إنـهـم يـقـتـلـون الأطـفـال

محمد سعـد النجار
مصر : ۲٦-۱۰-۲۰۱۲ - ۱۱:۱٤ ص - نشر

إنتهى اليوم الدراسي وإستقلت البنات أتوبيس المدرسة إستعداداً للعودة إلى منازلهن وسط دفء أسرهن وأهلهن ولمراجعة دروسهن والإستعداد ليوم دراسي جديد، وخلال تسامرهن وأحاديثهن، صعد أحد الإرهابيين من مقاتلي طالبان باكستان إلى داخل الأوتوبيس، ومن دون كل الأطفال، يوجه سلاحه بلا رحمة أو ذرة من ضمير إلى وجه إحدى البنات، بنت ولا كل البنات، مالالا يوساف زاي (Malala Yosafzai) عمرها خمسة عشر عاماً (15)، أراد الإرهابي أن يطفئ ضحكتها ويسرق مستقبلها، أراد ان يصمت صوتها إلى الأبد، بعد أن لم ترهبها تهديداتهم بعدم الذهاب للمدرسة والكف عن المناداة بتعليم البنات، فالتعليم للبنات يساعد على نشر الرذيلة طبقاً لما يعتقدون.

مالالا طفلة كانت تحلم بأن تكون طبيبة تعالج المرضى الفقراء، يرافقها هذا الحلم في ذهابها وإيابها إلى مدرستها بإقليم سوات الباكستاني المحازي للحدود الأفغانية، هو إقليم شهر العسل، كما يطلقون عليه لفرط طبيعته الخلابة وتفضيل الكثير من الأزواج قضاء شهر العسل به، تسير الحياة في الإقليم بهدوء وسكينة، حتى جاء مقاتلو طالبان باكستان عام 2007، ومنذ هذا العام وأهل الإقليم يمضون حياتهم اليومية تحت نيران المناوشات والقتال بين قوات الجيش الباكستانية ومقاتلي طالبان، حتى رحل معظم السكان ولم يعودوا للإقليم مرة اخرى إلا بعد طرد الجيش لمقاتلي طالبان مع بدايات صيف عام 2009.

كان مقاتلو طالبان قد إتخذوا خلال إحتلالهم للإقليم قراراً بمنع المرأة من الخروج للعمل أو التسوق إضافة لقرار آخر بمنع ذهاب البنات إلى المدارس وحرمانهن من التعليم. لا أعرف هنا لماذا كل الإرهابيون والمتطرفون دينياً يشتركون في شئ واحد لايختلفون عليه مهما إختلفت جنسياتهم أو بلدانهم، وهو إضطهاد البنات والنساء والتحقير من شأنهن والتقليل من أهمية دورهن في مجتمعاتهن وفي مختلف نواحي الحياة؟

مثل كل طفلة، تريد مالالا المولودة في 12-7-1997 إكمال تعليمها لتحقيق حلمها في أن تكون طبيبة، أصرت هي والقليل من البنات على الإستمرار في التعليم والذهاب إلى مدرستهن وتحدي إرادة وأوامر طالبان، كان والدها وهو مدير المدرسة نفسها التي تدرس بها إبنته يشجعها على التعليم، لكنه في نفس الوقت كان يطلب منها أن تغير إتجاهها من الطب إلى السياسة، فهو يحلم بأن يكون لإبنته دور في تقدم باكستان وأن تشارك في صنع سياستها.

بدأت متاعب مالالا مع مقاتلي طالبان عندما بدأت ممارسة التدوين في المدونة الخاصة بمحطة بي بي سي البريطانية بلغة الأردو، وهي لغة الكثير من أهل باكستان، لتبث شكواها من خلال التدوين عن مخاوفها في عدم إكمال تعليمها، وعن إرهاب مقاتلي طالبان للبنات اللاتي تذهبن للمدارس وإرهاب أسرهن، وعن الأحلام المزعجة التي تهاجمها ليلاً وكيف أنها كانت تسير في الشارع ثم شعرت بالخوف من أن يتم قتلها بعد أن سمعت أحد الرجال يسير خلفها ويصيح أقتلها، فتلتفت خلفها في رعب لتكتشف أن الرجل كان يتحدث في الهاتف الخلوي الخاص به لأحد الاشخاص.

شيئاً من تصاريف القدر هو الذي وضع الفتاة، التي كانت تبلغ من العمر أحد عشر عاماً حينها، في المواجهة مع طالبان حين أرادت المحطة البريطانية أن تتعرف على شكل الحياة اليومية للبنات اللاتي تواصلن تعليمهن تحت سيطرة حكم طالبان، من خلال تدوين واحدة منهن ليومياتها، إختار والد الطفلة مالالا إحدى البنات اللاتي تدرسن بمدرسته وعمرها خمسة عشر عاماً للتدوين للمحطة، وبعد أن وافقت الطالبة على ذلك تراجع أهلها خوفاً على حياة إبنتهم من تهديدات طالبان، ولم يجد الأب سوى إبنته الصغيرة لتدوين حياتها اليومية لمحطة بي بي سي، فبدأت بالتدوين في بداية شهر يناير 2009، لتبدأ باكستان بعد ذلك في التعرف على فتاتها الشجاعة من خلال المحطة البريطانية وإزدادوا معرفة بها بعد أن نشرت الصحف المحلية أجزاء من تدويناتها.

فهي تكتب في مدونتها عن مأساة بنات إقليم سوات وحرمانهن من التعليم بسبب حكم طالبان، وعن ذهابهن للمدرسة وهن يخفين الكتب تحت ملابسهن، وكيف أنها رفضت مع زميلاتها تنفيذ تعليمات المدرسة بإرتداء ملابس سادة لا تدل على أنهن طالبات بالمدرسة حتى لا يتعرف عليهن مقاتلو طالبان، فهي تحب إرتداء زي مدرستها الملون وهذا أبسط حق لها، كتبت عن عدم سعادتها بإستذكار دروسها والدراسة بالمنزل عندما أجبرت وغيرها من البنات على عدم الذهاب للمدرسة فهي تريد أن تشعر بأنها طالبة تذهب يومياً لمدرستها لتلقي العلم، ناشدت الرئيس والجيش الباكستاني بتحرير إقليم سوات من مقاتلي حركة طالبان، تتسأل في مدونتها بتعجب عندما تعلم بتحطيم مقاتلي طالبان لعدد من مدارس البنات، وتسأل لقد منعوا البنات من الذهاب للمدرسة.. فلماذا يحطمون المدرسة أيضاً؟

أدى التدوين إلى أن يتلقى والد مالالا وإبنته تهديدات وتحذيرات بالقتل، بل أن التهديدات كانت تصل إليهم عبر الراديو كمزيد من بث الرعب والخوف في قلوبهم، بعد أن علا صوت الطفلة وأصبحت رمزاً للمناداة بحق الفتيات في التعليم.

أجبر إشتداد القتال في الإقليم بين، الجيش وطالبان، أسرة مالالا على أن تغادر الإقليم في آخر شهر يناير 2009 مثلهم مثل معظم سكان الإقليم الذين غادروا، وإستقروا في مدينة أبوت آباد التي كان يقيم بها أسامة بن لادن وتم قتله فيها بعد ذلك. ومع إستمرار الطفلة في التدوين بدأت وسائل الإعلام العالمية تسعى لإجراء مقابلات معها ومن ضمنهم صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية وبعض القنوات التليفزيونية. وبعد أن تم طرد حركة طالبان من الإقليم عادت الأسرة مرة أخرى لمنزلهم في صيف نفس عام 2009 ليجدوا أن المدرسة قد أصابتها بعض الأضرار وإن كانت أفضل حالاً من مدارس أخرى، فحركة طالبان قامت بتحطيم أكثر من 200 مدرسة بإقليم سوات.

في الوقت الذي حصلت فيه مالالا يوساف زاي على عدة جوائز لشجاعتها، من ضمنها جائزة السلام العالمية للأطفال في عام 2011 ثم حصلت على جائزة السلام للشباب وهي جائزة محلية تسلمتها من رئيس الوزراء الباكستاني، كانت حركة طالبان تنوي التخلص من الفتاة الصغيرة بعد أن أصبحت خطراً عليهم وعلى أفكارهم الشاذة المتخلفة، فنور العلم يمحو ظلام الجهل، وهي من وجهة نظرهم تساعد على نشر الثقافة الغربية المنحلة التي تنادي بتعليم الفتيات.

ولم يكن من الصعب على حركة طالبان تنفيذ مخطط عملية الإغتيال، فرغم طردهم من الإقليم إلا أنهم كانوا يعاودون الدخول في مجموعات صغيرة للإقليم وبث الرعب بين الأهالي وتهديد من يخالف أوامرهم وتعليماتهم. حتى جاء يوم التاسع من شهر أكتوبر هذا العام وصعد إرهابي داخل أوتوبيس المدرسة ينوي على فعل آثم لا يقبل عليه إنسان سوي، يريد قتل الفتاة الصغيرة التي لا تملك سوى حلمها وكتبها، وبلا رحمة أو ذرة من إنسانية يصوب سلاحه إلى رأس مالالا ويطلق عليها ثلاث رصاصات، ينالها منهم رصاصتين واحدة في عنقها والأخرى في رأسها وتمت إصابة طفلتين آخرتين في نفس الحادث وإن كانت إصابتهما طفيفة.

نجت الطفلة مالالا بمشيئة من الله ومعجزته من الموت، وتعجب الأطباء من كيفية أن الرصاصة عيار 9مم إخترقت رأسها وأطلقت عليها من مسافة قريبة جداً ولكن لم تقتلها.

وبدلاً من أن يراجع مقاتلو طالبان أنفسهم ويشعروا بالندم والعار والخجل من إطلاقهم الرصاص على الأطفال، يخرج متحدث بإسمهم ويعلن أنه إذا نجت مالالا هذه المرة فإنها لن تنجو في المرة القادمة!

تابع الملايين من أهل باكستان ومن أنحاء العالم حالة فتاة باكستان الشجاعة التي تحدت إرهاب حركة طالبان، يدعون ويصلون ويسألون الله لها الشفاء، الفتاة اصبحت مثالاً على البطولة والإرادة القوية والتحدي في هذه السن الصغيرة أمام مجموعة من القتلة، أسهل شئ لديهم هو القتل بلا رحمة. نجت الطفلة الصغيرة من قتلة الأطفال، ومن كل قتلة الأطفال، سواء من ينادون بحرمان البنات من التعليم أو من يوافقون على زواجهن في سن التاسعة.

تم نقل مالالا يوسف زاي في الأيام الأخيرة إلى بريطانيا لإستكمال العلاج وقد بدأت حالتها في التحسن وإن كانت ستأخذ بعض الوقت من أجل الشفاء الكامل، ولا يستطيع الأطباء الآن معرفة ما إذا كان أي من وظائف المخ ستتأثر، خصوصاً مراكز الذاكرة، وقد نشرت صورة لها من على فراش المرض وهي تحتضن دمية على شكل دب.

حولت أفعال حركة طالبان وقوانينهم اللا إنسانية وطريقة تفكيرهم ونظرتهم للنساء، وجهة نظر وتفكير الطفلة الباكستانية من دراسة الطب إلى عالم السياسة، لقد رأيتها تتحدث في مقابلة مع أحد الصحفيين، فتاة يشع من وجهها الذكاء والثقة بالنفس، وفي عينيها الإصرار والتحدي، يتسم حديثها بالبراءة، تحلم بعالم افضل وأن تتعلم جميع الفتيات في بلدها، تؤمن بأن العلم للفتيات هو السبيل لمواجهة حركات التطرف والرجعية ودعاة الجهل والظلام.

ستنتصر الطفلة مالالا ببراءتها وأحلامها على كل حركات التطرف والإرهاب، وسيصمت دوي الرصاص وينهزم أمام كلماتها.. إذا أردت أن تتعرف على مناضلة حقيقية وزعيمة في المستقبل.. فقط أنظر في إتجاه مستشفى الملكة إليزابيث بمدينة برمنجهام في إنجلترا.

محمد سعـد النجار الولايات المتحدة الأمريكية

Copyright © 2012 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك