شرع الله ما بين المبادئ والأحكام وقهر المتنطعين

بقلم/
مصر : ۱۲-۱۱-۲۰۱۲ - ۱۱:۰۵ م - نشر

بالرغم، والحمد لله سبحانه وتعالى، من أنني أعرف طريقي إلي الله، شأني شأن كل مصري مسلم بسيط، لبساطة الإسلام وسماحته، فإني لا أستطيع أن أقارع الشيخ الفاضل الجميل أسامة الأزهري، أو الداعية الرحيم الحبيب الجفري، أو أساتذة الفقه والحديث الضالعين، لأن ذلك ليس تخصصي.

وأحمد الله أن كفانا وأنعم علينا بهؤلاء الرحماء البشوشين السمحاء، إلا أنني أستطيع من خلال تخصصي العلمي الإجتماعي أن أعلق علي مفهوم المبادئ والأحكام من خلال الرؤية العلمية الإجتماعية.وحتى نسهل الأمر على القارئ سأذكر مثلاً محدداً واحداً فقط من ملايين الأمثلة التي تُكَون المجتمع والسياسة والإقتصاد والدولة بل والعالم كله. مع يقيني مقدماً برفض الشيخين عشوش ومرجان وأمثالهما لما هو آت لإنشغال الأخير بهدم الهرم وأبو الهول.

أولاً: المثال يتعلق بقيمة Value واحدة من قيم الإسلام وهي "العدل أو العدالة"."إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً" (النساء، ٥٨). والقرآن مليء بآيات الأمر بالعدل والنهي عن الظلم. هل تسمح لي أيها القارئ العزيز أن نطلق على هذه القيمة مبدأً من مبادئ الشريعة الإسلامية؟ هذا المبدأ (العدل) لا يختلف عليه أحد حتى من أصحاب الديانات الأخرى وحتى من الملحدين، ذلك لأنه مبدأ إنساني عام. والآيات القرآنية العديدة المتعلقة به تؤكده وتوضح إمكانية تطبيقه في جميع السياقات الإنسانية الواقعية. إذن المبادئ لا يختلف عليها أحد. ولكن كيف نُفَعًل هذا المبدأ؟ أو كيف نضع له "دبوسا" يجعله قابلاً للتطبيق والتقييم والمحاسبة، كما قال الفقيه الدستوري القدير الأستاذ الدكتور محمد رفعت في ندوة "الدستور مغارم ومغانم" في نادي أساتذة جامعة الإسكندرية أمس الأحد عندما كان يحاول أن يحول القول من قول مرسل إلى قول أكثر تحديداً أو قبولاً للتطبيق؟

ثانياً: لكي نُفَعًل ذلك، سنستمد (أو نستنبط) من الشرع الإسلامي معياراً Norm يُفَعل قيمة أو مبدأ العدالة ويترجمها. هذا المعيار هو "لكل على قدر عمله ولكل على قدر حاجته". الآيات القرآنية كثيرة أيضاً تحث على أن كل مسلم ومسلمة في الجماعة الإسلامية له "حق" الحياة الكريمة وتحقيق حاجاته وخاصة لو كان عاجزاً أو معوقاً أو عاطلاً أو غارماً أو إبن سبيل أو فقيراً أو مسكيناً، وهو حق لهؤلاء من أموال الأغنياء والموسرين وبيت مال المسلمين. ولكن في نفس الوقت يسمح الشرع الإسلامي الحنيف بتباين الأرزاق والنعم تبعاً لجهد الإنسان وتعبه وكده. هذا المعيار يمكن أن نختلف عليه، أو نعدله قليلاً كأن نحوله إلى "لكل علي قدر طاقته ولكل على قدر حاجته للحياة الكريمة". وهنا نبدأ في الإختلافات المذهبية، ولكن على درجة قليلة جداً. ولذلك فافترض أن العبارتين مستمدتان من مذهبين، فالإختلاف هنا يكون رحمة لأن تطبيق العبارة الأولى يمكن أن يكون أفضل تحت ظرف معين والثانية تكون أفضل تحت ظرف آخر. ولكن كل هذه النقطة تحتاج لـ"دبوس آخر"، والتحية للدكتور محمد رفعت مرة ثانية، لكي تتحدد وتصبح قابلة للتنفيذ بدرجة أكبر. وأذكر القارئ هنا أن هذا المعيار الإسلامي للعدالة يختلف عن معيار الشيوعيين وهو "من كل على قدر طاقته ولكل على قدر حاجته"، والذي يعني أن يعمل الإنسان "كالحمار"، والجميع كذلك، ثم في النهاية كل يأخذ على قدر حاجته فقط (يعني ٢٠٠٠ كالوري من الغذاء مثلا ومسكن صغير جدا للجميع.. إلخ)، ونلاحظ هنا إنعدام الحافز الفردي ووجود القهر الإنساني بحجة المساواة. كما يختلف المعيار الإسلامي عن معيار الرأسمالية المتوحشة التي خربت بلادنا بفعل مبارك الطاغية وعصابته الظالمة والذي يقول "لكل على قدر عمله"، فقط، بمعنى أن الذي يعمل يأخذ على قدر عمله والعاجز أو الشيخ أو المعوق أو الفقير "ما لوش لازمة ويروح في داهية".

ثالثاً: كيف نُفَعًل معيار العدالة الإسلامي السابق "لكل على قدر عمله ولكل على قدر حاجته"؟ هنا تأتي قضية "التنظيم" أو "تكنولوجيا العمل الجماعي" أي كيف نعمل معا بكفاءة وفعالية كمجتمع كي نحقق معيار العدالة. وهنا نختلف كثيراً جداً، فتظهر نماذج عديدة قد لا نستطيع حصرها، وليس مجرد نموذجين فقط كما كان الحال في حالة المعيار في النقطة السابقة، أو نموذج واحد في حالة القيمة في النقطة الأولى. فالنماذج هنا كثيرة جداً. يتمثل هذا التنظيم مثلاً في توزيع الحيازات في الأراضي الجديدة في الصحراء ما بين ١٥% فقط لكبار الزراعيين مثل الوليد بن طلال وغيره من أصحاب الإقطاعيات الكبيرة، ثم ٣٥% فقط للمزارع التجارية (حوالي ١٧٠ فدان)، ثم ٥٠% من الأراضي الموزعة على صغار المزارعين (٢٠ فدان صحراوي لكل مزارع صغير). هنا يمكن أن نختلف قليلاً حول أرقام هذا النموذج أيضاً. ثم هناك نموذج آخر لتفعيل المعيار مثل تنظيم الخدمة الصحية وإنشاء نظام "أو تنظيم" التأمين الصحي الحكومي مثل الدول المحترمة وحتى مثل دول الخليج المحترمة أيضاً، ولا زال هناك نماذج لا حصر لها لتحقيق المعيار، وهنا نلاحظ الإختلاف المتعدد بين هذه النماذج والذي يستلزم العلم الأرضي، والتعليل العقلي، والإبداع العلمي، والحوار الهادئ لتحقيق التآزر الفكري والإبداع الجماعي. هنا لن نجد في القرآن والسنة مثل هذه الحلول التنظيمية لأن الظروف إبان زمن الحبيب المصطفى لم تكن فيها القضايا التي نتحدث عنها الآن في هذا المثال.

رابعاً: لابد من "دبوس" آخر لنُفعل هذا التنظيم الذي ذكرناه في النقطة الثالثة. هذا الدبوس هو "توفير الموارد الطبيعية والمادية والبشرية"، بمعنى ضرورة توفير "عدة الشغل". في حالة التأمين الصحي لابد من توفير المال والتكنولوجيا المتمثلة في الأجهزة الطبية والمعدات وتوفير المستشفيات أو المستوصفات بأسمنتها ومسلحها وسيراميكها وسياراتها و.. و.. و.. إلخ، ثم لابد من توفير الموارد البشرية أي الأطباء والممرضين المدربين والمساعدين والمحاسبين والحراس وعمال النظافة و.. و.. إلخ. هذه الأمور سوف نستورد معظمها من الدول الأجنبية الأكثر تقدماً من مصر. وكل هذه الأمور لم تكن موجودة أيام الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم والإختلاف فيها كبير جداً جداً جداً، والبدائل متعددة جداً جداً وتحتاج لتفكير وتعليل وإجتهاد. والأمر ينطبق نفسه على مثال الأراضي الصحراوية وتوزيعها أيضاً.

الخلاصة: الدول والمجتمعات تبنى من أربع طبقات "القيم والمعايير والتنظيم والموارد". المجتمع أو الدولة في مؤسساتها الخمس الرئيسية الأسرة والإقتصاد والدين والتعليم والحكومة ومؤسساتها الفرعية الأخرى مكونة من بحر هائل من الأفعال والسلوك والإختيارات تحتاج إلى علم أرضي ورؤية إبداعية وإبتكار وعقل وإجتهاد لا نجد مفرداتها في القرآن والسنة، ولكن نجد أساس هذه المفردات، ذلك الأساس الإسلامي غير الرأسمالي أو غير الشيوعي والمتمثل في القيم والمعايير (النقطتين الأولى والثانية أعلاه)، ومن هنا فإن الإكتفاء بلفظة مبادئ الشريعة الإسلامية في المادة الثانية من الدستور يتسق مع الشريعة الإسلامية بل وتتطلبه الشريعة الإسلامية حتى نطلق لأنفسنا الحرية للإبداع والاجتهاد فيما لا يوجد في القرآن والسنة كما توقع الحبيب المصطفى وهو يختبر معاذ قبل أن يرسله عاملاً علي اليمن، وفرح بقوله "أجتهد رأيي ولا آلو"، وذلك لو لم يجد في القرآن والسنة ما يحكم به، فضرب الحبيب بيده الشريفة على صدر معاذ وقال الحمد لله الذي وفق رسول الله. وإلا فأقول للمتنطعين لا تفرضوا مشروعات صغيرة إلا القَدًوم وجمع الحطب، ولا تأكلوا إلا تمراً ولبناً وثريداً، ولا تركبوا السيارات، ولا تشاهدوا التليفزيون، ولا تتصوروا في الفضائيات، وإياكم أن تقع أعينكم على طائرة، ولا تتعاملوا مع نساء العالم الرئيسات والوزيرات والفنانات، واطردوا سفيرة الولايات المتحدة من مصر وإستبدلوها بخنشور يلبس بنطلوناً قصيراً وشبشب زنوبة.

أ.د. محمد نبيل جامعمصر

أستاذ علم إجتماع التنمية بجامعة الإسكندرية

Copyright © 2012 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك