الحكم الطائفي الإخواني والصبر على الابتلاء

أ.د. محمد نبيل جامع
مصر : ۱۷-۱-۲۰۱۳ - ٦:۵٤ ص - نشر

بمناسبة حادث قطار البدرشين أمس، أبعث بهذه الكلمات إلى ذوي آخر الشهداء والجرحى (٢٢ و١١٧ حتى الآن)، ومن قبلهم في عصر الحكم الإخواني الفاشل، عسى أن تكون كلمات تطفئ بعضا من نيران الشعور بالظلم والقهر والإهمال.

عندما يصاب الإنسان بمكروه، عظم أو صغر، فهو ابتلاء من الله ليثيب المؤمن الصابر ويَميزه عن ضعيف الإيمان، وليس لتعذيب الإنسان. فماذا يفعل الله بعذابنا؟ وبشر الصابرين… وفيما يلي دلائل ذلك:

١. قال تعالي: "وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ". قال سيدنا عمر بن الخطاب عندما أصابته مصيبة: الحمد لله لثلاث، أنها لم تكن في ديني، وأنها لم تكن أعظم من ذلك، وأني مثاب عليها، وذكر الآية : وبشر الصابرين…

٢. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرا منها، إلا أجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرا منها."… قال الإمام بن قيم الجوزية: وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب، وأنفعه له في عاجلته وآجلته، فإنها تضمن أصلين عظيمين، إذا تحقق العبد بمعرفتهما تسلى عن مصيبته:

‌أ. أن العبد وأهله وماله ملك لله عز وجل حقيقة. والعبد مستخلف في نفسه وأهله وماله، وهو وأهله وماله متعة معارة للعبد لزمن يسير.

‌ب. أن مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق، ولابد للعبد أن يترك الدنيا ويجيء ربه فردا كما خلقه أول مرة بلا أهل ولا مال ولا عشيرة ولكن بالحسنات والسيئات، فإذا كان هذا حال العبد فكيف يفرح بموجود أو يأسى على مفقود؟

٣. لابد أن نعلم أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا. قال تعالى: "ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور".

٤. إذا نظرنا إلى ما أُصبنا به، سوف نجد أن ربنا قد أبقى علينا مثله أو أفضل منه، وادخر لنا -إن صبرنا ورضينا- ما هو أعظم من فوات تلك المصيبة بأضعاف مضاعفة، وأنه لو شاء لجعلها أعظم مما هي.

٥. إن ما يطفئ نار مصيبتنا هو التأسي بأهل المصائب، فلو فتشنا العالم لم نر فيه إلا مبتلى، إما بفوات محبوب أو حصول مكروه، وأن شرور الدنيا أحلام نوم كظل زائل، إن أَضحكت قليلا أَبكت كثيرا، وإن سَرت يوما سَاءت دهرا، وإن مَتعت قليلا مَنعت طويلا. قال بن مسعود : ما كان ضحك قط إلا كان من بعده بكاء!!

٦. علينا أن نعلم أن الجزع من المصيبة لا يردها، بل يضاعفها، وهو في الحقيقة من تزايد المرض.

٧. علينا أن نعلم أن فوت ثواب الصبر والتسليم، وهو الصلاة والرحمة والهداية التي ضمنها الله على الصبر والاسترجاع، أعظم من المصيبة نفسها في الحقيقة. يكفي "بيت الحمد" الذي يبنيه الله للصابر الحامد المسترجع في الجنة. أي المصيبتين أعظم: مصيبة الدنيا أم مصيبة فوات بيت الحمد في جنة الخلد؟

٨. علينا أن نعلم أن الجزع يشمت العدو، ويسوء الصديق، ويغضب الرب، ويسر الشيطان، ويضعف النفس، فالصبر والاحتساب ينضي الشيطان ويخسئه، ويرضي ربنا، ويسر صديقنا، ويسوء عدونا، ويحمل عن إخواننا ويعزيهم قبل أن يعزونا.. وهذا هو الثبات والكمال الأعظم، لا بلطم الخدود وشق الجيوب والدعاء بالويل والسخط على المقدور. يقول الحبيب المصطفى(صلى الله عليه وسلم): "يود ناس يوم القيامة أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض في الدنيا لما يرون من ثواب أهل البلاء" كما يقول صلى الله عليه وسلم: "إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط."

٩. إذا كنا نحب الله حقا، فعلينا أن نحب ما قدره الله ونوافق على قضاء المحبوب، وإلا سنشهد على أنفسنا بالكذب. والرضا عما قدره الله دواء وعلاج لا يصلح إلا مع المحبين لله.

١٠. عندما يبتلينا أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين فإنه سبحانه لم يرسل إلينا البلاء ليهلكنا به، ولا ليعذبنا به، ولا ليجتاحنا به، وإنما ليمتحن صبرنا ورضانا وإيماننا، وليسمع تضرعنا وابتهالنا وليرانا طريحين ببابه لائذين بجنبه مكسورين القلب بين يديه رافعين الشكوى إليه.

١١. علينا أن نعلم أن مرارة الدنيا هي بعينها حلاوة الآخرة، وحلاوة الدنيا بعينها مرارة الآخرة، حيث يقول الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام: "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات".

الخلاصة: اللهم ألهم مصر الثبات والعلا، وألهم شعبها الصبر، وألهمنا جميعا الصبر، حتى ترضى، وألهمنا اللهم الهمة والعمل والجهاد من أجل حسن خلافتك في الأرض وتحقيق أهداف ثورتنا الحبيبة التي بها وهبتنا الفرصة للحرية لنعبدك آمنين مطمئنين، وبها وهبتنا الفرصة لنكون كرماء كما أردت لنا سبحانك. والحمد لله رب العالمين وصلى اللهم على الحبيب محمد وآله وأصحابه ورسل الله أجمعين.

أ.د. محمد نبيل جامعمصر

أستاذ علم إجتماع التنمية بجامعة الإسكندرية

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك