القنوات المصرية الخاصة وعائلة القذافي.. إعلان تسجيلي أم تقرير تلفزيوني

خالد محمود
مصر : ۷-۱۱-۲۰۱۲ - ۷:۲۹ م

من الرائع أن يمد بعض الإعلاميين والصحفيين المصريين بصرهم خارج الحدود والمشاكل المصرية بحثاً عن قضايا لها علاقة بما يجري بالداخل أو تفسيراً لما هو محتمل في علاقات مصر الخارجية في محيطها الجغرافي التقليدي.

لكن المؤسف أن بعض هؤلاء يلجأ إلى إجتزاء المواقف ولا يلتزم بالمهنية والموضوعية ويتصدر للأمر على طريقة "ولا تقربوا الصلاة" دون أن يستكمل الآية أو يحكي كل تفاصيل المشهد.

بمحض المصادفة شاهدت مساء أمس (الإثنين) جزءاً من برنامج العاشرة مساءاً الذي يقدمه الزميل الصحفي وائل الإبراشي على قناة دريم الفضائية، حيث تناول فيه قصة إعتقال السلطات الليبية للعنود إبنة عبد الله السنوسي، صهر العقيد الراحل معمر القذافي، والرئيس السابق لجهاز المخابرات الليبية.

وقدم الإبراشي قصة العنود البالغة من العمر عشرين عاماً على أنها قضية خاصة بحقوق الإنسان، مشيراً إلى أنها أعتقلت فقط لكونها إبنة محبة لأبيها ذهبت من مصر إلى ليبيا عبر الجزائر في محاولة لتوكيل محامي عن والدها المعتقل في ليبيا.

كما إستضاف عبر الهاتف من القاهرة سلمى، زوجة السنوسي وأم العنود، التي راحت تتباكى على إعتقال إبنتهما وتقول إنه ينبغي إطلاق سراحها فوراً، كما دافعت عن زوجها السنوسي وقالت إنه لم يكن يحكم ليبيا وإنه ليس صحيحاً أنه كان يفعل كل شيء وتساءلت "أين الأمناء (الوزراء) وغيرهم؟ هل من المعقول أن السنوسي كان يدير كل شيء بنفسه في ليبيا؟"

وقالت سلمى إن عائلة السنوسي تعرضت لما وصفته بالكمين من السلطات الموريتانية بعد إعتقالها في العاصمة الموريتانية نواكشوط قادمة من المغرب، مشيرة إلى أنها رافقت السنوسي حتى قبل تسلميه إلى ليبيا.

لكن الابراشي لم يقدم ضيفته للمشاهدين على أنها شقيقة زوجة القذافى مكتفياً بتساؤل ساذج: هل أنت على علاقة عائلية بعائلة القذافي؟ قبل أن تجيب بإقتضاب: نعم، لكن دون أن تعلن صراحة أنها شقيقة زوجة القذافي.

سؤال المذيع التجهيلي لم يكن ثمة ما يدعو له، فهو يعلم تماماً صلة سلمى بالقذافي وزوجته، لكنه أراد ربما الإدعاء بعدم معرفته السابقة بها. يؤكد هذا أن المذيع أو الصحفي حرص على إعادة بث صور العنود ثلاث مرات على الأقل وهي برفقة أبيها المعتقل وبعض أشقائها، سائلاً سلمى فركاش هذه هي العنود التي تظهر في الصورة أليس كذلك؟

والحاصل أن هذا السلوك مشبوه ويعتريه الشك، فالأبراشي يعلم جيداً من هي العنود حيث سبق له أن أذاع في نفس برنامجه العاشرة مساءا نبأ القبض على إبنة عبد الله السنوسي بتاريخ 8-10-2012 حين دخولها ليبيا بجواز سفر مزور.

تخلى المذيع هنا عن دوره الأساسي في تقديم المعلومات بشفافية إلى جمهور مشاهديه، وقام الصحفي بداخله بإجتزاء الحقيقة متقطعاً منها ما يحقق أهدافه وهو إحداث حالة من التعاطف مع زوجة السنوسي الذي قتل بدم بارد ألاف الليبيين ويعتبر الشريك الأبرز للقذافي في كل الجرائم التي وقعت ضد الشعب الليبي خلال ثورته للإطاحة بنظام القذافي في السابع عشر من شهر فبراير ( شباط) عام 2011.

ظل المذيع الذي تقمص دور المحامي عن حقوق الإنسان يسعى لإقناع مشاهديه ببراءة عائلة السنوسي متبنياً فكرة إطلاق سراح إبنته العنود بدوافع إنسانية.

لكن من يظن نفسه قريباً مما يجري في ليبيا، نسي أو بالأحرى تناسى أن إبنة السنوسي لم تتوجه إلى طرابلس لتوكيل محامي عن أبيها، فهذا إدعاء باطل، ذلك أن السنوسي المعتقل في سجن الهضبة وتحت رقابة أمنية مشددة يتولاها الحرس الوطني الليبي، لم يتم إلى الآن رسمياً إنتهاء التحقيقات الأولية معه وبالتالي لم يتم نقله إلى أية محاكمة لكي يحتاج إلى محامي.

وحتى عندما يأتي هذا الجزء المبكر من القصة فقد تعهدت السلطات الليبية بتوفير محاكمة عادلة للسنوسي وإتاحة الفرصة أمامه للإستعانة بمن شاء من المحامين سواء من الداخل أو الخارج.

والحاصل أن العنود إبنة السنوسي المشهور بين الليبيين بلقب الجزار، ويعتبر بمثابة الصندوق الأسود للقذافي، توجهت بالأساس إلى العاصمة الليبية طرابلس لمساعدة والدها على الهرب من محبسه وليس لتوكيل محامي.

إن محاولة التباكي على سفاح وتصوير إعتقال أحد أفراد أسرته على أنها قضية إنسانية، إنما هو تزييف للحقائق وبمثابة تزوير علني ومفضوح لها.

إنها ليست المرة الأولى التي يلفت إنتباهي تعمد المذيع عندما يأتي في برنامجه على ذكر ليبيا، أن يبادر إلى إثارة قضايا شخصية على حساب الحقيقة المجردة، متجاهلاً حقيقة ما يحدث هناك من أمور كبرى هي ما يجب أن نتوقف عندها.

لو أني لا أحسن الظن بالمذيع لقلت على الفور إن تقريره عن إبنة السنوسي يشبه تماماً إعلاناً مدفوع الثمن، وخلطاً متعمداً بين الحسابات والعلاقات الشخصية وبين الواقع.

لقد إعتادت معظم الصحف الصفراء أن تخلط بين الإعلان والسياسة التحريرية فتضع إعلاناً مستتراً لتمجيد فلان أو للإشادة بمنجزاته على أنها مادة خبرية وتكتفي في بعض الأحوال بكلمة إعلان تسجيلي، هروباً من الغش والتدليس الفاضح ومحاولة لإبراء الذمة بعدما تكون قد أوقعت القارئ في فخ الإعلان غير المباشر.

وربما شيء من هذا القبيل فعله المذيع عندما تناول القصة من جانب واحد، دون أن يسعى لمعرفة أسباب إعتقال إبنة السنوسي، مكتفياً برواية القصة على لسان أمها، على طريقة "ومن يشهد للعروسة إذن؟"

من السخف أن نجتزئ الحقيقة ونتعدى عليها وأن ندلس على المشاهدين بإثارة قضايا صغيرة وتافهة تماماً مقارنة بما تشهده ليبيا، ونبتعد عن مناقشة القضايا الهامة والمصيرية الملحة.

وإذا كان ولابد، فقد كان على صاحب البرنامج أن يلفت عناية مشاهديه إلى أن ضيفته حاولت لدى قدومها إلى مصر في شهر إبريل (نيسان) الماضي تهريب مشغولات ذهبية وأحجار كريمة.

هذه المعلومات ليست إتهاماً مرسلاً فقد أشارت أكثر من صحيفة إلى أنه بعد تفتيش السيارة التي كان يقودها إبراهيم محمد عبد الله زوج سلمى التي كانت ترافقه، تبين أنهما أخفيا مشغولات ذهبية وجواهر بلغ وزنها حوالي 10 كيلوجرامات ولم يثبتاها على جواز السفر.

هذه القضية في ظني لا زالت مفتوحة خاصة بعدما أصدرت نيابة مطروح قراراً بإخلاء سبيل شقيقة زوجة القذافي وزوجها من ديوان قسم شرطة السلوم والتحفظ على المضبوطات لحين الفصل في القضية، علماً بأن قيمة الرسوم الجمركية والغرامة المقررة وصلت إلى أكثر من مليوني جنيه مصري.

ولست أعلم لماذا لم ينتهز المذيع فرصة تواجد زوجة السنوسي معه على الهاتف ليسألها عما هو إتهامات خطيرة إلى زوجها الذي يخضع حالياً لحراسة أمنية مشددة في سجن الهضية بالعاصمة الليبية طرابلس، حيث يقبع إلى جوار بعض المسئولين الكبار سابقاً في نظام القذافي.

ويعتبر السنوسي من الشخصيات المرهوبة الجانب في نظام القذافي، وكان يوصف بأنه عين معمر القذافي وأذنه ويده اليمنى في إحكام السيطرة الأمنية على البلاد، وهو متهم بالمسؤولية عن عشرات الجرائم التي نفذت في البلاد، ومن بينها إعدام أكثر من 1200 سجين رمياً بالرصاص في أقل من 3 ساعات في شهر يونيو عام 1996.

ويقول الثوار إنه هو من أدار طريقة تعامل السلطات الليبية مع الإحتجاجات التي إنطلقت منذ 17 فبراير 2011، والتي تميزت بالقسوة المفرطة والقتل المباشر للمواطنين الليبيين.

وشغل السنوسي عدة مناصب أمنية وعسكرية رفيعة المستوى وضعته في دائرة المقربين من القذافي، أو «رجال الخيمة» وهو التعبير الذي كان يطلق عادة على أبرز الموثوق فيهم من قبل النظام السابق. وأسندت إليه عدة مهام أمنية حساسة، بينها قيادة جهاز الأمن الخارجي والإستخبارات العسكرية، وما يعرف في ليبيا بـ«الكتيبة»، وهي الجهاز المكلف بحماية القذافي، وأصبح يمثل الوجه القمعي للنظام داخل البلاد، ويعتقد أنه يقف وراء تصفية عدد من الأصوات المعارضة في الداخل.

خالد محمود مصر

Copyright © 2012 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 


مواضيع مرتبطة



أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على المصدر



هل لديك تعليق على هذا الموضوع؟ علق عليه الآن

تعليق واحد

  • عبدالله زياد الهويدي

    الاسوأ من ذلك من يصفه بالشهيد ويشبهه بعمر المختار، اقول لهؤلاء شتان بين الثرى والثريا، بين المناضل القومي عمر المختار وبين الديكتاتور المقبور القذافي

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك