متعددة الجنسيات، ومحطات البنزين، وكاميرات فيديو المراقبة.. يعيد للأذهان ما حدث للسودان ويؤكد أن هذه الحركة تستهدف القضاء على الدولة المصرية وتحوليها إلى صومال آخر وتجلى ذلك في ما تنشره على صفحاتها بأنها "نقف ضد النظام والقانون وتسعى إلى كسر هيبة الجيش" وسعيها لنشر رسومات توضيحية حول "تحضير أدوات القتال وطرق تصنيع قنابل حارقة جرثومية وأخرى سامة بالإضافة إلى قنابل دخان وقنابل صوت".

كما أن التوزيع الجغرافي للحركة الذي يتركز في محافظات القناة (بورسعيد والسويس والإسماعيلية) والمحافظات التي تتميز بالطابع العمالي (كالغربية والجيزة والقاهرة) إلى جانب المحافظات الحضرية الآخرى كالأسكندرية والمنيا يدلل على بدأ سيناريو تشرذم الدولة وتفتتها.

إن حركة بلاك بلوك حركة دخيلة على ثقافة الإحتجاج المصرية التي إتسمت بالسلمية ويُعد استمرار هذه الحركة استمراراً لإمتداد الفكر الفوضوي المستجد علينا فلم يحدث أن سعت من قبل حركة إحتجاجية شبابية مدنية إلى تبني أفكار فوضوية تسعى لهدم دولة القانون بطرق عنيفة غير تقليدية، إن تدشين كيان مثل هذا يؤكد نجاح إستراتيجيات الترويج لآليات نشر الديمقراطية الغربية أو بالأحرى نشر الفوضى تحت ستار الديمقراطية ويؤكد قوة تأثير العامل الخارجي في البيئة المصرية من خلال إستخدام القوى الناعمة في نشر ثقافة الإحتجاج الجمعي التي بدأت بالسلمية والآن أوصلتنا إلى الفوضوية ومستقبلاً قد لا نجد مستقبل لنا ولمصرنا.

وفاء داودمصر

مدرس مساعد بقسم العلوم السياسية

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

تعليقان

  • مصطفى خميس

    مقال رائع جداً

  • احمد

    معلومات ممتازة ارجو من الجميع وخصوصاً السياسيين المتواجدين دائماً على القنوات الفضائية أن يقروا هذا المقال ليتعرفوا على تاريخ وتأسيس البلاك بلوك ويعلموا بان الفوضى وجهة نظر وأسلوب وليست كما يدعون بانها حركات شبابية راديكالية ونحن كقراء للمقال نشكر الأستاذة الباحثة ونرجو أن تستكمل هذه المقالات المفيدة.

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك