توجهات السياسة الخارجية المصرية في عهد الرئيس مرسي
تقرير تحليلي

بقلم/
مصر : ۱۸-۹-۲۰۱۲ - ۷:۵۹ م - نشر

تعود محللو السياسات في مصر على تغير توجهات السياسة الخارجية المصرية مع تغير الرؤساء، ويرجع ذلك إلى فقدان الدولة المؤسساتية في مصر، والإعتماد بصفة أساسية على شخصية الرئيس، ومع صعود التيار الإسلامي للحكم في مصر بعد الربيع العربي، سادت حالة من الخوف حول توجهات السياسة الخارجية المصرية وإحتمالية تكرار نموذج الدولة الباكستانية، والطموح إلى النموذج التركي، كما ظهرت أقاويل تطرح سناريوهات تعكر صفو العلاقات المصرية الأمريكية وتوجه السياسة الخارجية المصرية إلى التطرف الإسلامي.

إلا أنه في حقيقة الأمر، يلاحظ إهمال النظام السابق عدد من الدوائر السياسية خاصة العربية والأفريقية والإسلامية، والإكتفاء بتبعية النظام الدولي متمثلاً في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو الأمر الذي أدى إلى تدني مكانة مصر عربياً وإقليمياً ودولياً، إلى جانب تهديد الأمن القومي المائي لمصر، وصعود قيادات إقليمية منافسة لمصر سواء في الدائرة العربية كالسعودية وقطر أو في الدائرة الإسلامية كتركيا وإيران.

وكان التحدي الحقيقي للرئيس محمد مرسي، هو إحياء حيوية السياسة الخارجية المصرية، وتحديد معالمها وتوجهاتها السياسية، في الوقت الذي يجب عليه إعادة المكانة السياسية لمصر عربياً وإقليمياً ودولياً، وهذا ما سوف نحدده من خلال رصد وتحليل زيارات الرئيس خلال الشهرين الأولين من حكمه، ومن هنا يتناول هذا التقرير محورين، الأول رصد زيارات الرئيس مرسي، والثاني يستعرض التوجهات الجديدة للسياسة الخارجية المصرية في عهد الرئيس الإسلامي.

أولاً -: زيارات الرئيس محمد مرسي:

  • في (10 – 11) يوليو 2012: قام الرئيس مرسي بزيارته الخارجية الأولى إلى المملكة العربية السعودية، وربما يرجع ذلك باعتبار أن العلاقات المصرية–السعودية علاقات تقليدية تعود إلى ما قبل ولادة الجمهورية، ولم تضطرب هذه العلاقات إلا لفترة قصيرة في العهد الناصري، وتولي شخصية إسلامية رئاسة الجمهورية الجديدة  قد تشكل تحدياً لمصداقية النظام السياسي السعودي، ولعل هذا يرجع إلى رغبة الرئيس المصري لتطمين الشركاء العرب التقليديين في السعودية وليطمئن أيضاً وضع الملايين من العاملين المصريين في السعودية.
  • في 11 أغسطس 2012: استقبل الرئيس المصري في القاهرة أمير قطر، سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي وصل العاصمة المصرية في زيارة قصيرة ليوم واحد، تضمنت الزيارة إيداع الضيف 2 مليار دولار في البنك المركزي المصري لتعزيز وضع المالية المصرية العامة، تستهدف الزيارة التوكيد على علاقات قطر بالقيادة والنظام المصريين الجديدين، إلا أن الزيارة سبقت قرارات مرسي الحاسمة بيوم واحد، وهو ما يثير الجدل حول خصوصية وعمق العلاقات بين الدوحة والرئاسة المصرية الجديدة.
  • في (14 – 16) أغسطس 2012: كانت الزيارة الثانية للرئيس مرسي إلى السعودية حيث وصل إلى مكة المكرمة للمشاركة في مؤتمر منظمة التعاون الإسلامي الطارئ، الذي دعا له العاهل السعودي. وطرح الرئيس مرسي مبادرة للتعامل مع الأوضاع في سوريا  مقترحاً تشكيل لجنة تتكون من مصر والسعودية وتركيا وإيران، للعمل على إيجاد حل للأزمة السورية، وتُعد هذه المبادرة بمثابة توفير فرصة لإيران لأن تصبح طرفاً في الحل بدل أن تكون جزءاً من المشكلة، إلا أن الاستجابة لم تكن سريعة أو واضحة.
  • في (27 – 29 ) أغسطس 2012: فتح الرئيس مرسي ملفاً جديداً للسياسة الخارجية المصرية، والتي دشنت من خلال زيارته للصين لثلاثة أيام،  وكان الهدف الأساسي لزيارة الصين اقتصادياً، وهو ما يفسر العدد الكبير من رجال الأعمال المصريين الذين رافقوا الرئيس في رحلته، وهناك هدف سياسي لزيارة الصين والذي يتمثل في كونها  أول خطوة للرئيس المصري خارج النطاق العربي، وأول زيارة لأي من الدول الكبرى، خاصة وأنه كسر السير التقليدي لزيارت رئيس مصر للعالم الدولي التي كانت دائماً تبدأ بالولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنه ذهب إلى الصين.
  • في 30 أغسطس2012: وصل الرئيس مرسي إلى العاصمة الإيرانية "طهران" لحضور الجلسة الافتتاحية لقمة دول عدم الانحياز وتسليم رئاسة المجموعة، التي كانت تقودها مصر في الدورة السابقة، إلى إيران، و هاجم مرسي في كلمته بالمؤتمر نظام الأسد في سورية وقام بالدعوة لتنحيه ومساندة الشعب السوري وثورته.

ثانياً -: التوجهات الجديدة للسياسة الخارجية المصرية في عهد مرسي:

خلال الشهرين الأولين من عهد محمد مرسي على صعيد السياسة الخارجية، يرى البعض أن زيارة مرسي للسعودية والموقف الحاسم المعلن في طهران من الأزمة السورية دليلاً على أن النظام المصري الجديد لن يغير في سياسة الانحياز للمعسكر الأمريكي وحلفائه الإقليميين، بينما يرى البعض الآخر أن زيارة الرئيس مرسي للصين ومجرد التوقف في إيران دليل على أن مرسي سيأخذ مصر إلى المعسكر المناهض للسياسة الأمريكية وإلى معسكر تحالفي جديد. إلا أنه من خلال الرصد والتحليل نجد أن توجهات السياسة الخارجية المصرية في عهد مرسي تميل إلى الوسطية والإعتدال وفقاً لأولويات معينة تقوم على أربع دوائر أساسية والتي حددها بشكل واضح في خطابة بجامعة الدول العربية يوم 5 سبتمبر عام 2012، وهي:

أولاً – الإهتمام بالدائرة العربية:

وتعتبر هذه الدائرة التي عمل النظام السابق على إهمالها وتلاشيها من أجندة السياسية الخارجية المصرية، ومن خلال تحليل خطاب الرئيس في جامعة الدول العربية يتضح أنه يود استكمال بناء جمال عبد الناصر في مشروع القومية والوحدة العربية وذلك من خلال توحيد الصف العربي سياسياً واقتصاياً وثقافياً لتحقيق التكامل العربي المشترك، وإتفاقية الدفاع العربي المشترك والذي يُعد محاكاة للإتحاد الأوروبي.

ثانياً – الدائرة الإسلامية:

وهي أيضاً من الدوائر التي أهملها النظام السابق في وقت بدأت تظهر طفرة تنموية لعدد من الدول الإسلامية، كما أن بعض الدول الإسلامية خاصة تركيا استطاعت خطف الدور الإقليمي من مصر مما همش من دور مصر إقليمياً وعربياً ودولياً، وتشمل الدائرة الإسلامية  كافة الدول الإسلامية في المنطقة، وفتح علاقات جديدة معها تقوم على الوحدة والإندماج وهو الأمر الذي يستقطب دول إسلامية مثل تركيا وماليزيا وسنغافورة وإيران، وإذا نظرنا إلى تتبع السياق التاريخي لزيارات الرئيس مرسي في الأيام القليلة الماضية نجده زار عدداً من الدول الإسلامية وعلى رأسها إيران، وهو ما يؤكد فتح ملف الدائرة الإسلامية، ووضعه موضع التنفيذ وجعله أحد أولويات أجندة السياسة الخارجية المصرية، وهو ما سوف يلقي بعدد من التأثيرات على الخريطة الجغرافية للمنطقة مستقبلاً، ومن أهمها:

  • استقطاب إيران لصالح الدول العربية في مواجهة الدول الغربية خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.
  • فتح علاقات جديدة مع روسيا والتحالف معها، وهو الأمر الذي يعطي الضوء الأخضر لروسيا لكي تعمق من علاقاتها السياسية مع مصر بالتوازن مع سوريا وتتحول توجهات السياسة الخارجية الروسية بدلاً مما كانت قائمة على أن سوريا هي البوابة الوحيدة لروسيا للوصول للشرق، ستكون مصر وسوريا بالتوازي بوابتين أساسيتين  للعبور للشرق، وذلك سيكون هناك تطلع لعودة الدور القيادي لروسيا في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية.

ثالثاً – الدائرة الأفريقية:

تعتبر من أكثر الدوائر السياسية إهمالاً في السياسة الخارجية المصرية على مدار العقود الماضية لاسيما في ظل فترة الرئيس السابق حسني مبارك خاصة بعد تعرضه  لمحاول الإغتيال في أديس أبابا عام 1995، مما أنتج عدة تأثيرات سلبية على الأمن القومي المصري من خلال دخول إسرائيل للمنطقة الأفريقية، وتهديد الأمن المائي لمصر لاسيما فيما يتعلق بقضية مياة النيل مع دول الحوض العشرة وعلى رأسهم أثيوبيا.

رابعاً – الدائرة الغربية:

إن الدائرة الغربية كانت تمثل الأولوية الأولى والوحيدة في توجهات السياسة الخارجية المصرية في عهد الرئيس السابق، إلا أنه من خلال تحليل خطاب الرئيس مرسي يتضح إعادة ترتيبه لهذه الدائرة لتحتل المرتبة الرابعة والآخيرة، مؤكداً عدم إهماله لهذه الدائرة إلا أنه يرى أن الأولوية تكون للدول العربية ثم الكيان الإسلامي ومن بعده الإفريقي ليكون هناك دوراً محورياً لمصر والدول العربية دولياً.

وفاء داودمصر

باحثة دكتوراه في العلوم السياسية

Copyright © 2012 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك