رسائل الرئيس مرسي في حواره الأول مع التليفزيون المصري

بقلم/
وفاء داود
مصر : ۲٤-۹-۲۰۱۲ - ۱۰:۰۵ ص

من الواضح أن تسجيل هذا الحوار تم منذ فترة وهو ما يفسر عدم إثارة عدد من القضايا التي استجدت على الساحة المصرية وأهمها حادث السفارة الأمريكية، إلا أن إذاعة هذا الحوار في هذا التوقيت، في اليوم الرابع والثمانين لمرسي كرئيس لمصر، يؤكد أن الهدف الجوهري لإجراء الحوار هو مطالبة الشعب بالصبر عليه وإعطائه مزيداً من الوقت مسابقاً الجميع باعترافه بعدم تمكنه من الوفاء بوعود المائة يوم، طالباً عدم التقيد بالجدول الزمني الذي وضعه فيما يسمى بوعود المائة يوم الأولى.

وهو ما ظهر في حديثة لثلاث مرات متكرره في مواضيع متباينة والمطالبة ببعض الوقت مؤكداً أن ذلك الوقت الذي يطلبه ليس تسويفاً ولكن ليكمل ما بدأه من جهد، ولعل ذلك يفسر استخدامه للفظ أن المائة يوم هو "تقسيم نوعي"، مشيراً إلى وجود ملفات آخرى مثل الإستثمار والإستقرار حازت على أولويات أجندته السياسية خلال الأربعة والثمانين يوم الأولى.

وقد اختلف حوار الرئيس مرسي عما تعودنا عليه من حوارات الرئيس، فظهر معه مذيعاً غير معروف ولعل هذا متعمداً، كما لوحظ تلاشي ظاهرة التسويق السياسي لإنجازات الرئيس التي سئمنا منها، ولوحظ أيضاً التعمد في أن يتخذ من مكتبه مكاناً للحوار وذلك لكونه أول حوار له بعد توليه الرئاسة.

وركز الحوار على إرسال عدد من الرسائل كان من أهمها تأكيد الرئيس مرسي على وحدة الشعب، وطمأنة طوائفه بأنه لا يميز بين طوائف الشعب وأنه حريص على تماسكه، موضحاً إدراكه لمدى المسؤلية التي تقع على عاتقه بعد فوزه في الانتخابات، واصفاً الانتخابات بالحره النزيهة، مؤكداً أنه جاء نتيجة إرادة شعب ترجمت في نتائج الانتخابات الرئاسية.

واستهداف الرئيس خلال حواره إنهاء جدلية أن هناك فضل لحزب أو لجماعة معينة في قيام ثورة 25 يناير، قاطعاً ذلك بقوله بأن الثورة صنعها كل المصريون في كل أنحاء مصر ولم يكن هناك استثناء لأحد على أحد، مشيراً إلى أن كل بيت في مصر شارك في إطلاق الثورة المصرية التي غيرت مجرى النظام السياسي المصري.

وحرص الرئيس مرسي على الإشارة إلى معرفته بالمطالب الأساسية للثورة والتي تتمحور حول الحرية والعدالة الاجتماعية، موضحاً معرفته وإدراكه لأبعاد الإستبداد التي كانت بمثابة الوقود لقيام الثورة والتي لخصها في: "الفساد، والرشوة، والمحسوبية، والدكتاتورية، والفراغ السياسي، والتزوير، وإهدار الموارد، وتدني الخدمات، وسيطرة عصبة تتكون من 32 عائلة مكونة 400-500 فرد يحتكرون موادر الدولة المصرية"، لافتاً الإنتباه إلى أن هناك محاولات تروج لأفضلية العودة لما كان قبل الثورة، وهي إشارة  لأتباع شفيق وغيرهم ممن يتحسرون على أيام مبارك بحجة أن الفساد أهون من عدم الاستقرار، موضحاً أنها محاولة لتزيف الوعي، مؤكداً جهده في إعادة الأمن بكافة عناصره والتي لا تقتصر على الأمن السياسي بل مكافحة الجريمة قبل حدوثها.

وفي إطار الحديث عن الدولة المدنية والدستورية، أكد مرسي مراراً وتكراراً على احترامه وتقديره للقضاء المصري، والحرص على صيانته واستقلاله، والنزول لأحكامه، وهو ما أوضحه في أنه لا يريد إصدار قرارات استثنائية تعاقب الفاسدين في مرحلة الانتقال الديمقراطي، وأنما يفضل "الرتم" العادي للأمور وإتباع الآليات القضائية والقانونية في مواجهة ملف الفساد الإداري والمالي في مصر، وتطرق مرسي إلى حرصه على تطبيق وثيقة الأزهر الشاملة للعديد من المبادرات والوثائق الآخرى التي قدمت من العديد من القوى السياسية، مشيراً إلى إلتزامه بقيم الحرية والعدالة الاجتماعية، مؤكداً حرصه على تشكيل الدولة المصرية الوطنية الديمقراطية الدستورية الحديثة التي تقوم على أن الشعب مصدر السلطات وعلى مبدأ تداول السلطة.

وقد استعرض الرئيس مرسي خلال الحوار عدداً من القضايا وتفاصيلها ليُعلم شعبه بأنه على دراية بتفاصيل هذه الملفات، ومنها الأسعار والضرائب والمظاهرات الفئوية والعشوائيات وغيرها، مستبقاً في اعترافه بعدم تمكنه بالوفاء بما وعد به في المائة يوم الأولى، موضحاً وجود أولويات لهذه المرحلة والتي تنصب على إرساء الأمن والإستقرار أولاً لتحقيق التنمية، طالباً بعض الوقت للوفاء بما إلتزم به، مشيراً إلى أنه قد تمكن من تحقيق المطالب السياسية للثورة والتي تتمثل في الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير، موضحاً أن الخطوة الثانية التي تسعى مؤسسة الرئاسة إلى تحقيقها هي التنمية الإقتصادية.

وقد أوضح مرسي عدم دهشته من تخوف البعض من أحد التيارات السياسية، مرحباً بتعدد وتنوع الرؤى والتوجهات والمواقف السياسية، طالباً القوى والتيارات السياسية عدم التخوف من تيار معين على مصر أو التشكيك في وطنيته، موضحاً عدم وجود مجال لتخوف طالما تنصب الجهود في صالح الوطن.

وتعهد مرسي في حواره بحل مشكلة العشوائيات موضحاً أن إرتقاء وتقدم المجتمعات ومواجهة البطالة وتحقيق التنمية الزراعية والصناعية تتم من خلال الإرتقاء بالمنظومة التعليمية، مدركاً المعاناة التي تعانيها المنظومة التعليمية في مصر، طالباً تعاون أطراف العملية التعليمية من مدرسين وأولياء أمور للنهوض بالتعليم في مصر، داعياً المعلم للقيام بدوره الحقيقي وداعيا أولياء الأمور لمواجهة ظاهرة الدروس الخصوصية مشيراً إلى أن أولياته تكمن في زيادة المخصصات المالية للإنفاق على التعليم في مصر، وهذا ما وعد به في الموازنة المالية للدولة 2013-2014، واستفاض في شرح هذا الملف كثيراً هو ما يعكس خبرته كأستاذ جامعة.

وفي سياق متصل، أوضح أن الفساد الإداري في مصر يمتد من أسفل الهرم لأعلاه، مؤكداً أنه تحدي كبير يواجه الدولة المصرية، وأنه يتحرك نحو المحاور الأساسية لمواجهته، لافتاً إلى ما قام به من قرارات للإطاحة ببعض القيادات وتغيير عدد من الأشخاص في المناصب القيادية، مؤكداً عدم ترك أي فاسد يعمل في مصر، مشيراً إلى إلتزامه "برتم" المرحلة الإنتقالية وعدم رغبته في التسرع في هذه الإجراءات، راغباً في استخدام الطرق الشرعية القانونية والقضائية للتخلص من الفساد، وتطرق إلى استراتيجيته في استرداد الأموال المنهوبة مشيراً إلى السيطرة على عدد من الفاسدين ومتابعة الآخرين دون أستثناء. مؤكدا أن ملف الفساد أحد أولوياته ويتعامل مع هذا الملف بدقة كبيرة لانه يؤثر على مسيرة التنمية.

اللافت للانتباه هو تحفظ مرسي على كلمة اسعافات معدلاً الكلمة إلى "حل الأزمات الطارئة" لإدراكه بأن الإسعافات لا تغني عن الحلول والعلاج، وتلك الكلمة التي انتقد النظام السابق بها، وحرص مرسي على التأكيد بأن قرارات 12 أغسطس والتي أطاحت بقيادات المؤسسة العسكرية هي قرارات لازمة وواجبه لا تستهدف مؤسسة أو أشخاص وأنما كانت بهدف تحقيق مصلحة الشعب المصري، كما لوحظ  تفاؤل مرسي في تحقيق التنمية مشيراً إلى ضخامة الموارد، موضحاً خططته القادمة والتي تتمحور على التوزيع العادل للموارد ومحاربة الفساد موضحاً خطاه المدروسة في هذا الملف.

من الأمور الإيجابية التي لوحظت هي استخدام المذيع لكلمة السلطة التنفيذية بدلاً من استخدام كلمة الحكومة، بخلاف ما كان شائعاً حيث أن كلمة الحكومة تعني السلطات الثلاثة وليس كما يشاع بأنها السلطة التنفيذية فقط.

ومن الأمور السلبية التي اتضحت في أول حوار لرئيس الجمهورية هو تحديد الأسئلة واقتصار الحوار على تناوله قضايا معينه مثل تطوير المنظومة التعليمية والعشوائيات ومكافحة الفساد المالي والإداري والنأي بعيداً عن تناول القضايا الجدلية خاصة فيما يتعلق باللجنة التأسيسية للدستور، إلى جانب خلو الحوار من أي حلول آنية لما يواجهه المواطن البسيط من مشكلات يومية، فكل ما خلص له الحوار هو المطالبة بمزيد من الوقت، وتسكين المواطن بالأسلوب العقلاني الذي تحدث به مرسي في الحوار، ومن النقاط السلبية أيضاً كثرة استخدام "أنا" في الحوار، ورغم استخدام لغة الجسد، إلا أنه بالغ في استخدمها بعض الشيء، ومع ذلك يجب الإشارة إلى أنها كانت مؤشراً وتعبيراً عن صدق انفعاله.

وفاء داودمصر

باحثة دكتوراه في العلوم السياسية

Copyright © 2012 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 


مواضيع مرتبطة



أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على المصدر



هل لديك تعليق على هذا الموضوع؟ علق عليه الآن

تعليق واحد

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك