جبهة الإنقاذ المفترى عليها، أنقذينا

أ.د. محمد نبيل جامع
مصر : ۹-۱-۲۰۱۳ - ٤:۱٦ م

بمناسبة انتشار ثقافة الكره في هذه الأيام العصيبة، أود أن أعبر عن نصيبي منها بكرهي الشديد لاثنتين: أموال قطر، وأموال قرض الصندوق الدولي رغما عن عشق الإخوان وولههم بكلتيهما. وهذا مجرد تسجيل للتاريخ.

المهم، شاهدت مساء أول من أمس الدكتور محمد عصمت سيف الدولة مع الأستاذ وائل الإبراشي يعرض وجهة نظرٍ بدت للأستاذ وائل، كما بدا من ملامح وجهه، كما ولو كانت رؤية جديدة للتحديات التي تواجه مصر الآن.

يقول الدكتور سيف الدولة إن المشكلة المصرية ليست التخلص من الاستبداد الذي نعاني منه الآن فقط، ولكن المشكلة الكبرى هي التخلص من "الاحتلال الجديد" وهو التبعية لأمريكا، ومواجهة إسرائيل ومعاهداتنا معها، وأخيراً مواجهة الرأسمالية المتوحشة. ولقبها سيادته بالبقرات الثلاث المقدسة.

أيها القارئ الكريم، انظر فقط إلى الثلاثة الأكثر اندماجاً في الحياة السياسية بعد الثورة من عظماء وشرفاء تلك الجبهة، البرادعي وصباحي وعمرو موسى. أنا على يقين مطلق بأن الثلاثة يدركون تماماً ما أومأ إليه الدكتور عصمت سيف الدولة أعلاه. هذا الوعي من جانبهم قد سُجل بوضوح وتفصيل شبه تام في البرنامج الانتخابي للأستاذ حمدين صباحي في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية السابقة.

فلسفة مبارك الاقتصادية والتي يسير عليها الإخوان المسلمون بحكومتهم الحالية هي تجسيد حي للخضوع للتبعية الأمريكية، والرأسمالية المتوحشة، والتدليل المُذِل لإسرائيل. هذا التوجه يؤدي إلى تخلف مصر وذلها، ونعيم القلة الحاكمة وجنودها من الرأسماليين اللصوص المتطفلين، وازدياد الفقر المدقع والمرض القاتل والبؤس الحياتي للسواد الأعظم من المصريين، ناهيك عن استمرار الفتنة الطائفية.

التعامل مع أمريكا وإسرائيل بالطريقة التي تجنبنا شرورهما كفيل به الثلاثة سابقو الذكر من جبهة الإنقاذ وخاصة البرادعي وموسى، حيث ما أدراك بعلمهما بالعلاقات الدولية، وصلاتهما الوثيقة بقادة العالم ورجال أعماله ومؤثريه، ثم بخبرتهما العملية في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية. أتحدى، بالرغم من وجود رجال مصريين يقاربون البرادعي وموسى في هذه القدرات، أن يشير لي أحد لأحد في الحكومة الحالية من هذا النوع من الرجال ابتداءً بالمخطط الأعظم الشاطر، وبديع، ومروراً بالرئيس نفسه ومساعديه، واسترسالاً في صفوف حكومته الحالية. إذن، نحن في أمان مع جبهة الإنقاذ يا سيدي دكتور عصمت سيف الدولة في مواجهة البقرات المقدسة الثلاث التي أشرت سيادتك إليها، وأظن، لدرجة اليقين، أنك لن تخالفني الرأي في هذه النقطة.

بقيت البقرة المقدسة الثالثة وهي الرأسمالية المتوحشة، وهذه قد تناولها البرنامج الانتخابي للأستاذ حمدين صباحي بدرجة امتياز، ودعني أذكر بالخطوط العريضة والقيم الاقتصادية والاجتماعية لهذا البرنامج عسى أن تَخْجل منها الحكومة الإخوانية الحالية:

١. على عكس المنهج الريعي والتجاري واستنفاد الموارد المصرية وبيعها والتجارة فيها دون مراعاة للأمن القومي، يعتمد برنامج صباحي على المنهج الإنتاجي ودعم الإنتاج وتوفير المحفزات للإنتاج والاستثمار وبالتالي توفير القيمة المضافة من عرق المصريين وإبداعاتهم، وليس مجرد تأجير الموارد الطبيعية.

٢. على عكس المنهج الريعي المباركي الإخواني (الرأسمالية المتوحشة) يعتمد منهج صباحي على تشغيل واستغلال وتنمية الطاقة الإنتاجية والإبداعية للسواد الأعظم من القوة العاملة المصرية فقرائها قبل أغنيائها، وذلك بالتركيز على المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي يستطيع فقراء مصر بالذات الاندماج فيها.

٣. تتحقق فرص التشغيل والاستغلال لطاقات الشعب المصري العامل بأكمله من خلال التكامل والتوازن والتنسيق بين القطاع الخاص (بكبار مستثمريه وصغارهم)، والقطاع الحكومي (مشروعات الدولة الكبرى والبنية التحتية)، والقطاع التعاوني الذي يُمَكن من اندماج الشعب في مشروعات كبرى ومتوسطة تتعدى حدود الفرد المستثمر العادي. هل تسمع قارئي الحبيب عن قطاع تعاوني أو حكومي يذكر في المنهج الريعي الإخواني إلا ذئاب المستثمرين وسباعهم من تابعي أمريكا وصائدي ثروة المفلسين سواءً من الإخوانيين التجار أو المتآمرين معهم من تجار الخليج وغيره؟

٤. العدالة والأمن والسلام الاجتماعي تتولد جميعها من تحقيق حق العمل كما سبق لجميع المواطنين من القوة العاملة مع توفير شبكات التأمين والأمان المناسبة تحقيقاً لكرامة المصري وسعادته وفخره بالمواطنة المصرية.

٥. يعتمد المنهج الإنتاجي لصباحي على تقوية البنية الاقتصادية المحلية المصرية قبل تبني المشروعات الكبرى، بالرغم من الفائدة الكبرى لهذه المشروعات. ولكن لا يمكن لمبتدئ في حمل الأثقال أن يحمل ١٥٠ كيلوجرام في بداية ممارسته لتلك الرياضة. المشروعات الكبرى تحتاج لقوة تفاوضية محلية تحقق مصلحة الوطن وتحمي موارده، كما تحتاج لبيئة بنيوية تحتية وتشريعية جاذبة تفتقدها مصر حالياً، كما تحتاج لمشاركة مصرية قوية تضمن أمن مصر وسيطرتها على مقدراتها.

الخلاصة: إن أهم ما تفتقده مصر الآن في حكم يدعي المرجعية الإسلامية هو التقوى وضرورة اعتناق ونشر القيم والمبادئ الإسلامية الحقة ومعايير تنفيذها وإعطاء نماذج تقتدى، تفتقد دستوراً يرضى عنه الشعب، تفتقد بناءً للنظام الهيكلي والإداري للدولة دون أخونة متبرجة، تفتقد دوراً متكاملاً للحكومة والقطاع الخاص والقطاع التعاوني، تفتقد حسن اختيار القيادات، تفتقد اللامركزية وتعاني القهر والاستبداد الإخواني، تفتقد التركيز على العلم والإيمان به وبناء رأس المال البشري والاجتماعي وتتزين بمجرد رفع راية زويل ومدينته التي تدخل في عداد المشروعات الكبرى بعيوبها المذكورة أعلاه، تفتقد القوة العسكرية المستقلة والشرطة الشعبية، تفتقد الاهتمام بقضية الانتشار السكاني ورعاية البيئة واستغلال الموارد الطبيعية بجحافل القوة العاملة الوطنية. هل هذا ما ثار الشعب من أجله؟ إنقذينا يا جبهة الإنقاذ، وأرجوك التزمي الوحدة، والقائمة الموحدة في الانتخابات البرلمانية المقبلة.

أ.د. محمد نبيل جامعمصر

أستاذ علم إجتماع التنمية بجامعة الإسكندرية

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 


مواضيع مرتبطة



أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على المصدر



هل لديك تعليق على هذا الموضوع؟ علق عليه الآن

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك