هل حقا رحلت أبي؟

ولاء أحمد زرزور
مصر : ۱۱-۹-۲۰۱۲ - ۳:۳۸ م - نشر

هل حقاً رحلت أبي؟

هل حقاً رحلت أبي؟

هل حقاً ذهبت حيث اللامنطق؟

هل حقاً أصبحت الآن روحاً بلا جسد؟

هل تشعر روحك بي الآن؟

هل تشعر بي أبي؟ هل تشعر أنني أفتقدك؟ هل تشعر أن اليتم أدركني؟

هل تشعر بدموعي الحارة لفراقك ؟ هل تشعر بوجع قلبي من الحزن لفراقك؟

هل تسمع كلماتي إليك؟ هل سمعتني وأنا أقولك لك أحبك؟

هل سمعتني وأنا أقول سامحني؟! هل سامحتني؟!

هل سمعتني وأنا أتساءل هل أنت راض عني؟! هل أنت راض عني يا أبي؟!

هل رأيتني وأنا أبتسم لصورتك الباسمة وأقول لك وداعاً يا أبي.. إنتظرني؟

فارقني جسدك يا أبي ولكن روحك معي.. فارقتني أناملك الناعمة التي كانت تمسح على رأسي برفق عندما أكون حزينة.

فارقني صوتك الرخيم عندما كنا نتحدث سوياً في السياسة والأدب.

فارقتني شفتاك الدافئة التي كانت تطبع قبلاتك الحانية على جبيني.

فارقتني عيناك التي كانت تفيض حناناً بنظراتها إلي.

فارقني قلبك الكبير الحنون المتسامح الذي كان يسع الجميع.

أفتقد تسامحك الرائع الذي علمتني إياه.

أفتقد روح الدعابة التي كانت تسكن قلبك وأراها بين كلماتك.. أفتقد كلامك الهادئ وطفولتك الرائعة.

أفتقد مشاعرك الفياضة.. أفتقد إحساسك بجميع من حولك.. أفتقد ثقافتك التي إن وزعناها على العالم بأكمله لن تنفذ.

أفتقد رقتك وحزنك على أطفال الإنتفاضة الفلسطينية.. أفتقد كتاباتك الرائعة.

أفتقد الأب الجميل المتسامح هادئ الطباع جميل الكلام.

أفتقد تشجيعك لي وتفاؤلك المستمر.

أفتقدك أبي كثيراً وأشعر بلوعة في قلبي فإنني لم أرك منذ عام مضى وكنت أنتظر الصيف القادم حتى أراك وأزور معك منزلنا الصغير في قريتنا النائية مثلما اتفقنا منذ يومين قبل رحيلك.. ذلك المنزل الذي قضيت به أجمل أيام طفولتي معك ومع جدتي رحمها الله.

فقد كنت كل أجازة صيف تأخذني لقضاء العطلة الصيفية مع جدتي وكنت تجهز لي ما لذ وطاب من قصص ومجلات وتتركني أقرأ وأتخيل وأبحر بخيالي في كتاباتك وأشعارك وقصائدك الرائعة.

وكنت أيضاً تعلمني كيف أصنع سنارة الصيد ونذهب سوياً لنهر قريتنا الصغير ونجلس تحت ظل الأشجار المطلة على حافة النهر ونظل هناك طيلة اليوم أستمتع بقصصك الجميلة التي كنت تتفنن في قصها علي بطريقة الأغنية.. ثم يحضر أصدقاؤك الأوفياء يشاركوننا رحلتنا الصغيرة على حافة النهر ويمر اليوم ونعود للبيت متهالكين وكأننا أحضرنا كل ما في النهر وتظل جدتي تتخيل أنواعاً وألوناً من الأسماك تخرج من سلة الصيد، وبخفة ظلك المعهودة تفتح السلة وتخرج منها ثلاث سمكات صغيرات لا تكاد تدركها العين وتعطيها لجدتي وتقول لها (أشوي لنا تلك السمكات يا أمي) ونضحك جميعاً حتى يدركنا النوم وثاني يوم نكرر نفس الرحلة الشاقة الممتعة الرائعة التي علمتني الصبر.

لقد علمتني يا أبي كيف أستمتع بأقل القليل.. لقد علمتني كيف أن أظل دائماً راضية عن حالي وأن أحمد ربي في كل الأحوال.. علمتني التسامح حتى مع من جرحوني.. علمتني كيف أن الدنيا عادلة حتى وإن ظلمت.. علمتني كيف هو الضمير وماهو وجعه.

علمتنى كيف أمسك قلمي وورقتي وأخط كل ما أشعر به.. كنت في صغري تعطيني القلم وتقول لي أريني إبداعك يا صغيرتي.

علمتني الكثير وأعطيتني أكثر.

ثق يا أبي الجميل أن عطاءك المستمر لن ينقطع وثق بأبنائك.. فنحن إن شاء الله سنكون إمتداداً لك ولعلمك وعملك الصالح في الدنيا الذي لن ينقطع.

إطمئن يا أبي على أطفال العالم العربي، فستظل أشعارك وقصائدك في كتبهم الدراسية يرددونها ليتعلمون منها الأخلاق والآداب.. سيظل علمك يا أبي صدقة جارية لك.. يعلم الأطفال والناس ماهي القيم والأخلاق.

رقيق أنت يا والدي وطيب ومتسامح ومؤمن وشريف وخفيف الظل وحنون وعادل.

رحمك الله يا أبي وغفر لك وجعل حب الناس لك وأخلاقك وإيمانك بالله وعلمك وأدبك بميزان حسناتك.

إلى لقاء غير معلوم يا والدي الحبيب.

أحبك..

٣ سبتمبر ٢٠١٢

ولاء أحمد زرزور مصر

Copyright © 2012 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

7 تعليقات

  • عبدالعزيز الحفني

    مقال جميل جدا ذكرني بوالدي– رحم الله اباكي وزاد في حسناته بما تقدميه من خير– جزاك الله خيرا
    الللهم اغفر لوالدي وجميع موتي المسلمين يارب العالمين وارزقنا الذريه الصالحه لتنفعنا بعد مماتنا ياالله

  • هدير حسن ابو غزاله

    رحمه الله على شاعرنا الجميل والاب الحنون ..اسكنه الله فسيح جناته وجمعنا واياه فى الجنه ……

  • الناقد/هشام بهاء الدين

    الشاعرة الجميلة/ ولاء أحمد زرزور… لكم أدمعت عيناي عند مطالعتي لما سطرته أحزانك عن وفاة والدك الراحل الشاعر المبدع الأستاذ/ أحمد زرزور، أشاطرك أحزانك والبقاء لله وإنا لله وإنا إليه راجعون، ولأسرتك الكريمة خالص العزاء.

    • ولاء زرزور

      اسعدني كثيرا تفاعلك مع مقالي واحساسك به شكرا جزيلا للناقد الاستاذ هشام

  • على شاهين

    مقال رائع ياأستاذة ولاء وجزاك الله خيرا ورحم الله أباك وجعلك الله عملا صالحا له نصيب فى ثوابه والله الموفق

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك