لا تـتـكـلـم

بقلم/
مصر : ۱۳-۱۰-۲۰۱۲ - ۳:۲۵ م - نشر

تناقلت وسائل الإعلام في العالم كله خبر فوز الصيني "مو يان" بجائزة نوبل في الآداب لعام 2012 ليكون أول صيني يفوز بهذه الجائزة الرفيعة ولينهمر المجد عليه وهو إبن فلاح صيني بسيط ويبلغ من العمر 52 عاماً، ومن العجيب أن الفائز بالجائزة الأدبية الرفيعة المقام إسمه يعني "لا تتكلم". نعم "لا تتكلم" فعدم الكلام في بلد ذي نظام شيوعي بوليسي صارم مثل الصين يعتبر رأس الحكمة، فكلمة تخرج من بين شفتيك قد تطيح برأسك وكأنك لم تكن.

ولهذا أصبح عدم الكلام نصيحة ووصية وحكمة وشعاراً وميزة بل وإسماً، ولا يقتصر تمجيد الخرس وقلة الكلام علي الصينيين فحسب، بل هناك الآن بيننا من السياسيين المصريين، في مصر ما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، من ينتسبون لنفس المدرسة الفذة، وهي مدرسة تشجيع قلة الكلام والتمكين للخرس السياسي.

وهؤلاء يوجد منهم الكثيرون، فهم للأسف ليسوا قلة بأي حال من الأحوال وستجد منهم طائفة هذه الأيام تخصصت في مناقشة الدساتير وربما كتابتها، ومنذ أيام قليلة كنت أحضر ندوة تناقش باب الحقوق والحريات في الدستور المزمع الجديد، وكانت تضم عدد من السياسيين وممثلي الأحزاب، وعندما جاء ذكر المادة التاسعة التي تنص علي أن حرية الرأى والفكر مكفولة ولكل إنسان الحق في التعبير عن فكره بالرأى والكتابة والتصوير وغير ذلك من وسائل النشر والتعبير، وجدت البعض ينتفض ويتشنج ويهتف بصوت زاعق هادر كنا لا نسمعه أيام مبارك وحبيبه العادلي، وصاح الصائح هل نترك الصحف والقنوات لكل من هب ودب ليتكلم ويقول ما يشاء؟ ويبث في الناس الأفكار الهدامة؟

وسانده آخرون وأصروا علي الإقتراح بإضافة جملة "بما لا يخالف النظام العام" إلي المادة التاسعة، وتكرر الأمر في كل ماده يأتي فيها ذكر الحريات، فيهتف أنصار تكميم الأفواه بأن ذلك يجب ألا يخالف النظام العام، دون أن يحاول أي منهم أن يبين لنا "ما هو النظام العام وما تعريفه بدقة؟" فنحن بصدد دستور لمصر وليس قعدة عرب، ومن الواجب تحري الدقة والنهج العلمي.

وإستمر تكرار كلمة "النظام العام" كلما تكررت كلمة "حرية" أياً كان نوع الحرية، حتي كدت أن أقترح علي السادة أنصار الخرس والتكميم أن نجعل المادة الأولي في الدستور تنص على أن كل المواد الموجودة به يجب ألا تخالف النظام العام.. ونريح ونستريح.

وحتي لا يفهم أحد أنني أهاجم تيار دون تيار، فأنا أقر وأعترف أن أعداء الكلام لا ينتمون فقط للتيار السياسي الديني، بل منهم نماذج في الأحزاب الليبرالية والمدنية عامة لا يطيقون حرية النقاش ولا يستمعون إلا لأنفسهم ويحنون حنيناً شديداً لنظام السمع والطاعة إياه وأعتقد أن ذلك مرجعه إلى الآثار الجانبية لحقن الديكتاتورية التي كان يحقننا بها النظام العسكري علي مدار ستة عقود والذى لم ينجوا من تاثيره بعض الليبراليين أو من يدعون أنهم كذلك.

والأمر الغريب أن عشاق وأبطال نادي الخرس السياسي وفرضه علي الخصوم والأصدقاء علي حد سواء هم أطياف سياسية مختلفة تتناقض مع بعضها في كل شىء، فمنهم الشيوعيون ومنهم أنصار التيارات الدينية السياسية ومنهم الليبراليون ولا يجمع بينهم جامع إلا الإيمان المطلق بأهمية الخرس السياسي وفضائله الحميدة، ولعل من صاغ المثل الشهير القائل (إن كان الكلام من فضة فإن السكوت من ذهب) كان أحد هؤلاء الحكام العظام المؤسسين لهذه المدرسة السياسية التي تحب أن تتكلم طول الوقت وأن يستمع لها الآخرون طوال الوقت.

وأظن أن لدى أنصار هذه المدرسة إستثناء وحيد يمكنك به أن تتحدث 24 ساعة لو أردت وهو أن تكون أحد عازفي سيمفونيات النفاق وأناشيد التملق واغاني الولاء وترانيم السمع والطاعة، وهكذا تجد أن للكلام أعداء يعتبرونه شراً مستطيراً وينسون أن الله عز وجل جعل رسالاته كلمات وان تلك الكلمات كانت ميراث الأنبياء وأن سلاحهم كان الكلمة التي شهروها في وجه طواغيت الأرض وجبابرة العناد.

وينسى أو يتناسى أنصار قصقصة الألسن والتضييق علي الحريات أنه حتى الآراء السقيمة ليس علاجها كتمها والحجر عليها، بل علاجها الصحيح مواجهتها ومقارعتها، الحجة بالحجة والدليل بالدليل، وعلينا أن نعلم أننا إن كنا سنحجر علي كل صاحب رأي معارض وكل صاحب فكر مخالف ونضع في دستورنا ثغرات تتحول وقت اللزوم لفوهات بنادق وحبال مشانق وبوابات سجون تبتلع هؤلاء المتكلمين بما لا يعجب الممسكين بزمام السلطة، عندئذ قل على مصر السلام، ونحن بذلك سنبقى محلك سر وخارج عجلة التاريخ التي لا تكف عن الدوران.

فلا يوجد مجتمع يتحكم به هوس الخرس يمكن أن ينجح في أن يبدع ويتطور، فزاد الإبداع الحرية وخير درع يحمي البلاد من الديكتاتورية حرية التعبير وتقبل الرأي والرأي الآخر بلا خوف أو جزع أو فزع، لأن ذلك يضمن كشف الأخطاء ومحاسبة مرتكبيها وإظهار السلبيات ونقدها وتحلليها وطرح الحلول لها، وإن كان البعض يتعلل بأن هناك من سيستغل حرية الرأي والكلام في غير موضعها، فهناك قانون صارم وعادل يحاسب المخطىء ويوقفه عند حده ويجازيه إذا ثبت خطأه.

ولعل اأبر الدروس، التي ظهرت عياناً بياناً خلال ثورة يناير، أن مبارك لم يحميه كبت الحريات وإخراس الأصوات وقطع الألسن وقصف الأقلام وزيف الإعلام من أن يسقط في مزبلة التاريخ التي مازالت فوهتها واسعة وتستطيع أن تستوعب كل من لا يواكب فكره زمانه.

فحركة الزمن والتطور سنة من سنن الله والكون، ولا يمكن ان نثبت عقارب الزمن عند عقلية حجرية تنتمي لعصور إغلاق النوافذ ومصادره الآراء وشمولية الفكر، ولم يعد من الممكن إجبار الأفراد والشعوب على ألا تتكلم.

وقد أثبت "مو يان" أنه مهما حاولوا أن يكمموا فمك ويخفوا صوتك ويقصقصوا لسانك وحتى لو أسموك "لا تتكلم" فإنه يمكنك أن تحصل علي جائزة نوبل في نظم الكلام.

د. أحمد عبد الفتاح عثمانمصر

سكرتير عام حزب المصريين الأحرار بالغربية

عضو لجنة الدستور بحزب المصريين الاحرار

Copyright © 2012 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

تعليق واحد

  • محمد سعد النجار

    الفاضل د. أحمد عبد الفتاح عثمان

    قرأت مقالك المميز بعنوان "لاتتكلم "، واسمح لى بملاحظة حول إسم الفائز بجائزة نوبل للأدب هذا العام (مو يان) (Mo Yan) فاالفائز بجائزة نوبل هو من إختار الإسم لنفسه، بعد أن غير بإرادته إسمه الذى حمله عند مولده وهو (Guan Mayo) إلى إسمه الجديد مو يان، إسم مو يان فى اللغة الصينية يعنى أن لا تتكلم أو لا تتحدث أو أصمت ولكنه هنا ليس صمت الخوف والرهبة أو الصمت بأمر السلطة، بل الصمت كحكمة، صمت التأمل والتفكير والمشاهدة، الأديب مويان البالغ من العمر 57 عاماً إسمه يعتبر من الأسماء الجميلة فى الصين وإن كان غير منتشر كثيرا هناك، وكتابات الرجل جزء كبير منها يدور حول الثقافة والتقاليد الصينية القديمة وله كتابات تحولت إلى أعمال سينمائية.

    والصينيون الحاصلون على جائزة نوبل قبل مويان هم من المقيمين خارج الصين أو المنشقين عن النظام، بينما مو يان أول صينى يحصل على الجائزة وهو يقيم داخل الصين فى نفس الوقت، يؤدى عمله كأستاذ جامعى ويكتب ويبدع ولا يحمل أى مشاكل مع النظام هناك، وقد تم الإحتفال به كثيرا داخل الصين بعد إعلان فوزه بالجائزة.

    ولعل صمت الحكمة والتأمل الذى أتخذه مو يان منهجا لنفسه، وبعده عن الجدل هو ما ساعده على الإبداع وكان سببا فى حصوله على جائزة نوبل فى الأدب.

    تحياتى وكل عام وأنتم بخير.

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك