قل لا للدستور قبل أن تندم

أ.د. محمد نبيل جامع
مصر : ۱٦-۱۲-۲۰۱۲ - ۷:۵۲ ص - نشر

لن آخذك في متاهات المواد والتعليق عليها حيث أن الوقت لن يسمح إلا بالتعبير عن الانطباعات العامة، وسأترك لسيادتك التعمق في مواد الدستور إذا كان لديك الوقت.

١. الدستور طبخة مقدمة إليك من جمعية تأسيسية متحيزة لتيار "الإسلام السياسي"، الذي أعتبره شخصياً هاج وماج كالجمل الهائج في ميدان السياسة دون تأهيل وكفاءة ودون اعتبار لمخاطر الفتنة الطائفية ومخاطر سيطرة النزعة الدينية على بناء الدولة الحديثة بعد ثورة هدمت نظاماً فاسداً وتسعى بكوادر مصر الخبيرة مثل البرادعي وأمثاله الكثيرون جداً لبناء دولة ديمقراطية مؤسسية حديثة يستطيع أي تيار أن يمارس السياسة فيها بحرية وانضباط.

٢. مع عشقنا لأهلنا وأبنائنا بالجيش المصري ومؤسسته الفتية العظيمة والشرطة المصرية كذلك، الدستور يعطي للسلطة العسكرية قوة سياسية وهيمنة عسكرية على القرارات الإستراتيجية الوطنية ودعماً للاقتصاد العسكري الذي يمثل ٣٠-٤٠% من الاقتصاد الوطني، مما يُشغل الجيش عن مهمته الأساسية الدفاعية والتصنيعية العسكرية، كما يمنع الشفافية والرقابة على الميزانية العسكرية بادعاء السرية، علماً بأن إسرائيل وأمريكا يعرفون أدق الأسرار العسكرية. وأرجو من قيادة الجيش قبول اعتذاري عن تلك النقطة، ولو بعصر ليمونة عليها، وأرجو أن أقتنع بعكسها.

٣. الدستور المفصل (٢٣٦ مادة) يعطي فرصة للخطأ الدستوري، ويحتوي على ثغرات كثيرة للتسلل إلى الباطل من وراء ادعاء الحق. وقد أحصت "المصري اليوم" وحددت عدد ٢٢ مادة بها استثناءات، و ٢٦ مادة متناقضة، وخمس مواد غامضة. وشكراً "المصري اليوم" على هذا الجهد الكبير.

٤. حرية التعبير والديمقراطية والعدالة الاجتماعية منقوصة بسبب إتاحة الفرصة لحبس الصحفيين والإعلاميين وإمكانية غلق وسائل الإعلام المقروءة والمرئية، والسلطات الفائقة لرئيس الجمهورية في تعيين قيادات الأجهزة الرقابية والتنفيذية والهيئات والمجالس الجديدة، وضعف المواد المتعلقة بالعدالة الاجتماعية مثل حصر التأمين الصحي على "غير القادرين"، وهو تعبير هلامي بالإضافة إلى أنه تأمين غير عال النوعية، أي سيبقى الحال على "قديمه". وهنا تتاح الفرصة لخصخصة التأمين الصحي، ويُحرق المرضى بنيران جشع القطاع الخاص والأطباء وشركات الدواء.. وهلم جرا.

٥. تحصين القضاء العسكري، وإتاحة الفرصة للقضاء العسكري للقبض على المدنيين ومحاكمتهم عسكرياً، بادعاء تهم هلامية. ويتيح الدستور الفرصة للشرطة لحبس المواطنين لمدة ١٢ ساعة دون اتصال بالأهل أو المحاماة، مما يمكن من استمرار الحبس لمدة أطول بتجديد الحبس كل ١١ ساعة.

٦. يربط الدستور الأجر بالإنتاج دون مراعاة للتضخم ورفع الأسعار كالذي يحدث اليوم إرضاءً لمطالب صندوق النقد الدولي لكي نحصل على هذا السم الهاري المسمى "قرض"، وهو قرض غير حسن، بل وهو قرض سرطاني.

٧. لم يؤكد الدستور على الدور النشط والمتلاحم لكل من القطاع العام الحكومي (قطاع الأعمال) والقطاع الخاص والقطاع التعاوني والمجتمع المدني كسيمفونية هيكلية للتنمية وإطلاق الطاقات الشعبية التي تمثل جوهر الديمقراطية كما عبر عنها المرحوم الشيخ الغزالي.

٨. حافظ الدستور على ثقافة المركزية بجعل جميع مواد الفصل الرابع (نظام الإدارة المحلية) مبهمة ومتناقضة ومفتوحة لسن القوانين تبعاً لميول السلطة التنفيذية المركزية وهوى الأغلبية في البرلمان، وانتزع الدستور من قيمة اللامركزية، والتي تتمثل في أعلي مراتبها في انتخاب المحافظين (وهو الشرط الضروري الأساسي حسبما أخبرني به أحد كبار علماء الاجتماع العالميين في جامعة كورنيل) بالإضافة إلى تمكين المحليات في سلطة اتخاذ القرار، وتوفير التمويل المحلي وتخصيص حد أدنى ٢٠% من ميزانية الدولة للمحليات غير الضرائب المحلية، والدعم الفني والتدريبي للكوادر والوحدات المحلية.

٩. سطحية المواد المتعلقة بالتعليم والبحث العلمي، والنظرة الهامشية بصورة خاصة للبحث العلمي والتعليم الجامعي، فكيف يمكن تناول البحث العلمي بمادة هزلية (رقم ٥٩) مكونة من عدة كلمات (سطر ونصف)، ولا يُنَص فيها على تخصيص نسبة لا تقل عن ٣% مثلاً من الناتج القومي الكلي في خلال خمسة سنوات على سبيل المثال مثل ما نصت مادة تالية على التزام الدولة بالقضاء على الأمية خلال عشر سنوات من العمل بالدستور؟

١٠. لم يتعرض الدستور لأخطر مشكلة تواجه مصر بالقدر الكافي وهي مشكلة الازدحام السكاني في الدلتا والوادي والتوجه إلي قضايا إنشاء المدن الوظيفية الجديدة في الصحراء وسياسة الفك والتركيب للوزارات والمصالح الحكومية والجامعات لتعمير الصحراء وسياسات الزراعة والاستزراع الصحراوي وتعمير بحيرة ناصر ودراسة المشروعات المقترحة لعمران الصحراء من جانب العلماء المصريين بالداخل والخارج وحل مشكلة المرور والمشاكل البيئية الحالية والمرتقبة.

الخلاصة: لم أجد كلمات أبلغ من كلمات جلال عارف اليوم في مقاله بالتحرير "دستور للاستبداد.. ولجوع الفقراء"، وهي كلمات وطنية صادقة من شخص وطني صادق بمعنى الكلمة: "التصويت بـ«نعم» للدستور الباطل، يعنى خيانة الثورة التى قامت من أجل الخبز والحرية. ويعنى تسليم الوطن لحكم الميليشيات وشروط صندوق النقد، إسقاط هذا الدستور فريضة وطنية وواجب شرعى. الله لا يرضى عن الظلم أو الاستبداد أو سحق الفقراء. الله لا يرضى، والشعب لن يقبل."

أ.د. محمد نبيل جامعمصر

أستاذ علم إجتماع التنمية بجامعة الإسكندرية

Copyright © 2012 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

تعليق واحد

  • د. أسامة الكرم

    فى البداية اؤكد لحضرتك من هو اكبر خاسر من نعم، اعتقد ان اكبر خاسر هو د محمد مرسى، سيفقد فورا سلطة التشريع، وسيفقد القدرة على تعين النائب العام، ويفقد القدرة على تعين الهيئات المستقلة، ولا يستطيع تعين رئيس وزراء او اقالته.

    كل ذلك يتطلب اما موافقة مجلس القضاء الاعلى (مادة 173) أو بموافقة مجلس الشورى (مادة 202) او النواب (مادة 139) كما انه يمكن محاكته جنائيا (مادة 152) رغم انه حاليا لايمكن محاكمته.

    أما بالنسبة لتكوين الجمعية التأسيسية فقد تكونت فى عهد المجلس العسكرى وعنوة ضد رغبة الاخوان تحت تهديد العودة لدستور 71 وقد كان البرلمان فى حالة اجازة لكن الكتاتنى جمعه يوم الثلاثاء لاختيار الجمعية التأسيسية التى سعى لتكوينها د. السيد البدوى ود. ايمن نور وقد كانت القسمة النصف للاسلاميين والنصف للمدنيين هذا عن التكوين.

    ولا اظن ان د. السيد البدوى او د. ايمن نور من الغباء السياسى لخدمة الاسلاميين طبعا بعد تكوينها ب48 ساعة تم حل البرلمان لكن بقيت كل اعماله صحيحة طبقا لما هو متبع دستوريا، المهم الدستور يمنع علنا ويحرم محاكمة المدنى عسكريا الا فى الجرائم الضارة بالقوات المسلحة ويحددها القانون.. بمعنى لن تترك مفتوحة بل يحددها قانون من نواب سيختارهم الشعب وليس القوات المسلحة، وطبيعى ان يتم محاكمة من يسرق سلاح عسكريا اما من يسرق تليفون محمول يحاكم مدنيا،اما عن مناقشة الامن القومى فله مجلس غالبيته من (مادة 193)، اما مناقشة موازنة القوات المسلحة ستتم على مرحلتين الاولى فى مجلس الدفاع الوطنى ونصفه مدنيين والنصف الاخر عسكريين منهم اربعة منتخبين وهم الرئيس ورئيسا النواب والشورى ورئيس الوزراء (مادة 197) والهدف الا نعطى تفاصيل مجانا لاسرائيل عن ميزانيات الجيش.

    وللعلم الجيش به مناورات للتغطية على الكثير من اسراره بداية من عدد الافراد الى التسليح وقد خدمت فى سيناء وكان عدد الجنود اكثر من المسموح به وكنا نلجأ لتبادل العساكر على المكان الواحد، حتى يتعرف على المكان عشرة اضعاف المسموح به، وكانت قوات الطوارئ تهبط علينا بالطائرات وتعد احذية الجنود لتعرف عددهم، ولذلك كنا نجعل الجنود يذهبون للاجازات بكل مهماتهم، ولكن عدد الكتيبة يكون عشرة اضعاف المسموح به والباقى فى اجازات، وايضا الاسلحة كان غير مسموح الا بالسلاح الشخصى كنا نخفى انواع من الاسلحة الحديثة بالليزر داخل جيوب سرية تحت بطون الجمال وكان العساكر يسرحون مع الجمال ويرحلون معهم فى نطاق محدد.

    فلا نتوهم ان الجيش مكشوف لاسرائيل هناك اسلحة متطورة تعمل بالليزر فى النخيل وفى الجبال وفى الزروع، طبعا الوضع مؤكد تطور كثيرا الآن فقد تركت الخدمة عام 85 اما عن انتاج الجيش للمكرونة والخبز ليحقق اكتفاء ذاتى او ليحقق ارباح فهذا يسعدنى كثيرا فالمهم ان الاموال فى النهاية داخل البلاد والانتاج داخل البلاد والارباح داخل البلاد ما يقلقنى هو الشركات الاجنبية التى تدخل بمليون دولار وتريد ان تحقق ارباح لتخرج بعشرة مليون دولار اى انها تستنزف الدولار اما مايمكث فى مصر فلا ضير.

    اما مايخص الصحافة، الدستور لأول مرة يمنح حق اصدار الصحف بالاخطار والاهم الحصول على المعلومة اصبح حق، اما منع حبس الصحفى فى السب والقذف انا ارفضه ارفضه وانا صحفى ورئيس تحرير ذهبت لمحكمة الجنايات 38 مرة طوال حياتى المهنية وذهبت لنيابة امن الدولة عشرات المرات، لو سمحنا بالسب للصحفى تتدنى لغة الحوار، حرية النقد مكفولة كما نص الدستور اما السب والقذف فهذا شئ اخر يجب معاقبة فاعله ولا يعقل ان احاسب من يسب شخص فى الشارع او على سلم عمارة ولا احاسب من يسب علنى بجريدة.

    اما بخصوص التأمين الصحى فهو للكل الاشتراك لكل المصريين ولكن الدولة تتحمل الاشتراك عن غير القادرين وهذه ميزة وليست عيب ، وربط الاجر بالانتاج ميزة هامة جدا جدا لمنع زيادة الاسعار.. فزيادة الاجور (التى ستزيد الطلب) دون زيادة الانتاج (العرض) سترفع الاسعار حتما.. اما لو زاد الانتاج (العرض) وزادت الاجور فلن يحدث زيادة اسعار وعلى فكرة انا متخصص فى الاقتصاد وهذا الاسلوب هو الوحيد الناجح اما ربط الاجر بالاسعار فسيؤدى الى مزيد من سلسلة رفع الاسعار وندخل فى دوامة ادمان زيادة الاجور ثم الاسعار.

    اما قوانين الاقتصاد او مايمس العمال فلن تصدر الا بموافقة المجلس الاقتصادى والاجتماعى ونصفه من العمال بالنقابات العمالية على الاقل، اما البحث العلمى فالدستور خصص له نسبة كافيه من الانتاج القومى واعتقد ان نسبة كافية افضل من تحديد رقم، فالدستور لا يجب ان يكون جامدا فربما نحتاج فى فترة الى نسبة مختلفة عن مرحلة اخرى.

    أكرر لكم ماكتبته هو لتقديرى لكم ولقيمتكم ومكانتكم الكبيرة فى قلبى، وبالطبع هذا ليس للتأثير عليكم فقد انتهى الاستفتاء لديكم لكن انا قرأت الدستور عدة مرات وهى قراءة فاحصة وهو فى العموم جيد ومطلوب لتنتهى المرحلة الانتقالية التى تنزف فيها مصر من رصيدها الاحتياطى،الآن رصيدنا الاحتاطى 11 مليار دولار بالاضافة الى وجود 4 مليار دولار ودائع لقطر والسعودية وتركيا اى اننا نزفنا 25 مليار خلال عامين، واقسم بالله لن نجد دولار لاستيراد القمح وحينئذ لن يكون هناك غنى او فقير الكل سيجوع.

    الكل سيبحث عن الرغيف ولو ب1000 جنية لكن لن يوجد لسبب بسيط اننا لجأنا للجدل وتركنا العمل، فلا بد ان نعود للعمل ونترك الجدل، عامين للفترة الانتقالية تكفى، الدستور يمكن تعديله فى اى وقت ومتاح من اول جلسة لمجلس الشعب تعديله فهو ليس قرآن، لكنه فى المجمل جيد، اقول هذا وانا دارس للنظم السياسية والاقتصادية، فهذه شهادة لله، واقسم بالله لا استهدف سوى مصلحة مصر.

    أما "لا" يادكتور لن تفعل سوى تأجيل مانفعله الآن سنة، واقسم بالله اذا تم انتخاب لجنة تأسيسية ستأتى بالاسلاميين بنسبة لاتقل عن 50+1 وبالتالى ستتكرر نفس المشاكل، فهل نظل محلك سر مثل نيبال التى لاتزال تتقاتل من اجل الدستور منذ خمسة اعوام؟ مصر لا تستحق هذا.

     

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك