الفيلم المسيء وصانعو المؤامرة

بقلم/
مصر : ۲۲-۹-۲۰۱۲ - ۱۰:۵۳ م - نشر

هذا الفيلم هو أحد آليات صانعي المؤامرة من المراهقين سياسياً، وهم ثلاثي تلاقت مصالحهم، ويتمثلون في اللوبي اليهودي الصهيوني الذي يخشى النظام السياسي المصري الحالي، وأقباط المهجر الذين يريدون تطبيق أجندة معينة، واليمين الأمريكي المتطرف الذي يتمثل في الحملة الانتخاية للمرشح الجمهوري "رومنى" المنافس للرئيس أوباما.

وأراد الثلاثي بهذا الفيلم استفزاز العالم الإسلامي، تطبيقاً لما يسمى بنظرية صراع الحضارات، وليس غريباً أن يكون ضمن هذا الفريق القس جونز، ذلك الذى قام بحرق القرآن الكريم فى مشهد لا علاقة له بالقيم الدينية والأخلاقية، إلى جانب موريس صادق، الذي جاب شوارع واشنطن حاملاً الصليب فى يد والإنجيل فى الآخرى هاتفاً ضد الإسلام والمسلمين عند سقوط برجي التجارة العالميين، والذي ساهم في وصول الفيلم إلى الشرق الأوسط.

إن صانعي المؤامرة تعمدوا إخراج الفيلم باللغة العربية لإثارة الرأى العام الإسلامي لدفعه للقيام بالاعتداء على السفارات الأمريكية، بهدف الزج بالولايات المتحدة الأمريكية فى القضية، لتحقيق مكاسب انتخابية للمرشح الجمهوري، ووضع الرئيس أوباما في موقف محرج خاصة وأنه يطمح في الترشيح لدورة ثانية، فالفيلم يمثل إحدى آليات المعركة الانتخابية بين الحزبين آخذاً الشرق الأوسط ملعباً له، مصدراً هذه الأزمة خارج أراضي أمريكا لفتح ملف "الأمن القومي الأمريكي الداخلي مرتبط بالأمن القومي الخارجي".

ومن خلال الرصد والتحليل لوحظ أن استهداف نشر الفيلم في توقيت ذكرى 11 سبتمبر يهدف إلى إحياء مشاعر عداء الأمريكيين للمسلمين والعرب، وخصم رصيد أوباما الذي حصده من قتل "أسامة أبن لادن"، والتأكيد على فشل أوباما في حماية أمريكا من التطرف الإسلامي كما يدعون، فضلاً عن أهداف خارجية تتمثل في إثارة مشاعر مسلمي الشرق الأوسط ضد الولايات المتحدة لإثارة الفوضى وعدم الإستقرار وتعكير صفو العلاقات المصرية الأمريكية لتوجيه أمريكا للبحث عن حليف آخر لأن الحليف الحالي غير مجدي لها، وهذا ما نجحوا فيه حيث أتضح ذلك في مقابلة أوباما مع قناة "يونيفيجن" على هامش حملة انتخابية له بولاية فلوريدا يوم الخميس 20 سبتمبر.

قال أوباما في المقابلة: "لا يمكننا استبدال طغيان الدكتاتورية بطغيان الغوغاء.. ولذا فإن رسالتنا إلى رؤساء مصر وليبيا وتونس والدول الأخرى هي أننا نرغب في أن نكون شركاء لكم.. سنعمل معكم ونقف إلى جانب الديمقراطية"، فضلاً عن تأجيل زيارة الرئيس مرسي للولايات المتحدة الأمريكية والإكتفاء بالمشاركة في الدورة الـ 67 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي نفس الوقت يعمل اللوبي اليهودي على زعزعة ثقل أوباما الإنتخابي من خلال الترويج عبر الصحف الإسرائيلية لما يسمى بـ"تهاوي الإمبراطورية"، والإشارة إلى تدني مكانة أمريكا في الشرق الأوسط بعد ولاية أوباما مستشهدين بأحداث السفارة في مصر وليبيا، ومن الناحيه الأخرى، يقوم بعض أقباط المهجر بحشد المظاهرات للإنتفاض ضد مرسي أثناء زيارته للولايات المتحدة الأمريكية ورغم ما قام به البعض من نفي ذلك إلا أن هذا السيناريو يتم الإعداد له منذ فترة ولايزال قائما، والأيام القادمة ستثبت ذلك.

وعلى الصعيد المصري، استهدف هذا الفيلم تحقيق بعض الأهداف، والتي تتمثل في عرقلة خطوات مرسي في استكمال مهام الـ100 يوم، والتأثير على الاقتصاد المصرى بشكل مباشر، لأنه يثير مخاوف المستثمرين، ويجهض جهود العاملين فى قطاع السياحة، وملأ ملف مرسي بحوادث عدم الإستقرار، فضلاً عن عرقلة وتآخير زيارته للولايات المتحدة الأمريكية وخلق مظاهرات عارمة ضده أثناء زيارته لأمريكا.

واستكمالاً لأهداف هذا الفيلم في تمزيق المجتمعات العربية خاصة بعد تلاقي مصالح الثلاثي المتعصب في العالم، تم تفعيل استراتيجية النفخ فى هذه القضية وهو ما يفسر انتشار العدوى من الولايات المتحدة الأمريكية، بتكرار السيناريو ذاته في اليوم الثاني في فرنسا، ثم في بريطانيا في اليوم الثالث، ومؤخراً في ألمانيا.

إن هذه الأفعال ليست بجديدة، بل اعتاد الكثيرون منا على مواجهتها خاصة وأنها تتم في توقيت ذكرى 11 سبتمبر، وندرك جيداً أن الرسول (صلى الله وعليه وسلم) لم يكن الهدف، بل إثارة مشاعر مسلمي الشرق الأوسط لخلق بؤر التوتر وعدم الاستقرار والتسويق لإكذوبة "التطرف الإسلامي"، فإذا نظرنا للسياق التاريخي نتذكر أنه فى عام 2005 نشرت صحيفة "جيلاندز بوستن" الدنماركية 12 رسماً مسيئاً للرسول (صلى الله وعليه وسلم)، فى هذه الأشهر الثـلاثة أعادت 143 صحيفة فى 56 دولة نشر الرسومات بحجة الدفاع عن حرية التعبير، وفي عام 2006 ظهر فيلم "فتنة" الذى أنتجه المتعصب الهولندى خيرت فيلدرز ليسىء إلى الدين الإسلامى ويعتبره أصل الإرهاب فى العالم، وفي نفس العام أعيد نشر الرسوم في العديد من الدول وامتدت من نيوزيلندا إلى المجر والنرويج وسويسرا وألمانيا وإيطاليا.

واستغلت صحيفة "فرانس سوار" الرسوم للخروج من أزمتها المالية، ولم يمض عامان حتى أعادت 17 صحيفة دنماركية نشر الرسوم تحت شعار "دفاعاً عن حرية الرأى" ووصل الأمر فى 2010 إلى حد إصدار كتاب فى كوبنهاجن ضم الرسوم، وفي نفس العام ظهرت أزمة إنشاء مسجد فى نيويورك ودعوة حرق القرآن فى 11 سبتمبر 2010 -ذكرى انهيار برجي التجارة العالمي- ودعوة جونز لحرق القرآن وقيام القس المجهول ومعه 7 أفراد بحرق أجزاء من المصحف فى إحدى مناطق ولاية تكساس، ثم موقعة رواية وليمة لأعشاب البحر إلى جانب دعايات بعض المتعصبين فى أمريكا ضد الإسلام التي تبدأ في سبتمبر من كل عام، فضلاً عما قام به القس فريد فيليبس، قس كنيسة ويستبورو بابتيست، ويكرر الشيء نفسه القس تيرى جونز عندما هدد بحرق نسخ من المصحف، وفي 2012 تستكمل الإستراتيجية لتذكير الأمريكيين بكابوس "الإسلام والإرهاب"، وينتج هؤلاء فيلما يصور المسلمين على أنهم إرهابيون، ويقدم مشاهد تعتبر الإسلام دينا دمويا، وتسىء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

إن من يقف وراء إنتاج الأفلام المسيئة للإسلام يميناً متعصباً وصهيونياً متطرفاً، متمسكاً بأحياء ذكرى 11 سبتمبر، لافتعال ظاهرة "الإسلاموفوبيا" أو الخوف من الإسلام، من خلال نصوص كتبت وصور وأشكال رسمت وأفلام أخرجت، تندد كلها بالإسلام وتتهجم على رسوله، كل هذ استراتيجياً تكتيكياً لخلق العدو الإسلامى ليحل محل العدو السوفيتى وأنه سيناريو من الهوس الدينى المتزايد، الذى يشتد مع التنافس الشرس على كرسى الحكم فيما يسمى الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ولعله مؤشر يشير إلى أن القائم بإدارة الحملة الانتخابية للمرشح "رومنى" هو نفسه الذي كان يدير حملة "جون ماكين" 2008، حيث وظفت نفس الآلية التى دخل فيها المسيح طرفاُ فى السباق لنيل أصوات الناخبين والناخبات.

وفاء داودمصر

باحثة دكتوراه في العلوم السياسية

Copyright © 2012 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك