إخوان مرسي يهدرون الشرعية والشرع (١) - أولاً: إهدار الشرعية

أ.د. محمد نبيل جامع
مصر : ۱۰-۱۲-۲۰۱۲ - ۵:۱۵ م - نشر

عندما تسأل أحد البغبغاوات الإخوانية عن معنى الشرعية تجده يتثرثر قائلاً: الشرعية هي "الصندوق، هي الديمقراطية، مش هي دي اللي انتو عاوزينها"، وناقص يقول "اشربوها بقى"، وهو ينتفخ سعادة ونشوة.

هنا لا أتحدث إليهم فهم لا ينصتون إلا لأمرائهم. الشرعية (وهي مجازاً مشتقة من الشرع، ولكنها مختلفة تماماً) ترجمة لكلمة Legitimacy، وهي تعبير علمي اجتماعي يعني السلطة التي يخضع لها الإنسان عن رضا واقتناع. أما البطش، كالذي يتبعه الإخوان حالياً، فهو القوة غير الشرعية، والتي يخضع لها الإنسان وهو يشعر بالقهر والضعف وعدم الرضا.

الشرعية دائمة مستديمة، وليست موقوتة بفترة رئاسة أو بمدة معينة. والشرعية هي مصدر الاقتناع والقبول والرضا عند طاعة الرعية للراعي. والشرعية لها مصادر أربعة أو أسباب أربعة، فانظر معي لهذه المواقف التالية:

١. في مصر الفرعونية والصين قبل ماوتسي تونج وعصر ما قبل النهضة الأوروبية والحضارات القديمة بوجه عام، كان الناس يطيعون عن رضا وسعادة الملوك والأسر الملكية نظراً لأن الأخيرين يمثلون سلطة الآلهة، وكانوا يعتبرون ممثلين للآلهة في الأرض. (السلطة الدينية).

٢. في القرية التقليدية مثلاً، أنت تطيع "الشيخ الحاج سالم أبو العزم" لأنه رجل مهاب يحمل في شخصه ومقامه قيم القرية وتقاليدها متجسدة في كيانه، ومن ثم تطيعه وأنت راض سعيد لأنك تنصاع لشرف تلك القيم وجلال تلك التقاليد. (السلطة التقليدية).

٣. كنا في شبابنا ننتقد عبد الناصر، ولكن عندما يتحدث ويخاطبنا بشيء ما فإننا نتبعه دون مناقشة، ونكون سعداء وراضين تماماً. هنا مصدر الشرعية هو الكاريزما، وهي قوة سحرية شخصية يمتلكها القائد أو الشخص المؤثر بحيث يستجيب لها المقود أو الشخص المتأثر دون مناقشة، بل برضا وبإيمان وسعادة. (السلطة الكارزمية).

٤. أنت في عملك أو في ورشتك تطيع مديرك أو المهندس صاحب الورشة لأنه (أي المدير أو صاحب الورشة) قانونياً له الحق في إملاء أمره وأنت قانونياً وجب عليك الطاعة. هنا أنت تطيع وأنت مقتنع بضرورة طاعتك، ومن ثم فلا تشعر بالقهر أو التجبر إلا لو كان هذا المدير يأمرك على غير سنة القانون. (السلطة القانونية أو المنطقية).

إذن، هناك أربعة مصادر للشرعية: الدينية والتقليدية والكارزمية والقانونية. ويعتقد بعض العلماء الاجتماعيين أن المجتمعات تمر وتتطور من الشرعية الدينية إلى الشرعية التقليدية ثم إلى الشرعية الكارزمية ثم تنضج أخيراً عند الشرعية القانونية، إلا أن الواقع يوحي إلينا بوجود الأنواع الأربعة في المجتمعات الإنسانية المعاصرة بدرجات مختلفة، ولكن في المجتمعات المتخلفة قد يوجد النوع الأول وفي المجتمعات الناضجة يسود النوع الأخير.

كيف يهدر الإخوان الشرعية؟

١. بالرغم من اعترافهم بالدولة المدنية إلا أن الإخوان يريدون أن يحكمونا بالشرعية الدينية، والتي اتفقنا، كما سبق، أنه لا يمكن الآن أن يكون الشيخ أو الحاكم أو المرشد ممثلاً لله في الأرض، وإلا لكان ذلك شرك كشرك الجاهلية تماماً باستبدال البشر بالحجر.

٢. هل نحن الآن وبعد خمسة أشهر من الحكم الإخواني راضون عن أوامرهم وأعمالهم؟ فئة راضية وغالبية غير راضية. والغالبية أصلاً لم يكونوا راضيين باختيار مرسي، ولكنهم اضطروا إليه إلا قليلاً. يعني ذلك أن الشرعية التي تعني كما سبق أن شرحنا الرضا والاقتناع غير موجودة.

٣. كان يمكن للإخوان أن يطوروا من شرعيتهم المنقوصة أصلاً لو أنهم حاولوا إرضاء الشعب بتحقيق مطالب هذا الشعب الثورية وهي الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، ولكنهم سارعوا إلي إهدار القدر القليل مما هو لهم من شرعية.

٤. لا يمكن أن يرضى الشعب وهو يرى أن الإخوان يهرعون للخضوع لأمريكا وإسرائيل وبعض الدول الخليجية لإرضاء مطامع تلك الدول مقابل ضمان وصولهم واحتفاظهم بحكم مصر، ولا يهرعون ولو بمعشار ذلك لرضا الشعب وتحقيق مطالبه، بل يفعلون العكس تماماً من خلال رفع الأسعار والضرائب والاقتراض من الخارج وغير ذلك من وبال على الشعب المصري البائس.

٥. الطامة الكبرى لإهدار الشرعية من جانب الإخوان هي افتقاد الجماعة الإخوانية نفسها للشرعية المؤسسية، فهي جماعة تحولت من جماعة محظورة إلى جماعة متواطئة مع المجلس العسكري وغيره، ولا تزال حتى الآن جماعة غير قانونية سرية فاشية لا تخضع لقانون الجمعيات والمؤسسات الخاصة مما يضعها في الحقيقة في موقع المحتل الغاصب من ناحية الشرعية القانونية.

٦. الشرعية القانونية قد ضرب الإخوان بها عرض الحائط، عندما قاموا بذبح القضاء دون مبالغة في التعبير، وعندما امتنعوا عن تنفيذ أحكام نافذة مثل قضية رئيس تحرير الجمهورية، وعندما اعتدوا على الثوار والمعتصمين ومثلوا بهم، وعندما استعرضوا فتواتهم وأبضاياتهم عند رابعة العدوية وفي الطريق للاتحادية، وعندما يتلاعبون بالإعلانات الدستورية، وعندما يحنثون بوعودهم وقسمهم، وعندما يشكلون جمعية تأسيسية غير ممثلة تنشئ دستوراً متحيزاً هادراً للحقوق والحريات، وعندما يحاولون السيطرة على النقابات مثل حالة نقابة الفلاحين، وعندما يحاربون الإعلام ويحاولون غلق القنوات وتهديد الشرفاء من الإعلاميين، وعندما يسابقون الزمن للتمكين من خلال تمرير الدستور بأي وسيلة ثم إجراء الانتخابات البرلمانية للتمكن من السلطة التشريعية، كل ذلك على حساب المخالفة القانونية الأساسية المتمثلة في الحنث بالقسم الرئاسي الذي يضمن احترام الدستور والقانون والرعاية الكاملة لمصالح الشعب المفتقدة تماماً حتى الآن، بل وإن استقلال الوطن قد هدد بشهادة إسرائيل وأمريكا، ولم تخل سلامة الأرض وخاصة سيناء من التهديد الخطير الذي قد ينذر بكارثة كبرى قد تقود إلى حرب عالمية ثالثة.

إذن، أين الشرعية التي تدعونها أيها الرئيس المبجل أنت وجماعتك الفاضلة؟ أنتم سادتي قد اخترتم طريق البطش، وطلقتم طريق الشرعية، وياليتكم تسمعون النصيحة قبل أن يحين الندم في الدنيا والآخرة.

أ.د. محمد نبيل جامعمصر

أستاذ علم إجتماع التنمية بجامعة الإسكندرية

Copyright © 2012 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك