أين أنت يا فخامة الرئيس؟

بقلم/
فاتن حافظ
مصر : ۳-۹-۲۰۱۲ - ۱:۲٦ م - نشر

القضية ليست من سيحكم بل كيف سيحكم، كان هذا موضوع مقالي السابق الذي ناقشت فيه كيفية أداء الرئيس وليست ما هي خلفياته أو إتجاهاته وكانت بالنسبة لي قضية محورية جوهرية مصيرية ستتحكم في مقدرات 90 مليون مصرياً لا يريدون أن يعانوا أكثر مما عانوا أو يكابدوا أكثر مما كابدوا، وصولهم إلى الديمقراطية كان بشق الأنفس، بعد ستة أعقاد من الزمن كانت عسيرة وقامعة و مجحفة.

قال الشعب كلمته، تبنى الديمقراطية وأقر بإرادته وإختار ما إختار وهو الآن ينتظر بترقب وتحفذ وبقلق مفرط أولى التغيرات التي وعدنا بها الرئيس الجديد، وهي مسؤليات جسام وتغيرات هائلة لا نتوقع إنجازها علي الفور ولكن نتوقع بدايات وخطوات أولية، وأنا لست الوحيدة ولا الأخيرة إذا عبرت عن حالة الصدمة والإندهاش لأولى سلوكيات مجلس الرئاسة والتي لا تمت لمصلحة الشعب بصلة ولا تلوح بأية بشاير تحلق في أفق مصر القادم، لذالك أوجه وأكتب هذه الكلمات لأسدي فيها بالنصيحة وليس وصاية أو فرض رأي فجميعنا في النهاية معنيون بمصلحة البلاد العليا.

السيد الرئيس، طموحاتك عالمية أكثر منها قومية، كان لك موقفاً بارزاً في نصرة الشعب السوري ومؤازرته في محنته وبلاءه حتى وإن كان بكلمات تأييد وتشجيع ودعم المسلم لأخيه المسلم، وذلك عند حضورك قمة عدم الإنحياز في طهران، ومجابهة رعونة الإدارة الأمريكية، ودعم الشعب الفلسطيني في غزة عندما حطمت الحدود وفتحت المعابر والأنفاق، ثم زيارتك للصين لتوطيد العلاقات، هذا غير زياراتك الواسعة لتركيا و السعودية والسودان وقطر وأنت لم يمر على توليك الرئاسة إلا 90 يوماً بعد، نظرتك يا سيدي دولية أكثر منها إقليمية وإنجازاتك ترسيخ وتوطيد علاقات خارجية أكثر منها إستقرار وإستتباب أوضاع داخلية.

أنظر إلينا يا سيدي الرئيس، فالقاهره تغرق في القمامة، والبطالة تنخر في عظام الشباب، والغلاء يفترس الفقراء، والجهل يرتع في عقول البسطاء، والتلوث يهلك صحة الأقوياء، والفساد يتفشى في أحشاء المؤسسات، وبنية البلاد التحتية إن لم تكن محطمة تماماً فهي لا تصلح للإستخدام الآدمي.

لقد عدت لتوي من مصر ورأيت بعيني لا بعين زميلي. نحن شعب ذو تاريخ عريق ولكنه فقير ومنهك، لا نحتاج إلى صدارة دولية أو ريادة إسلامية، نحتاج إلى الأساسيات: تعليم وصحة وغذاء ورواتب وبنية تحتية تليق بمصر.

تقف مصر على أعتاب مستقبل واعد وموقع ريادي في العالم العربي، فكيف لا تملك دستوراً ولا برلماناً حتى الآن؟ أليس من المفروض أن تشغل هذه القضايا قمة أجندتك وأولى أولوياتك؟ عجل لنا يا سيدي الرئيس بإنشاء مجلس شعب موقر ودستور جامع شامل نزهو به ونفخر. وإن كانت لنا تجربة سابقة قاسيه في إنشائهما ثم إجهاضهما، فلنا أن نتعلم ولا نكرر الأخطاء.

الشعب المصري مهتم جداً بقضية الدستور، وهو شعب يستحق أن يشارك بقلبه وعقله وكل حواسه في وضع الدستور، فكيف تهيمن التيارات الدينية على اللجنة التأسيسة للدستور وكأن مصر ليست غنية بتنوع الكفاءات والأطياف؟ فأرجوا أن لا تهمشوا المدنيين والليبراليين واليساريين والوسطيين والمسيحيين وذوي التعليم العالي من الجامعات الدولية. نريد دستوراً راسخاً يستطيع أن يحتوي الأجيال القادمة والسياسات المتغيرة لأحقاب قادمة من الزمن، دستوراً لا تغيب عنه إرادة الشعب، دستوراً بدرع فولاذي يكفل الحقوق ويضمن الحريات.

أرجو أن لا تسمح بقيام مجلس شعب تهيمن عليه التيارات الدينية حتى وإن كانوا هم من رشحوك لمنصب الرئيس، ليس هذا وقت رد الجميل، لا نريد أعضاء ذوي ميول إخوانية أو سلفية ولا نريد أداءاً مخجلاً داخل المجلس يفتقر الرشد والوقار، نريد مجلساً للشعب يتحلى بالرزانة والكياسة، يسعى لرفع الأعباء عن الشعب وهمومه، وليس لأخذ قروض وحوافز وإمتيازات شخصية، مجلس الشعب هو واجهة الشعب أمام العالم، فلا تجعلهم يخذلونا مرة أخرى.

هناك عدم توازن وديكتاتورية في سلوك مجلس الرئاسة تجاه الصحافة والإعلام، فلأول مرة أجد تصريحات لقياديين من جماعات الإخوان تنشر على الصفحات الأولى في الجرائد الحكومية وهم ليسوا في مناصب وزارية ولا حكومية أو حتى وظيفية، وهذة كارثة، حيث أصبحت الصحافة المصرية موجهة لخدمة الأغلبية الحاكمة حالياً كما كانت في عهدها السابق مع الرئيس مبارك، وحاشى لله إن قام مذيع أو مذيعة بإنتقاد الحكم أو إنتقاد هيمنة التيارات الدينية أو أخونة الدولة، يحتمون في ذاتك الرئاسية ويقومون بإيقاف البرامج ثم المذيع، كما حدث مع المذيعة هالة فهمي، أما إذا قام المذيع بالعيب في الذات الرئاسية فيوقف البرنامج ثم المذيع ثم المحطة بالكامل ويزج بالمذيع في السجن ويحول الى محكمة الجنايات في خلال أيام، كما حدث مع توفيق عكاشة، رغم عدم إحترامي له.

هذا وناهيك عن ما قد يصب على رؤوس الكتاب ورؤساء التحرير إذا ما حاولوا نقد الجماعة، فإما أن تمنع مقالاتهم من النشر أو تغلق جرائدهم، كما حدث في جريدة الدستور أو تسأل شهادتهم في محاضر حررت ضدهم. سلوكيات يا سيدي الرئيس لم تبعد كثيراً عن سلوكيات جماعة جمال وعلاء مبارك الذين كانوا يحتمون في سلطة والدهم المغيب عن حال بلاده.

لماذا لا يتقبل الإخوان المسلمون النقد بصدر رحب وينظرون إليه كأنه دروس مستفادة لإصلاح الأداء وإتقان العمل؟ علماً بأن وضع مصر الحالي لا يسمح بضيق أفق أو سلوكيات هوجاء ساذجة ولا يسمح بديكتاتورية تبطش بمن ينتقد وتمجد من يمدح، تبقي من كان قوله على هواهم وتطرد من كان قوله على غير هواهم، ليس قمع الصحافة وإغتيال الفكر هو الحل، فلن تزداد البلاد إلا جهلاً وتأخراً بالقمع وعرقلة الإبداع والإبتكار، وقد إرتقت الشعوب برقي كتابها وإعلاميها، ولعلهم خير مرشد لك وأصدق مقياس لحال شعبك وبلدك، فلا تحبس أنفاسهم ودعهم ينطلقون.

من المعروف أن رئيس أي دولة يعين نخبة من المستشارين والمساعدين يعينوه بخبراتهم على إدارة شئون البلاد، ولكني فوجئت بهذا الكم الكبيىر من المساعدين والمستشارين مما يهدر هيبة مؤسسة الرئاسة وقد يأتي بنتائج عكسية فيزيد من التشوش والبلبلة، خاصة في محيط إتخاذ القرار، فيوجد 4 مساعدين و17 مستشاراً وهذه مجموعة ليست قليلة، وهل فعلاً يحتاج الرئيس كل هذا العدد.

سبق أن ذكرت عدة مرات أن مصر دولة مدنية ديمقراطية، وأنا حتى الآن لا أراها مدنية ولا ديمقراطية، فلازال هناك تعنت وإضطهاد في بعض المجالات وضد أشخاص معينين، ولا أرى ديمقراطية في شعب إستحوذ الإخوان المسلمون على رئاسة وزارته والوزارات ورؤساء تحرير الصحف والمحافظين ورؤساء النقابات والهيئات وأعضاء مجلس الشعب، فأين هي المساحة التي يشغلها المدنيين والمستقلين وكل من يرغب في حياة كريمة يوفرها له ضمير حي وليس تياراً سياسياً أو دينياً؟ لا بد من إعادة هيكلة وإعادة توزيع وإعادة تصحيح الوضع حتى نكفل لكل فئة ممثل ينوب عنها وينطق بلسان حالها، فيحدث التوازن المطلوب لإدارة البلاد، وهذه من أبسط قواعد الديمقراطية.

مصر دولة واعدة صاعدة رائدة، ذكرها الله في كتابه الكريم، وهي في أولى خطواتها للعلاء مرة أخرى، وإن كانت تعثرت أو تباطأت، فستحلق قريباً في سماء المجد إن شاء الله، طالما هناك ضمير حي يرعاها ويرعى صالحها العام. حما الله مصر ووفقكم لما فيه عزة ورفعة وعلو شأن مصرنا الحبيبة.

فاتن حافظأمريكا

كاتبة مصرية مقيمة في الولايات المتحدة

Copyright © 2012 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

5 تعليقات

  • أحمد عبد الله

    بعد أن لقبوا شيخ الأزهر بأنه شيخ منصر كان تشبيه تصرفات الاخوان بتصرفات اولاد مبارك الذين كانوا يتحامون فى سلطة والدهم تشبيه فى محله

  • دينا إبراهيم

    المقالة رائعة كالعادة. نتمنى لك مزيد من النجاح.

  • داليا المغازى

    نحى فيكى صحوه الضمير والنظرة الثاقبه

  • فتحى عبد الغنى

    نحن من نصنع الديكتاتور عندما لاننتقد الرئيس أو نسمح لأخرين بأن ينتقدوه. أليست من وعوده تغيرات جذريه فى أول مائة يوم من حكمه؟ وهل يكفى أن يذهب لزيارة الدول الأخرى لجلب الدولارات وحال البلاد بهذا السوء؟ أنا مواطن أعيش فى مصر و أستيقظ كل يوم على المشهد المأ سوى الذى تغرق فيه البلاد في أكوام الزباله التى تسد الشوارع فى مناطق عين شمس وأحمد عصمت وبلطجية الدويقه ومنشيه ناصر والقلعه الذين أرهبوا المواطنين فى ارقى أحياء مصر وفى المناطق السياحيه والسرقه والرشوه المعلنه التى أصبحت حلال بسبب الفقر والغلاء، وهل هناك تفسير لعجز الأمن حتى الأن امام الاسلحه وأدوات الصعق الكهربائي التى تملأ جيوب العاطلين؟ نعم جميعها مخلفات نظام سابق ولكننا فى عصر جديد ولن نسمح باستمرار الاهمال و الغفله، والتجنى هنا ليس على مجلس الرياسة، التجنى على الشعب الغلبان، وأنا أتفق مع الكاتب، أريد رئيسا يثبت أقدام المصرى المطون داخل بلده وليس اقدام الاخوان فى مجلس الرياسه.

  • ندى العقاد

    هذه المقاله يجب ان توجه الى المخلوع وليس الى الرئيس المنتخب، فهو السبب فى ما تعانيه مصرنا  العزيزه الان من البطاله والجهل والتخلف.  للاسف هناك مغالطات كثيره فى هذه  المقاله.  اولا مرسى لم يذهب الى تركيا بعد ولا السودان ولا قطر. رئيس وزراء قطر هو الذى زار مصر.  يا سيدتى الرئيس عندما يذهب خارج مصر فهو يرجع بملايين الدولارات والعديد من المشروعات التى سوف تجلب الخير لمصر. لا نريد ان نخلق فرعونا جديدا. الرئيس المنتخب ليس هو الذى يسمح بانتخاب تيارات دينيه او علمانيه، الذى يسمح هو الشعب المصرى. ثم بدايه لاى نقد لابد من ذكر الايجابيات مع السلبيات. هل ليست هناك اى يجابيات لمرسى فى الستين يوم؟ التجنى واضح على مجلس الرئاسه وعلى كل شيء يفعله؟ هناك حكم سابق على فشله. البعض يتمنى هذا. ارجو عدم التسرع واعطاءه فرصه للعمل.

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك