رحيل قنديل وعودة مبارك

بقلم/
مصر : ۱۸-۱۱-۲۰۱۲ - ۹:۰۹ م - نشر

تابعت بأسى بالغ أخبار وصور حادث القطار الأليم، ما بين أشلاء الصغار وصرخات الكبار وتصريحات المسئولين الشطار ولكن ما زاد عليّ الأسى هو حالة الإستخفاف بالحادث الجسيم من قبل أنصار الرئيس مرسي، والذي تجلى عبر مواقع التواصل الإجتماعي. فأحدهم يتحدث عن "وهو مرسي كان سواق القطر؟" والآخر يتحدث عن "وهو كان في برامج باقي مرشحي الرئاسة خطة للتعامل مع المزلقانات؟"… وهو حقيقة أمر يعبر عن حالة من العوار الشديد الذي أصاب العقول والقلوب أيضاً.

وهنا لن أتحدث عن مقولة عمر بن الخطاب عن تعثر الناقة التي يخشى أن يُسأل عنها، وأيضاً لن أتحدث عن الحديث الشريف "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"، ورغم أن تلك الأحاديث والمواقف من المفترض أنها تسري في كل زمان وأوان، ولاسيما الآن وقد ظفرنا بالرئيس المؤمن المُصلي حافظ كتاب الله، إلا أنني سأتحدث من منطلق عقلاني بشري معاصر يعيش في دولة نامية تحاول عبثاً اللحاق بركب الحضارة والإنسانية.

فمقولة "هو الريس ما له بالحادثة؟" تفتح لنا الباب على مصراعيه للتفكير فيما أصاب قلوبنا بعد الثورة. ألهذه الدرجة أوصلنا الصراع السياسي على السلطة؟ هل أصبح كل ما يشغل عقل وقلب أنصار الرئيس الحالي هو مدى التأثير السلبي الذي سيصيب القيادة السياسية جراء حادث إختلط فيه دماء أطفال أبرياء بتراب أرضٍ أرخص ما فيها هو الأمانة والضمير؟ فلتحترق الثورة ويحترق جميع مرشحي الرئاسة، السابقين منهم واللاحقين، ويظل القلب المصري ينبض، والعين تدمع، والوجدان ينتفض إذا ما شاهدنا أطفالاً في عمر الزهور يقضون نحبهم جراء إهمالٍ غبيٍ باردٍ بليد.

وإذا ما تركنا الجانب العاطفي في الأمر وكارثة تبلّد المشاعر والقلوب، وإتجهنا إلى فاجعة خواء الأفكار والعقول، سنجد أن الرئيس مرسي بالطبع مسئولٌ مسئولية سياسية كاملة عن الحادث، فالرئيس هو من كلف هشام قنديل بتشكيل الحكومة، وقنديل هو من أتى بوزير النقل ورئيس هيئة السكك الحديدية، المسئولان مسئولية مباشرة عن هذا الحادث الإجرامي.

الحادث هو حادث إهمال من الدرجة الأولى، فالتحريات الأولية تتحدث عن نوم عامل المزلقان أثناء تأدية عمله. أي أنه حدث جراء تقاعس وغياب رقابة ومتابعة وتقييم، وانعدام كامل لإستراتيجية عمل هيكلي مبني على التدرج الوظيفي الذي يضمن سلامة إتمام عملية خطيرة تتعلق بأرواح العشرات والمئات والآلاف.

فعندما ينام عامل المزلقان ولا يجد زميلاً يباشره، ولا مُلاحظاً يوقظه، ولا رقيباً يردعه، ولا مديراً يعاقبه ويفصله، وعندما تكون مهمة خطيرة كهذه في يد فردٍ واحدٍ يغفل دقائق فيموت العشرات، ونتحدث ببلادة منقطعة النظير عن ماهية مسئولية الرئيس عن الحادث، وعن أن العامل وحده هو من يتحمل المسئولية الجنائية. فالحقيقة أنني أتسائل عن الموقف لو أن العامل قد أصابه فقدان وعي مؤقت أو غيبوبة سكر أو أزمة قلبية مفاجئة لقي بها ربه، فإصطدم القطار بالحافلة ومات مئات الأبرياء، فعلى مَن نلقي المسئولية الجنائية حينها؟!

يا سادة.. قضية القطار يجب أن تُطرح بالشكل التالي: السيد وزير النقل والسيد رئيس هيئة السكك الحديدية مسئولان مسئولية جنائية عن الحادث شأنهما شأن عامل المزلقان لغياب التخطيط والهيكلة والرقابة والرؤية الإدارية.

أما عن المسئولية السياسية فهي تتصاعد لتمتد إلى السيد هشام قنديل رئيس الوزراء ومن ثم إلى السيد الرئيس محمد مرسي، والرئيس مُطالب في هذه الأثناء بإتخاذ قرارات رادعة أقل مافيها هو إقالة حكومة الدكتور قنديل والإعتراف بمسئوليته عن الحادث وتقديم واجب الإعتذار بجوار واجب العزاء لأسر وأهالي الضحايا الأبرياء.

والواقع أنني حقاً الآن لا أدري لماذا قمنا بالثورة، لقد حلمنا يوماً ما بوطن يرتدي فيه وزير النقل "الجينز والكوتشي والكاب" ليمر ليلاً في جولات مفاجئة ليعاقب المهمل ويفصل الكسول ويسلّم الموظف متعاطي المخدرات للعدالة.

وأنا هنا أتحدث عن جولات مفاجئة حقيقية وليست على غرار الجولات "المقندلة" للسيد قنديل، التي يذهب فيها بشكل مفاجئ ليتفقد مترو الأنفاق بصحبة كاميرات تسع قنوات فضائية!

كنت أرجو أن يستغل الدكتور قنديل المنحة التي وهبه الله إياها بمظهره الذي لا يدل على كونه يمت لرئاسة الوزراء بصلة، ويقوم بدورٍ رقابي حقيقي وفاعل، ولكننا إستيقظنا من الحلم الجميل على الواقع المؤسف بإستنكار البعض لعلاقة الرئيس بحادث إهمال وقصور إداري.

وإن لم يحدث ما طرحته في السطور السابقة، فلا أدري لماذا تحدثنا كثيراً وملأنا الدنيا ضجيجاً وصراخاً عن مسئولية مبارك عن قطار الصعيد، أو غرق العبارة، أو كنيسة القديسين، أو حريق بني سويف. فبنفس هذا المنطق البليد يصبح مبارك بريئاً براءة الذئب من دم ابن يعقوب أمام أغلب الإتهامات التي أودت به إلى سجنه المديد وأودت بنا إلى الرئيس الجديد.

والحقيقة أنه يحضرني الربط الرائع للدكتور مأمون فندي بين حادث العبارة في العهد السابق وحادث القطار في العهد الحالي، فالحادثان تزامنا مع إحتفالات الإنتصارات الأفريقية في كرة القدم، والحادثان لم يتحمل أيٌ من القيادات السياسية المسئولية عنهما، ولم يبق سوى أن يتسبب الحادثان في رحيل كلا النظامين البائسين!

وببراءة مرسي يستطيع مبارك الطعن في شرعية الثورة أمام محكمة القضاء الإداري المستعجل، ليعود من جديد ليهنأ بالمبررين والمبرئين وماسحي الجوخ المفترض إندثارهم في مصر الثورة.

فليرحل قنديل يا دكتور مرسي.. يرحل قنديل قبل أن يعود مبارك.

أحمد حمدي مصر

Copyright © 2012 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

Leave your vote

0 points
Upvote Downvote

Total votes: 0

Upvotes: 0

Upvotes percentage: 0.000000%

Downvotes: 0

Downvotes percentage: 0.000000%

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق



Hey there!

Forgot password?

Don't have an account? Register

Forgot your password?

Enter your account data and we will send you a link to reset your password.

Your password reset link appears to be invalid or expired.

Close
of

Processing files…

أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك

Warning: mkdir(): Disk quota exceeded in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 321

Fatal error: Uncaught exception 'Exception' with message 'Cache directory not writable. ZenCache needs this directory please: `/homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/cache/zencache/cache/http/ahlan-com/2012/11/18`. Set permissions to `755` or higher; `777` might be needed in some cases.' in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php:324 Stack trace: #0 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->WebSharks\ZenCache\Pro\{closure}('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #1 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/classes/AbsBaseAp.php(55): call_user_func_array(Object(Closure), Array) #2 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AbsBaseAp->__call('outputBufferCal...', Array) #3 [internal function]: WebSharks\ZenCache\Pro\AdvancedCache->outputBufferCallbackHandler('\xEF\xBB\xBF<!DOCTYPE ht...', 9) #4 /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-includ in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/plugins/zencache-pro/src/includes/closures/Ac/ObUtils.php on line 324